كتب: كمال إدريس

مع بدء العد التنازلي لانطلاق المونديال، تبدأ الأجواء في التغيّر، ويصبح العالم أشبه بمسرح كبير يشهد أجمل العروض الثقافية والموسيقية والاستعراضية. وتملأ الألوان والصخب وأهازيج الجماهير أرجاء المعمورة، في شغف كبير يحدو بعشاق كرة القدم في مختلف أنحاء العالم. وتتغير مواعيد العمل وأنماط الحياة، ويعيش الجميع هدنة نفسية تمتد لشهر كامل، تغمره أجواء المتعة والسحر الحلال.

ودرَج الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا» في كل نسخة من كأس العالم على إصدار أغنية رسمية للبطولة، تعكس ثقافة الدولة المستضيفة والقارة التي تنتمي إليها، وتتناول أحياناً هموم الناس وآمالهم. وبمرور الوقت أصبح ذلك تقليداً راسخاً يرافق كل مونديال، قبل أن يتطور لاحقاً إلى إصدار ألبوم كامل، كما حدث في مونديال جنوب أفريقيا 2010، حين تنافس كانّان وشاكيرا بأغنيتيهما الشهيرتين، ما دفع «فيفا» إلى إصدار ألبوم ضم عدداً من الأغنيات المرتبطة بالبطولة.

وبدأ هذا التقليد مع أول نسخة لكأس العالم عام 1930، شأنه شأن التميمة والشعار الرسميين للبطولة. إلا أن الأغنية التي صدرت في الأوروغواي لم تتجاوز حدودها المحلية بسبب طبيعة لغتها وانتشارها المحدود آنذاك. كما لم تحظ أغنيات مونديالي 1934 و1938 بالشهرة ذاتها للأسباب نفسها، إضافة إلى ضعف التوثيق في تلك الفترة.

وجاء الانفجار الحقيقي مع مونديال تشيلي 1962، عندما أطلقت فرقة الروك المحلية Los Ramblers أغنية «El Rock del Mundial»، التي تعد أول عمل موسيقي ترويجي يرتبط مباشرة بالبطولة. وعُرفت تلك المرحلة بالأغاني المحلية والتقليدية، واستمر ذلك حتى مونديال المكسيك 1986، حيث ركزت الأغاني على الطابع الوطني واللغة الخاصة بالدولة المضيفة.

ورغم استعانة الأرجنتين بالموسيقار الإيطالي الشهير إنيو موريكوني لتأليف المعزوفة الرسمية لمونديال 1978، فإن المكسيك قدمت في نسخة 1986 موسيقى تعكس الفلكلور الشعبي والبهجة اللاتينية.

وشهد العالم المرحلة الأكثر تطوراً في مجال التأليف الموسيقي فيما عُرف بفترة التبني الرسمي والعولمة (1990 ــ 2018)، حيث بدأ الاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA) الإشراف المباشر على الأغاني الرسمية للبطولة، بدءاً من مونديال إيطاليا 1990 مع أغنية «Un'estate italiana» التي مزجت بين الأوبرا والروك.

وفي مونديال فرنسا 1998، تحول كأس العالم إلى منصة تسويقية كبرى للموسيقى العالمية عندما قدم ريكي مارتن أغنية «The Cup of Life»، التي أثبتت أن أغاني المونديال قادرة على تحقيق نجاح تجاري عالمي واسع.

وبلغت ذروة الاهتمام والتسويق في مونديال جنوب أفريقيا 2010، عندما قدمت شاكيرا أغنية «Waka Waka»، التي مزجت بين موسيقى البوب الحديثة والإيقاعات الأفريقية التقليدية، لتصبح الأغنية الأكثر نجاحاً وانتشاراً في تاريخ بطولات كأس العالم.

ومع المنافسة التي صنعتها أغنية «Waving Flag» للمغني الكندي من أصول صومالية كانّان، والتي تناولت قضايا النزوح والتشرد، اتجه «فيفا» إلى إصدار أول ألبوم يضم عدداً من الأغنيات الرسمية التي حظيت برعاية كبرى الشركات العالمية.

وفي مونديال قطر 2022، تخلى الاتحاد الدولي لكرة القدم للمرة الأولى عن فكرة الأغنية الرسمية الواحدة، واتجه إلى إصدار ألبوم غنائي متكامل، تقدّمته أغنية «أرحبوا» باللغتين العربية والإنجليزية، إيذاناً بدخول مرحلة جديدة تقوم على تنوع الأصوات والأنماط الموسيقية، بما يعزز قيم التنوع والشمول الثقافي.

وتزامن ذلك مع المهرجانات الموسيقية المتنقلة والعروض الاستعراضية، حيث تتحول الشوارع والساحات والميادين العامة في الدول المستضيفة، وفي عدد كبير من دول العالم، إلى مسارح شعبية وثقافية تمتزج فيها المتعة الرياضية بالأصالة الثقافية والاجتماعية.

وواصل «فيفا» تطبيق استراتيجية الألبوم متعدد الأصوات في كأس العالم 2026، عبر إشراك مجموعة من النجوم، من بينهم شاكيرا وبيرنا بوي وإليانا وليزا، بما يعكس اتساع الرقعة الجغرافية للبطولة التي تستضيفها ثلاث دول.

وفي كثير من الأحيان ينسى الناس تفاصيل المنافسة بعد سنوات من انتهاء المونديال، لكن أغنيات البطولة تظل حاضرة في الذاكرة، كما هو الحال مع أغنية ريكي مارتن في مونديال فرنسا 1998، وأغنية شاكيرا في مونديال جنوب أفريقيا 2010.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...