شبكات أجنبية متهمة بتغذية النزاع
العقوبات تعكس تحولًا في الموقف الدولي تجاه الأزمة السودانية
عقوبات أميركية استهدفت شركات مرتبطة اقتصاديًا بقوات الدعم السريع
عقوبات على مؤسسات وشركات مرتبطة بالجيش السوداني
تقرير إطاري: نادرة المهدي
منذ انقلاب 25 أكتوبر (تشرين الأول) 2021م الذي نفذه قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو، ضد الحكومة المدنية الانتقالية، دخل السودان في عزلة سياسية متزايدة، قبل أن يتحول الصراع بين الطرفين إلى حرب شاملة في أبريل (نيسان) 2023م.
ومع تصاعد الانتهاكات الإنسانية، واتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية، بدأت كلٌّ من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وبريطانيا وكندا، فرض عقوبات متتالية على قادة عسكريين وشركات مالية ومؤسسات مرتبطة بالجيش السوداني وقوات الدعم السريع، إضافة إلى شبكات تمويل إقليمية ودولية.
ويرى مراقبون أن هذه العقوبات تمثل اعترافًا دوليًا بفشل سياسة الإفلات من العقاب التي رافقت السودان منذ عهد الرئيس المعزول عمر البشير وحتى الحرب الحالية.
العقوبات الأميركية والدولية على أطراف الحرب في السودان :
فرضت الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون، سلسلة متصاعدة من العقوبات على قادة عسكريين وسياسيين وشبكات اقتصادية مرتبطة بالحرب الدائرة في السودان، في إطار ضغوط دولية تستهدف وقف الانتهاكات وتجفيف مصادر التمويل العسكري للأطراف المتحاربة.
وفي يناير 2025م، فرضت وزارة الخزانة الأميركية، عقوبات على قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، وتشمل العقوبات تجميد ممتلكاته ومصالحه في الولايات المتحدة.
وقالت الخزانة الأميركية –حينها-: إن الجيش السوداني بقيادة البرهان ارتكب هجمات مميتة بحق المدنيين وشن غارات جوية على المدارس والأسواق والمستشفيات.
عقوبات أميركية على قادة الدعم السريع وشبكات التمويل :
في يناير 2025م، فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو "حميدتي"، متهمة قواته بارتكاب انتهاكات واسعة في دارفور، شملت القتل الجماعي على أساس عرقي والعنف الجنسي والتهجير القسري، مع توجيه اتهامات أميركية بارتكاب "إبادة جماعية".
كما وسعت واشنطن عقوباتها ضد عبد الرحيم حمدان دقلو، إلى جانب عدد من القادة الميدانيين في قوات الدعم السريع، بينهم تجاني إبراهيم موسى وعلي يعقوب جبريل (قتل في معارك الفاشر)، بتهم تتعلق بإدارة عمليات قتالية وانتهاكات ضد المدنيين في دارفور، و"عبد الرحمن جمعة بارك الله وعثمان محمد حامد (عمليات).
وشملت العقوبات الأميركية جدو حمدان أحمد محمد، على خلفية اتهامات بتمويل العمليات العسكرية ودعم الشبكات المالية المرتبطة بالحرب.
واستهدفت واشنطن –أيضًا- القوني حمدان دقلو، متهمة إياه بشراء الأسلحة لصالح الدعم السريع وإدارة شبكات مالية وتجارية مرتبطة بتمويل العمليات العسكرية.
قادة عسكريون وسياسيون تحت العقوبات :
وشملت عقوبات أميركا والاتحاد الأوروبي –أيضًا- رئيس حركة العدل والمساواة , وزير المالية جبريل إبراهيم، بعدما اتهمته واشنطن بدعم الشبكات الاقتصادية المرتبطة بتمويل الحرب وتسهيل العمليات العسكرية.
وفرضت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، عقوبات على القيادي الإسلامي ووزير الخارجية السابق علي كرتي، بتهمة تقويض العملية السياسية ودعم شبكات محسوبة على الحركة الإسلامية، متهمة إياه بتغذية النزاع.
أما مدير جهاز الأمن والمخابرات السوداني السابق صلاح عبد الله قوش، فبقي ضمن قوائم العقوبات الأميركية المرتبطة بانتهاكات حقوق الإنسان خلال عهد الرئيس المعزول عمر البشير.
كما فرضت واشنطن عقوبات في أكتوبر 2024م على مدير عام منظومة الصناعات الدفاعية في الجيش السوداني، الفريق أول ميرغني إدريس سليمان، والذي وصفته بـ"مسؤول شراء الأسلحة"، واتهمته بالمساهمة في جهود القوات المسلحة للحصول على أسلحة، وتوسيع نطاق الحرب.
كما فرض الاتحاد الأوروبي في يناير 2026م، عقوبات على "كتيبة البراء بن مالك"، وهي ميليشيا متحالفة مع الجيش السوداني، بسبب اتهامات بالمشاركة في الحرب وارتكاب انتهاكات مسلحة ضد المدنيين. وشملت العقوبات قائد الكتيبة أبو زيد طلحة المصباح.
شركات ومؤسسات مالية ضمن قوائم العقوبات :
استهدفت العقوبات الأميركية عددًا من الشركات المرتبطة اقتصاديًا بقوات الدعم السريع، متهمة إياها بتسهيل عمليات التمويل وتحويل الأموال وشراء المعدات العسكرية.
ومن أبرز هذه الشركات: "كابيتال تاب القابضة"، و"كابيتال تاب للاستشارات الإدارية"، و"كابيتال تاب للتجارة العامة"، إضافة إلى: "كرييتف بايثون"، و"الزمرد والياقوت للذهب والمجوهرات"، و"الجيل القديم للتجارة العامة"، و"هورايزون للحلول المتقدمة للتجارة العامة"، و"تراديف للتجارة العامة"، و"الجنيد متعددة الأنشطة"، و"الفاخر للأعمال المتقدمة".
وفي المقابل، فرضت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، عقوبات على مؤسسات وشركات مرتبطة بالجيش السوداني، من بينها "منظومة الصناعات الدفاعية"، و"شركة ريد روك للتعدين"، و"بورتكس تريد المحدودة"، متهمة إياها بدعم البنية الاقتصادية والعسكرية المرتبطة بالحرب.
شبكات أجنبية متهمة بتغذية النزاع:
وفي تطور لافت، فرضت الولايات المتحدة خلال عامي 2025م و2026م، عقوبات على شبكات أجنبية متهمة بتجنيد مقاتلين لصالح قوات الدعم السريع، خصوصًا من كولومبيا.
كما استهدفت العقوبات شركتي "فينيكس للموارد البشرية" و"جلوبال قوى البشرية"، بعدما اتهمتهما واشنطن بتجنيد مقاتلين سابقين وإرسالهم إلى السودان للمشاركة في القتال إلى جانب قوات الدعم السريع.
شركات مرتبطة بالدعم السريع تحت العقوبات:
فرضت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، عقوبات على عدد من الشركات المرتبطة اقتصاديًا بقوات الدعم السريع، متهمة إياها بتمويل الحرب وإدارة شبكات تجارة الذهب والتحويلات المالية.
ومن أبرز هذه الشركات "الجنيد متعددة الأنشطة" (Junaid Multi Activities Co Ltd)، التي اتهمت بإدارة موارد مالية مرتبطة بالدعم السريع وتوفير مصادر تمويل للحرب.
كما فرضت واشنطن عقوبات على "كابيتال تاب القابضة" (Capital Tap Holding LLC)، و"كابيتال تاب للاستشارات الإدارية" (Capital Tap Management Consultancy)، بسبب اتهامات بإدارة شبكات مالية وتجارية مرتبطة بالدعم السريع وتسهيل التحويلات المالية والأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالحرب.

الاتحاد الأوروبي يوسِّع عقوباته على أطراف الحرب في السودان:
بدأ الاتحاد الأوروبي فرض عقوبات مباشرة على أطراف النزاع في السودان منذ يناير (كانون الثاني) 2024م، قبل أن يوسع نطاقها تدريجيًا خلال عامي 2025م و2026م، لتشمل شخصيات عسكرية وسياسية، وكيانات اقتصادية مرتبطة بالجيش السوداني وقوات الدعم السريع.
وشملت الإجراءات الأوروبية: تجميد الأصول المالية، وحظر السفر إلى دول الاتحاد الأوروبي، إضافة إلى منع أي تمويل أو تعاملات اقتصادية مع الأفراد والمؤسسات المدرجة ضمن قوائم العقوبات.
وضمت القوائم الأوروبية، شخصيات عسكرية وقيادات ميدانية متهمة بالمشاركة في العمليات القتالية والانتهاكات المسلحة، إلى جانب شركات ومؤسسات مالية يشتبه في استخدامها لتمويل الحرب أو تسهيل عمليات التسليح ونقل الموارد المرتبطة بالنزاع.
تكشف العقوبات الدولية المتصاعدة ضد طرفي الحرب في السودان، عن أن النزاع لم يعد مجرد مواجهة عسكرية داخلية، بل تحول إلى ملف دولي يرتبط بجرائم حرب وانتهاكات واسعة وشبكات تمويل عابرة للحدود، وسط تصاعد الضغوط الغربية لعزل المتورطين في القتال وتجفيف مصادر تمويل الحرب.
ويرى مراقبون أن هذه العقوبات تعكس تحولًا في الموقف الدولي تجاه الأزمة السودانية، بعدما بدأت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وبريطانيا، الربط بصورة مباشرة بين استمرار الحرب وغياب العدالة والمحاسبة، وهي الأزمة التي رافقت السودان منذ عقود، بدءاً من عهد الرئيس المعزول عمر البشير وصولًا إلى الحرب الحالية.
ويحذر متابعون من أن أية تسوية سياسية لا تقوم على محاسبة فعلية وإنهاء سياسة الإفلات من العقاب ستظل عاجزة عن تأسيس دولة مستقرة أو بناء عقد اجتماعي جديد في السودان، معتبرين أن الحروب التي تبدأ بلا عدالة غالبًا ما تعود بأشكال أكثر عنفًا ودمارًا.
ومن بين أبرز الشخصيات التي شملتها العقوبات، نائب قائد قوات الدعم السريع عبد الرحيم حمدان دقلو، الذي اتهم بقيادة عمليات عسكرية في دارفور والفاشر تسببت في قتل جماعي وانتهاكات واسعة ضد المدنيين، شملت العنف الجنسي والتهجير القسري وحصار مدينة الفاشر.
كما استهدفت العقوبات، القوني حمدان دقلو، المسؤول عن الإمداد والتسليح في قوات الدعم السريع، بتهم تتعلق بشراء الأسلحة وإدارة شبكات مالية مرتبطة بالحرب وتمويل العمليات العسكرية.
وشملت القائمة –أيضًا- القيادي الإسلامي ووزير الخارجية السوداني السابق علي كرتي، إذ اتهمته بروكسل بتقويض الانتقال السياسي ودعم شبكات مرتبطة بالنظام السابق والحرب، واستخدام نفوذ سياسي ومالي لإطالة أمد الصراع.
وكذلك فرض مجلس الاتحاد الأوروبي، عقوبات على ميرغني إدريس وقائد سلاح الجو في الجيش اللواء طيار ركن الطاهر محمد العوض الأمين، متهمًا إياهما بتحمل المسؤولية عما وصفه البيان بـ"القصف الجوي العشوائي للمناطق السكنية المكتظة بالسكان منذ بداية النزاع".
وفرض الاتحاد الأوروبي، عقوبات على القائد العسكري المتحالف مع الجيش أبو عقلة محمد كيكل، على خلفية اتهامات باستهداف مجموعات مدنية في ولاية الجزيرة وارتكاب انتهاكات ضد سكان الكنابي والتحريض على العنف العرقي.
كما شملت العقوبات حسين برشم، وهو قائد ميداني في قوات الدعم السريع، بتهم تتعلق بالقتل الجماعي والعنف العرقي والهجمات ضد المدنيين في دارفور والتهجير القسري.
وضمت القائمة كذلك "كتيبة البراء بن مالك"، وهي جماعة مسلحة متحالفة مع الجيش السوداني، واتهمها الاتحاد الأوروبي بالمشاركة في العمليات العسكرية وتهديد السلم والاستقرار وارتكاب انتهاكات ضد المدنيين.
وفرض الاتحاد الأوروبي، عقوبات على الطيب إمام جودة، أمير قبيلة الكواهلة النفيدية في السودان، وذلك ضمن حزمة عقوبات صدرت في نهاية شهر يناير 2026م.
وفي الجانب الاقتصادي، فرض الاتحاد الأوروبي، عقوبات على "بنك الخليج " (Alkhaleej Bank)، متهمًا إياه بتمويل عمليات قوات الدعم السريع وإدارة تحويلات مالية مرتبطة بالحرب، إضافة إلى ارتباطه بشركات مملوكة لعائلة حميدتي.
كما استهدفت العقوبات "شركة ريد روك للتعدين" (Red Rock Mining Company)، بتهم تتعلق بتسهيل تصنيع الأسلحة والمركبات لصالح الجيش السوداني، واستغلال قطاع التعدين في تمويل الحرب والارتباط بشبكات إنتاج عسكري.
بريطانيا: العقوبات لتفكيك "آلة الحرب"
أكدت الحكومة البريطانية، أن العقوبات المفروضة على أطراف النزاع تهدف إلى "تفكيك آلة الحرب في السودان"، ومنع استمرار الانتهاكات ضد المدنيين.
وشملت العقوبات البريطانية عبد الرحيم حمدان دقلو، الذي اتهمته لندن بالمسؤولية المباشرة عن مجازر في دارفور والفاشر، وإدارة قوات متهمة بالعنف الجنسي والتطهير العرقي واستهداف المدنيين ومخيمات النازحين.
كما فرضت بريطانيا عقوبات على عدد من القادة الميدانيين في قوات الدعم السريع، بتهم تتعلق بالقتل الجماعي والعنف الجنسي وحصار الفاشر واستهداف المدنيين.
واتهمت لندن، إلى جانب أطراف أوروبية، شبكات مرتبطة بتجنيد مقاتلين أجانب لصالح الحرب السودانية، خصوصًا من كولومبيا وتشاد وليبيا، وشركات متهمة بتمويل الحرب.



التعليقات (0)
جاري التحميل...