كمبالا- صوت الأمة
في معسكر كرياندينغو للاجئين بأوغندا، لا يشبه العيد ما كان عليه في السودان. لا ازدحام في الأسواق، ولا استعدادات كبيرة تسبق المناسبة كما اعتادت الأسر من قبل. هنا، يستقبل اللاجئون العيد بما تيسر؛ رائحة خبيز تتسلل من بعض البيوت، أطفال يحاولون صناعة فرح صغير بملابس مستعملة، وأمهات يخفين حزنهن خلف تفاصيل بسيطة تبقي للعيد شيئاً من ملامحه.
ورغم قسوة الظروف، لا تزال بعض ملامح العيد حاضرة داخل المخيم الواقع شمالي أوغندا، فمع ساعات الصباح الأولى، تتعالى تكبيرات العيد من ساحة ترابية أعدها اللاجئون بأيديهم، في محاولة لصناعة أجواء تشبه تلك التي تركوها خلفهم في السودان، في عيد يأتي للمرة السادسة أو السابعة بعيداً عن الوطن.
لكن خلف تلك المظاهر البسيطة، تختبئ حكايات ثقيلة عن اللجوء، والفقد، والعجز عن توفير أبسط احتياجات العيد، من ملابس الأطفال إلى المواد الغذائية، خاصة مع تراجع المساعدات الإنسانية وغياب مصادر الدخل.
تراجع الدعم وغياب أبسط الاحتياجات
وقال محفوظ إبراهيم، أحد الشباب الفاعلين في معسكر كرياندينغو وعضو اتحاد الشباب السودانيين في أوغندا، إن أغلب الأسر داخل المعسكر لم تعد تفكر في شراء ملابس العيد للأطفال كما كان يحدث في السودان، موضحاً أن تدهور قيمة العملة السودانية والأوضاع المعيشية الصعبة جعلا توفير ملابس العيد والمواد الغذائية أمراً بالغ الصعوبة.
وأضاف، في حديثه لـ(صوت الأمة)، أن اللاجئين يعتمدون بصورة أساسية على المانحين والخيرين والمنظمات، رغم محدودية ما يصل من دعم، مشيراً إلى أن الاحتياجات الأساسية داخل المعسكر لم تكتمل منذ وصولهم قبل نحو ثلاث سنوات.
وأوضح أن أوضاع اللجوء تفاقمت مع تراجع الدعم الإنساني وتقليص المساعدات الشهرية، لافتاً إلى أن جزءاً كبيراً من اللاجئين خرجوا من مظلة الدعم، كما تراجع الغذاء المقدم من برنامج الأغذية العالمي.
وأشار إبراهيم إلى أن يوم العيد يبدأ غالباً بالتجمع في ساحات الصلاة، حيث يؤدي اللاجئون صلاة العيد ويتبادلون التهاني، قبل أن يعود كل منهم إلى منزله، مضيفاً: "العيد عندنا ينتهي تقريباً بعد صلاة العيد والفطور، ولا توجد برامج للأطفال أو أنشطة للشباب بسبب شح الإمكانيات"
وتابع أن اللاجئين يقومون بتنظيف ساحات الصلاة وتجهيزها ذاتياً، حيث يحضر كل شخص فرشته أو مصلايته، بينما يتولى بعض الشيوخ خطبة العيد. وأوضح أن بعض الخيرين يقدمون أحياناً أضاحي وذبائح يتم توزيعها على الأسر، إلى جانب دور المطبخ المجتمعي في تقديم وجبة لمن لا يجد ما يأكله.
طقوس بسيطة لصناعة الفرح
ومن داخل المعسكر، قالت لاجئة فضلت الإشارة إليها بالحروف الأولى (م.ج)، إن النساء يحاولن الحفاظ على بعض طقوس العيد، خاصة الخبيز وتجهيز الحلويات البسيطة، مضيفة أن رائحة الخبيز وحركة الناس بين البيوت تمنح المكان شيئاً من ملامح العيد.
وأوضحت لـ(صوت الأمة) أن العيد في المعسكر لا يشبه العيد في السودان، حيث البيوت المستقرة والأمان والتفاصيل العائلية، لكنها أشارت إلى أن الناس يحاولون إظهار الفرح قدر المستطاع وبأقل التكاليف.
وقالت إن بعض الأسر القادرة تشتري ملابس للأطفال، وغالباً ما تكون من الملابس المستعملة المعروفة محلياً باسم "قوقو" ، مشيرة إلى أن الأسعار قد لا تكون مرتفعة بالنسبة للآخرين، لكنها قاسية جداً على اللاجئ الذي لا يملك عملاً أو مصدر دخل ثابتاً.
وأضافت أن غالبية الأسر لا تستطيع توفير احتياجات العيد الأساسية، لكنها تعتمد على ما يصلها من عطايا أو مساعدات محدودة من الخارج، إلى جانب مبادرات داخلية وخارجية تشمل توزيع ملابس، بعضها مستعمل، ولحوم ومواد تموينية ومبالغ نقدية محدودة.
وأكدت أن الأطفال يجدون في صلاة العيد لحظة فرح واضحة، حيث يخرجون إلى الساحات وسط أجواء جماعية، قبل أن تبدأ الزيارات بين البيوت وتبادل الحلويات البسيطة. وأردفت: "الناس تحاول أن تحيي العيد رغم التعب، فالتفاصيل المادية ضعيفة، لكن الحركة الاجتماعية داخل المعسكر تمنح العيد ملامحه".
العيد كأحد أيام اللجوء
من جانبه، قال أحمد خليل النذير إن استقبال العيد داخل معسكر كرياندينغو ظل على حاله منذ نحو ثلاث سنوات، دون تغيير يذكر، موضحاً أن اللاجئين لا يستقبلون العيد بالحفاوة التي اعتادوا عليها في السودان بسبب الظروف الاقتصادية والنفسية والاجتماعية.
وأضاف النذير، في حديثه لـ(صوت الأمة)، أن معظم اللاجئين غير قادرين على توفير ملابس العيد للأطفال أو الكبار، ولا يستطيعون شراء مستلزمات العيد من حلويات وبلح وخبيز وغيرها، الأمر الذي يجعل العيد شبه معدوم داخل المعسكر.
وأشار إلى أن العيد خارج الوطن ووسط ظروف اللجوء يظل محملاً بإحساس عميق بالفقد، حيث يفتقد اللاجئون أسرهم وأقاربهم الذين تركوهم في السودان أو تشتتوا في دول اللجوء والنزوح.
وقال: "العيد بالنسبة لكثير من اللاجئين أصبح يوماً عادياً، يأتي ويمضي بلا طعم، طالما الناس بعيدون عن أهلهم وبيوتهم ووطنهم، وغير قادرين على تجهيز مستلزماته".
واعتبر النذير أن اللجوء ألحق ضرراً بالغاً بطقوس العيد والعادات الاجتماعية السودانية، مبيناً أن الاستعداد للعيد في السودان كان يبدأ قبل أيام، عبر نظافة البيوت وشراء الملابس وتجهيز الأضاحي والخبيز والحلويات، إلى جانب التواصل مع الأهل والجيران.
وأضاف أن هذه الطقوس غابت تقريباً في المعسكر، ولم يتبقَّ منها سوى صلاة العيد التي تقام صباحاً في ساحة واسعة داخل المعسكر، حيث يتجمع اللاجئون للصلاة وتبادل التهاني، حاملين أملاً في أن يتوقف نزيف الحرب ويعودوا إلى ديارهم.
وأكد أن اللاجئين يفتقدون الجلسات العائلية والأنشطة الثقافية والترفيهية واللمات الاجتماعية التي كانت تميز العيد في السودان، مشيراً إلى أن الحالة النفسية المرتبطة باللجوء والحرب والفقد تجعل الفرح صعباً وثقيلاً.
وقال النذير إن أكثر ما يفتقده اللاجئون في العيد هو وجود الأهل والأحباب، إلى جانب التفاصيل الاجتماعية المرتبطة بالعيد، مثل اجتماع الناس بعد الصلاة، وتناول الفطور معاً، وتبادل الزيارات في الأحياء.
وأضاف أن الفقر الحاد داخل المعسكر يحرم كثيراً من الأسر من شراء ملابس جديدة للأطفال أو توفير (الخبيز) والحلويات والبلح.
مبادرات محدودة
وحول المساعدات المرتبطة بالعيد، قال النذير إن المبادرات المحلية بين اللاجئين تكاد تكون معدومة، لأن اللاجئ نفسه محتاج ولا يستطيع إعالة نفسه أو مساعدة غيره، موضحاً أن بعض المساعدات تصل أحياناً من خارج المعسكر، وغالباً ما تكون في شكل لحوم أضاحي.
وأشار إلى أن هذه اللحوم لا تكفي جميع الأسر ولا تصل بصورة منتظمة، مؤكداً غياب البرامج المخصصة للأطفال أو الفئات الضعيفة وذوي الاحتياجات الخاصة خلال الأعياد.
في المقابل، قال سكرتير المطابخ المجتمعية في كرياندينغو، معتصم أحمد محمد، إن العيد داخل المعسكر مختلف تماماً عن العيد في السودان، بسبب الظروف المادية والغذائية والنفسية التي يعيشها اللاجئون، لكنه أكد أن السودانيين داخل المعسكر يحاولون التماسك ومساندة بعضهم البعض.
وأوضح أحمد محمد، في مقابلة مع (صوت الأمة)، أن فكرة المطابخ المجتمعية جاءت امتداداً لفكرة "التكايا" والتكافل السوداني، مشيراً إلى أن اللاجئين يحاولون دعم بعضهم في ظل الظروف الصعبة.
وقال إن بعض الأضاحي تصل خلال عيد الأضحى من سودانيين وخيرين ومنظمات، وأحياناً من جهات تركية، كما توجد مبادرات لتوفير ملابس للأطفال وتنظيم فعاليات بسيطة لإدخال الفرح على النساء والأطفال.
وأضاف أن الشباب نفذوا مبادرة لتنظيف ميدان صلاة العيد والشوارع العامة والمطابخ، ضمن جهود تجهيز المعسكر لاستقبال العيد، لافتاً إلى أن الصلاة تقام في ميادين واسعة، ثم تبدأ المعايدة والزيارات بين الأسر.
وأشار محمد أحمد إلى أن النساء يحاولن أيضاً إعداد الخبائز والحلويات، بينما تتمكن بعض الأسر من تجهيز ملابس لأطفالها، في حين تعجز أسر أخرى عن ذلك، وهو ما وصفه بأنه مؤلم وصعب فوق ما يتخيل الناس.
وأكد أن بعض الأنشطة الرياضية ستقام ضمن فعاليات العيد، بينها كرة الطائرة للفتيات وكرة القدم للشباب، في محاولة لتخفيف وطأة المعاناة وإحياء شيء من روح العيد.
وقال: "رغم المآسي وفقدان الوطن والأهل، السودانيون هنا يسندون بعضهم بعضاً. هناك جوع، لكن لم تحدث مجاعة، لأن الناس متكاتفون"
أمنية واحدة تتكرر كل عيد
وبين صلاة العيد، ورائحة (الخبيز)، والملابس المستعملة، والمطابخ المجتمعية، يحاول اللاجئون السودانيون في كرياندينغو الحفاظ على ما تبقى من معنى العيد. غير أن الفرح يظل منقوصاً، محاصراً بذاكرة الحرب، وحنين البيوت، وأمنية واحدة تتكرر على ألسنة الجميع: أن تتوقف الحرب، وأن يعودوا يوماً إلى السودان سالمين.



التعليقات (0)
جاري التحميل...