خاص ــ صوت الأمة
أثرت الحرب المستعرة بين الجيش السوداني وقوات «الدعم السريع»، التي تدخل عامها الرابع، على كل جوانب الحياة في السودان، بما في ذلك طقوس عيد الأضحى، التي أصبحت مرهقة اقتصاديًا لربّ الأسر الذي يحرص على توفير الحد الأدنى من المال لشراء خراف الأضاحي وكسوة الأطفال، حتى يصنع أجواء الفرح بالعيد وينخرط فيها.
ورغم الحرب والأزمات الاقتصادية المتلاحقة، ما يزال العيد يحتفظ بشيء من فرحته القديمة في ولايات دارفور الخمس الخاضعة لسيطرة الدعم السريع، وكأن الناس يتمسكون به بوصفه فرصة نادرة للهروب المؤقت من ويلات الحرب وثقل الحياة اليومية.
نيالا.. نكهة خاصة للعيد
مع انطلاق تكبيرات العيد التي تملأ المآذن والساحات العامة، تفيض شوارع مدينة نيالا بولاية جنوب دارفور بنهر من الأطفال والرجال وكبار السن والشباب، يرتدون أجمل ثيابهم ويحملون في قلوبهم أمنيات لا تسعها الميادين، في كل ركن من أركان البحير.
وتطل فرحة العيد بوجهها الصبوح؛ أطفال يطلقون «الألعاب النارية»، وشباب يوثقون لحظاتهم السعيدة بـ«السيلفي»، وسط دعوات الأمهات المتكررة بإيقاف هذه الحرب المستعرة.
دعوات لإيقاف الحرب
في فسحة شارع "أبو ثمانين"، دلالة على سعته، والذي يفصل بين امتداد كرري مربع (5) والوحدة جنوب مدينة نيالا، احتشد مئات الأشخاص منذ ساعات الصباح الأولى لأداء صلاة عيد الأضحى، مفترشين الأرض على وقع تكبيرات العيد.
وبدأ الحضور منذ ساعات الصباح الأولى؛ رجال ونساء، شيوخ وأطفال، اصطفوا كتفًا إلى كتف، يرددون التكبيرات في انسجام، كأنه إعلان جماعي عن عودة الحياة إلى مدينة نيالا.
وعقب انقضاء الصلاة، تبادل الجميع تهاني العيد، حيث امتزجت دموع الفقد بابتسامات اللقاء، وتجسدت معاني الإخوة والصفاء، وكل منهم يقول: "العفو والعافية"، تلك الكلمة التي تجسد معاني التسامح والمحبة في دارفور.
وتدور أمنيات سكان دارفور في العيد حول وقف الحرب والغارات الجوية بالطائرات المسيّرة، وأن يعود الأمن وتختفي مظاهر الحياة العسكرية.
تقول منال إبراهيم لـ"صوت الأمة" إنها تتمنى أن تنتهي الحرب التي جعلتهم يفتقدون أشقاءهم، وأن تتوقف غارات الجيش المتكررة على مدينتهم الجميلة نيالا.
أما وليد، الذي يقطن منذ سنوات في معسكر كلمة شرقي مدينة نيالا، فيقول: "أسأل الله أن يوقف هذه الحرب، التي هي امتداد لحرب دارفور السابقة. حياتنا أصبحت جحيمًا منذ سنوات. أنا هنا في هذا المعسكر منذ نحو 14 عامًا. يكفي حربًا... نريد السلام".
بينما قالت المعلمة السابقة مشاعر، بعدما طلبت عدم كتابة اسمها: "أمنيتي أن تتوقف الحرب، وأن ينتظم أولادي في الدراسة. التعليم بالنسبة لي أهم شيء، فأين مستقبل أطفالنا؟".
وأضافت: "نتمنى أن تعود حياتنا إلى طبيعتها. نزحت إلى عد الفرسان ثم عدت إلى منزلنا في نيالا فوجدته منهوبًا".
من جهته، لم يتمالك أحمد دموعه بسبب فقدانه ثلاثة من أبنائه في قصف جوي وقع عام 2024 في أحد أحياء مدينة نيالا، مضيفًا: "لا عيد من دون فلذات كبدي.. أتمنى أن يأتي السلام اليوم قبل الغد".
طقوس العيد
تتمحور طقوس الاحتفال بعيد الأضحى في ولايات دارفور حول الأضحية، والملابس الجديدة للأطفال، والزيارات العائلية، وتجديد المنازل وطلائها، وحرق الأوساخ أمام المنازل.
يقول محمد أحمد لـ"صوت الأمة" إن عيد الأضحى يمثل فرصة كبيرة لجمع شمل الأسرة، حيث تجتمع الأسر وتعود إلى مناطقها الأصلية.
وأضاف أن المشروب الجديد في عيد الأضحى هو "السنتين"، وهو مشروب شعبي تقليدي اشتهر في مدينتي نيالا وزالنجي، ويُعد مشروبًا موروثًا محليًا وتراثًا أصيلًا.
وأشار أحمد إلى أن "السنتين" يساعد على هضم اللحوم وإراحة المعدة بفضل مكوناته الطبيعية. ويطلق عليه في منطقة جبل مرة اسم "أبو عيون" بسبب تشكل الفقاعات على سطحه أثناء التخمير والنضج، وهو ما يمنحه طابعًا مميزًا.
وتقول فاطمة، وهي ربة منزل، إن مشروب "السنتين" يعد أحد أبرز العادات لدى سكان دارفور، موضحة أنه يُحضّر من الدقيق وعصير الفوستر، ثم يُترك لمدة 24 ساعة.
أمنيات وأشواق
قالت ابتسام، ذات الستة عشر عامًا، والنازحة في مدرسة مهيرة الثانوية بمدينة نيالا: "هذا أول عيد لي هنا. الحياة قاسية، ولا أهل لي هنا. أفتقد والدي وأشقائي الذين تفرقوا بعد سيطرة الدعم السريع على مدينة الفاشر".
وأضافت: "أفتقد أبي.. وأتمنى أن تنتهي الحرب".
وفي المستشفى التعليمي، ترقد سيدة برفقة ابنتها، وهي تحاول كسر الحزن الذي كسا وجهها، لتقول لـ"صوت الأمة": "أنا بخير.. افتقدت أحفادي في محلية رهيد البردي.. حميدتي والبرهان خربا البلد.. الله يهديهما".
وتقول ابنتها إن والدتها أُصيبت بتشنجات وتم حجزها في المستشفى منذ أسبوعين، مضيفة: "أتمنى أن ألتقي بإخوتي الاثنين؛ أحدهما في الجيش والآخر في الدعم السريع".
فقدان الأحبة
قال إسحق لـ"صوت الأمة" إن فقدان شقيقه غيّر معنى العيد لديه بالكامل، مؤكدًا أنه يستحضر أخاه في كل لحظة، وأن غيابه ترك أثرًا كبيرًا في الأسرة.
وتحول فرح العيد في نيالا لدى بعض الأسر إلى استذكار للغياب أكثر من استحضار للفرح.
وتقول سليمة، التي فقدت زوجها وهي في شهرها الخامس من الحمل: "ما أقسى موت زوجي ونحن قد تزوجنا للتو.. ليس هناك أي عيد بالنسبة لي.. أنا حزينة ومتألمة.. لعنة الله على الحرب".
وفي أكثر من موضع داخل مقابر السوق الشعبي جنوب مدينة نيالا، جلس زوار على أطراف القبور يقرؤون القرآن أو يدعون لأحبابهم، بينما بكى آخرون بحرقة..
التمسك بالأمل
ورغم الحرب المستعرة والفقر والنزوح وكل التحولات التي مر بها السودان، وولايات دارفور على وجه الخصوص، لا يزال سكان دارفور يتمسكون بتفاصيل العيد، وكأنهم يدافعون بها عن آخر ما تبقى من شكل الحياة التي ألفوها.
ويظل عيد الأضحى مناسبة لتجديد الأمل والحفاظ على التقاليد وبث الفرح في نفوس الأطفال، كما يظل الرجاء الأكبر أن تحمل الأيام أو الأشهر القادمة بوادر سلام في السودان، ليعود العيد إلى معناه الطبيعي بعد ثلاث سنوات من القتل والنزوح واللجوء والجوع والمرض والأوبئة، في وطن أثقلته صراعات السلطة منذ أمد بعيد.



التعليقات (0)
جاري التحميل...