في حوار الذاكرة والسياسة مع "صوت الأمة" :
"فشلنا كأحزاب سياسية في إدارة الدولة... وتاني رجعوا العساكر"
نشأت في بيت "النور الجريفاوي"... والخلاف مع مايو بدأ مبكرًا
الجميع متفق على ضرورة وقف الحرب، لكن السؤال الحقيقي هو: كيف يمكن تحقيق ذلك
سنعود كقوى سياسية، كما حدث بعد انقلاب 1989م، من أجل مقاومة دكتاتورية الطرفين
طرحنا مبادرة لوقف الحرب، كما فعلت أيضًا قوى سياسية ومدنية عديدة
حوار ــ فريق صوت الأمة
في قراءة ناقدة لمسار السياسة السودانية منذ سقوط نظام عمر البشير في أبريل 2019م، يفتح القيادي بالحزب الشيوعي السوداني صديق يوسف، ملفات الثورة والانتقال والحرب، معترفًا بإخفاق القوى السياسية في إدارة الدولة، ومحذِّراً من أن استمرار الصراع العسكري لن يحسم لصالح أيٍّ من طرفيه، بل سينتهي إلى تسوية سياسية وتقاسم للسلطة بين الجيش وقوات الدعم السريع.
ويقول يوسف، في حوار الذاكرة والسياسة مع "صوت الأمة"، إن الأحزاب المدنية "فشلت في إدارة الدولة بعد الثورة"، مضيفاً: "فشلنا كأحزاب سياسية في إدارة الدولة… وتاني رجعوا العساكر".
صديق يوسف: نشأت في بيت "النور الجريفاوي"... والخلاف مع مايو بدأ مبكرًا
يستعيد القيادي بالحزب الشيوعي السوداني صديق يوسف، في حديثه لـ "صوت الأمة"، ملامح البدايات الأولى لعائلته في أم درمان، رابطاً بين الذاكرة الشخصية والتحولات السياسية الكبرى التي عاشها السودان منذ العهد المهدوي وحتى سنوات الحكم العسكري والانقلابات.
ويقول يوسف إنه ينتمي إلى أسرة "النور الجريفاوي"، إحدى الأسر المعروفة في أم درمان، موضحًا أن والدته كانت هي النور الجريفاوي، ووالده يوسف إبراهيم النور، المعروف وسط الأهالي باسم "ود النور ود حامد".
ويشير إلى أن للأسرة معالم معروفة في المدينة، أبرزها "جامع يوسف إبراهيم النور" بمنطقة الملازمين، إلى جانب "حوش النور الجريفاوي" بمنطقة ود أرو، والذي ظل قائمًا منذ أيام الدولة المهدية.
وعن تسمية منطقة الملازمين، يوضح يوسف أن الاسم يعود إلى الحرس الخاص بالخليفة عبد الله التعايشي، الذين كانوا يقيمون في تلك المنطقة، مضيفًا أن الملازمين كانوا يمثلون ما يشبه البودي قارد بلغة العصر الحديث. ويكشف أن المنطقة تعرضت للتدمير عقب دخول القوات البريطانية إلى أم درمان بعد معركة كرري، قبل أن تتحول لاحقًا إلى خطة إسكانية عام 1946م.
وفي حديثه عن نشأة الحزب الشيوعي السوداني، يلفت يوسف إلى أن البدايات تعود إلى عام 1946م، عندما تكوَّنت الحركة السودانية للتحرر الوطني، التي أصبحت لاحقًا نواة الحزب الشيوعي السوداني.
ويقول إن عبد الخالق محجوب انتُخب عام 1949م سكرتيرًا عامًا للحركة/ الحزب، بوصفه أول سكرتير منتخب للحزب الشيوعي السوداني، مشيرًا إلى أن المؤتمر الثاني للحزب عقد عام 1951م، ثم المؤتمر الثالث عام 1956م بعد الاستقلال، بينما جاء المؤتمر الرابع عام 1967م بوصفه من أهم المؤتمرات على المستوى الفكري والتنظيمي.
ويضيف أن المؤتمر الخامس تأخر لعقود طويلة بسبب ظروف العمل السري والانقلابات والقمع السياسي، قبل أن ينعقد أخيرًا في الألفينيات، وتحديدًا نحو عام 2009م.
ويتوقف يوسف عند لحظة إعدام عبد الخالق محجوب بعد أحداث يوليو 1971م، قائلًا إنه كان معتقلًا –وقتها- في سجن كوبر، بينما كان عبد الخالق محتجزًا في مزرعة عثمان صالح بمنطقة الباقير. ويشير إلى أن المزرعة صودرت لاحقًا في عهد جعفر نميري، وتحوّلت الاستراحة الموجودة فيها إلى منشأة تتبع للجيش السوداني.
وعن بدايات الخلاف بين الحزب الشيوعي ونظام مايو، يرى يوسف أن الأزمة بدأت مبكرًا، وتحديدًا عقب فصل هاشم العطا وبابكر النور وفاروق حمد الله من مجلس الثورة.
ويؤكد أن عبد الخالق محجوب كان من أوائل المعترضين على مسار انقلاب مايو، بينما اعتبر الحزب الشيوعي ما جرى انقلابًا منذ البداية، بالرغم من حدوث انقسام داخل اللجنة المركزية بشأن طبيعة العلاقة مع النظام الجديد.
ويكشف أن التصويت داخل الحزب انتهى لصالح التعاون مع سلطة مايو، غير أن أول خلاف مباشر مع جعفر نميري وقع عندما قام بتعيين وزراء محسوبين على الحزب الشيوعي من دون الرجوع إلى القيادة الحزبية، الأمر الذي أثار اعتراضات داخل التنظيم، وتمت مساءلة المشاركين في السلطة بسبب قبولهم المناصب من دون قرار حزبي واضح، قبل أن توافق اللجنة المركزية لاحقًا على المشاركة في الحكم.
ويواصل صديق يوسف، حديثه عن بدايات التباعد بين الحزب الشيوعي ونظام جعفر نميري، مؤكدًا أن الخلاف لم يكن سياسيًا فقط، بل امتد إلى السياسات الاقتصادية التي تبناها النظام في سنواته الأولى.
ويقول إن الخلاف الثاني تمثل في قضية المصادرات والتأميم، موضحًا أن الحزب الشيوعي أيد تأميم البنوك والشركات البريطانية باعتبارها جزءاً من النفوذ الاستعماري الاقتصادي، لكنه رفض في المقابل تأميم الشركات الوطنية السودانية.
ويضيف: أيدنا تأميم البنوك والشركات البريطانية، لكننا عارضنا تأميم الشركات الوطنية مثل شركات عثمان صالح، غير أنه قام بتأميمها جميعها.
قراءة في المشهد السياسي والحرب
ما هي قراءتك للواقع السياسي الآن، بخبرتك السياسية الطويلة، في ظل الحرب الدائرة ومخاطر التقسيم والتدويل؟
الجميع متفق على ضرورة وقف الحرب، لكن السؤال الحقيقي هو: كيف يمكن تحقيق ذلك، خاصة أن الأمر يتطلب موافقة طرفي الصراع؟ بعد مرور هذه السنوات أصبح واضحًا أنه لا توجد حلول عسكرية حاسمة. لا البرهان سينتصر ولا حميدتي سينتصر.
كلُّ المبادرات الدولية المطروحة الآن تتجه نحو محاولة حل الخلاف عبر الحوار، لكن تبقى هناك نقاط جوهرية معقدة. والسؤال هو: كيف يمكن تسوية هذه الخلافات بموافقة الطرفين مع بقائهما في السلطة؟ هذا مسار طويل ومعقد.
ومن بين السيناريوهات المطروحة، والأكثر احتمالًا، أن يتم التوصل برعاية دولية إلى اتفاق بين الطرفين لوقف الحرب وتقاسم السلطة.
وإذا حدث ذلك، كيف سيكون موقف القوى السياسية المدنية؟
سنعود كقوى سياسية، كما حدث بعد انقلاب 1989م، من أجل مقاومة دكتاتورية الطرفين والعمل على إسقاطها عبر النضال المدني السلمي. هذا السيناريو يبدو أقرب للواقع في المرحلة الحالية، لأنه لا توجد قدرة لحسم الحرب بالقوة، وفي الوقت نفسه لا نريد الانزلاق إلى حرب أهلية جديدة.
الأمر يشبه تجربة التجمع الوطني الديمقراطي في التسعينيات ضد نظام البشير. لذلك يبقى الحل في وقف الحرب عبر تسوية سياسية شاملة.

طرحنا مبادرة لوقف الحرب:
ما هي الحلول التي يطرحها الحزب الشيوعي للأزمة؟
طرحنا مبادرة لوقف الحرب، كما فعلت -أيضًا- قوى سياسية ومدنية عديدة خلال الفترة الماضية. رؤيتنا تقوم على ضرورة جلوس جميع الأطراف معًا لمناقشة القضايا المتفق عليها، تمهيدًا للوصول إلى تسوية توقف الحرب وتفتح الطريق أمام حلٍّ سياسي شامل.
هناك انطباع لدى بعض المراقبين بأن الحزب الشيوعي أصبح بعيدًا عن القوى السياسية والمدنية التي أطاحت بنظام البشير، خاصة في ظلِّ عدم مشاركتكم في مؤتمر برلين أو لقاء نيروبي الأخير؟
نحن لم نتلقَّ أية دعوة للمشاركة في أيٍّ من المؤتمرين، ولم نكن جزءاً من المشاورات أو المفاوضات التي سبقت انعقادهما.
لكن إعلان القاهرة شارك فيه أحد قياداتكم (...)؟
الذين تم دعوتهم عسكريون متقاعدون وليسوا قوى سياسية. كانت لديهم ورقة تم تقديمها للأحزاب، لكننا لم نشارك في صياغتها، ولم نحضر الاجتماع الذي أقرَّها.
وفي القاهرة لا يوجد ممثلون رسميون للحزب، لكن هناك لقاءات تتم في حدود القضايا المشتركة وليس على أساس المواقف السياسية للحزب.
الخلافات كانت موجودة قبل الحرب:
هل هناك قصور من القوى المدنية في التواصل مع الحزب الشيوعي؟
لا أقول إن هناك قصورًا، لكن إجابتي مرتبطة بطبيعة السؤال. في مؤتمر برلين مثلًا، شارك اللواء صالح محمود بصفته الشخصية وليس ممثلًا رسميًا للحزب، وكذلك في نيروبي حضر صديق الزيلعي.
في السابق كان هناك خلاف حول موقفنا من حكومة حمدوك الثانية، لأننا أعلنا مقاطعتها، وهذه الخلافات كانت قبل اندلاع الحرب. لذلك لا بد أن يجلس الجميع ويتحاوروا بهدوء، وأن تتم مراجعة التجربة كاملة لمعرفة أين أخطأنا وكيف يمكن تجاوز ذلك.
فشلنا في إدارة الدولة
لماذا فشلت الأحزاب السياسية في التوحُّد حتى الآن؟
لا بدَّ أولًا من تقييم التجربة وفهم أسباب فشلنا في إدارة الدولة، بالرغم من أننا نجحنا في الاتفاق وإسقاط نظام البشير بعد ثلاثين عامًا من الحكم. للأسف، لا أملك إجابة حاسمة لهذا السؤال.
لكن لا بدَّ من طرح سؤال أكبر: لماذا فشلت الثورة في تحقيق شعاراتها الأساسية؛ الحرية والسلام والعدالة، وكذلك في بناء نظام ديمقراطي مستقر؟
ولماذا لا يدعو الحزب إلى مراجعات مشتركة بين القوى المدنية؟
لدينا بالفعل ورقة ومبادرة مطروحة من الحزب الشيوعي لحل الأزمة، وقد تلقينا ردودًا فقط من حزب الأمة وحزب البعث الأصل. كما قمنا بإرسال المبادرة في يوليو 2024م إلى وزارة الخارجية المصرية.
والمبادرة ليست مغلقة، بل ما زال باب النقاش حولها مفتوحًا، كما هو الحال مع مبادرات بقية القوى السياسية.

لسنا منحازين للجيش:
هناك اتهامات بأن الحزب الشيوعي أصبح أقرب إلى الجيش في الفترة الأخيرة؟
هذا غير صحيح إطلاقًا... في 23 أبريل، بينما كنت معتقلًا في سجن كوبر، تم استدعائي للقاء صلاح قوش، وكان برفقته النائب الأول عوض بن عوف. وأبلغني قوش أن الجيش قرر استلام السلطة، وأنهم عيّنوا 18 واليًا، وطلبوا منا التعاون والمشاركة، قلت لهم وقتها إنني معتقل، وإن الحزب خارج هذا المعتقل... بعد ذلك أخبرني صلاح قوش أن النائب الأول يرى ضرورة الإفراج عني بسبب ظروفي الصحية وكِبر سني، وسألني عمّن أريد أن يرافقني، فاخترت علي سعيد، وعلي سنهوري، وعبد الجليل لقمان.
وتم الإفراج عنا في 24 مارس، ثم ذهبت مباشرة إلى اجتماع مع الحزب، وبعدها أصدرنا بيان 14 أبريل الذي وصفنا فيه ما جرى بأنه تحرُّك قامت به "اللجنة الأمنية لنظام البشير".
لم يكن هاتفي مغلقًا:
لكن هناك رواية تقول إن هاتفك كان مغلقًا ولم تحضر اجتماع القوى السياسية مع الجيش في القيادة العامة؟
لا، هذا غير صحيح، ذهبت أنا وعلي الريح إلى البوابة البحرية للقيادة العامة، لكن يبدو أن الجيش غيّر مكان الاجتماع، ولم يتمكنوا من التواصل معنا، ولذلك لم نحضر اللقاء.
شاركت في نقاشات الوثيقة الدستورية:
هل شاركت في النقاشات المتعلِّقة بالوثيقة الدستورية؟
نعم، بعد ذلك طلب الجيش لقاءً مع القوى السياسية عبر السيد الصادق المهدي. وكنا وقتها نجتمع يوميًا في دار حزب الأمة بالمهندسين، بحضور قوى الحرية والتغيير، وقوى الإجماع الوطني، ونداء السودان، وتجمع المهنيين، والتجمع الاتحادي، إلى جانب عدد من القوى المدنية.
وطلب من كل مكوّن اختيار ممثلين له، فتم اختياري أنا وعلي الريح لتمثيل قوى الإجماع الوطني في تلك الاجتماعات.



التعليقات (0)
جاري التحميل...