شخصية نادرة استطاعت تجاوز حدود التنظيمات والمناصب لتصبح جزءاً من الذاكرة الوطنية والوجدان

 امرأة جمعت بين صرامة القائد، وعقلية الأكاديمي، وقلب الأم

 انحازت للناس قبل السياسة، وللوطن قبل المواقع

 تحولت مع السنوات إلى رمز للصمود المدني والسياسي في مواجهة الاستبداد

 في تاريخ السودان السياسي والاجتماعي، تبرز شخصيات نادرة استطاعت أن تتجاوز حدود التنظيمات والمناصب لتصبح جزءاً من الذاكرة الوطنية والوجدان الشعبي. ومن بين تلك الشخصيات تقف سارة نقد الله بوصفها واحدة من أكثر النساء السودانيات حضوراً وتأثيراً في المجالين السياسي والإنساني خلال العقود الأخيرة؛ امرأة جمعت بين صرامة القائد، وعقلية الأكاديمي، وقلب الأم التي انحازت للناس قبل السياسة، وللوطن قبل المواقع.

لم تكن سارة نقد الله مجرد قيادية حزبية داخل حزب الأمة القومي، ولا مجرد أستاذة جامعية متخصصة في الرياضيات التطبيقية، بل تحولت مع السنوات إلى رمز للصمود المدني والسياسي في مواجهة الاستبداد، وإلى نموذج للكنداكة السودانية التي استطاعت أن تصهر المعرفة بالنضال، وأن تمنح السياسة وجهاً إنسانياً قلّ أن يتكرر.

النشأة.. بيت مفتوح للوطن

ولدت سارة عبد الله عبد الرحمن نقد الله في السادس عشر من ديسمبر عام 1954 بمدينة ود مدني بولاية الجزيرة، في أسرة ارتبط اسمها مبكراً بالحركة الوطنية وكيان الأنصار وحزب الأمة. فهي ابنة الأمير عبد الله عبد الرحمن نقد الله، أحد أبرز مؤسسي حزب الأمة وقيادات الأنصار المعروفين، بينما تنتمي والدتها زينب عوض جبريل إلى بيئة سودانية محافظة وعريقة، جمعت بين القيم الدينية والاجتماعية الأصيلة.

نشأت سارة في بيت لم يكن مغلقاً على العائلة فقط، بل كان فضاءً عاماً مفتوحاً للسياسة والناس والعمل الوطني، ولذلك تشكل وعيها مبكراً على مفاهيم المسؤولية العامة والانحياز للمظلومين والالتزام بقضايا الوطن. وقد انعكست هذه البيئة على شخصيتها لاحقاً؛ فجمعت بين الصلابة في الموقف والبساطة في التعامل، وبين الاعتزاز بالمبادئ والقدرة على التواصل مع مختلف الناس دون تعالٍ أو تكلف.

وكان لانتمائها لأسرة أنصارية ذات حضور سياسي واجتماعي أثر كبير في تكوينها النفسي والفكري، إذ تشربت منذ طفولتها قيم الشجاعة والثبات والالتزام، وهي القيم التي ستلازمها لاحقاً في كل محطات حياتها، سواء في العمل الأكاديمي أو السياسي أو الاجتماعي.

تفوق أكاديمي وعقلية علمية

تلقت سارة تعليمها الأولي بمدرسة ود نوباوي الابتدائية، ثم انتقلت إلى مدرسة الأحفاد الوسطى، قبل أن تواصل تعليمها الثانوي بأم درمان. ومنذ تلك المراحل المبكرة، عُرفت بالتفوق والانضباط والجدية، وهي الصفات التي مهدت لمسيرتها العلمية اللاحقة.

وفي عام 1974 التحقت بجامعة القاهرة فرع الخرطوم، كلية العلوم، قسم الرياضيات، لتتخرج عام 1978 محرزة المركز الأول على دفعتها، وهو إنجاز أكاديمي لافت منحها تقديراً كبيراً وسط أساتذتها وزملائها، وأكد مبكراً تميزها العلمي.

ولم تتوقف رحلتها عند درجة البكالوريوس، إذ حصلت عام 1983 على درجة الماجستير في الرياضيات التطبيقية من جامعة الخرطوم، كما التحقت بعدد من الدورات المتخصصة في الإدارة وعلوم الحاسوب، بينها دورة في إدارة شؤون الأفراد عام 1980، وأخرى في علوم الكمبيوتر للتنفيذيين بمعهد متخصص في العاصمة الإيطالية روما عام 1985.

وقد انعكست هذه الخلفية العلمية على شخصيتها بصورة واضحة؛ إذ امتازت بالدقة والقدرة على التحليل والتنظيم واتخاذ القرار، كما استطاعت أن توظف العقلية العلمية في مقاربة القضايا السياسية والاجتماعية، بعيداً عن الانفعال أو الخطابة المجردة.

الخدمة العامة.. الوظيفة باعتبارها رسالة

بدأت سارة نقد الله حياتها العملية في الخدمة المدنية، حيث عملت مفتشاً لشؤون الخدمة عام 1979، ثم تدرجت في عدد من المواقع الإدارية حتى أصبحت أول مفتش للميزانية عام 1985، قبل أن تشغل منصب مساعد مدير شؤون الخدمة حتى عام 1989.

وخلال تلك الفترة، عُرفت بانضباطها المهني وحرصها على احترام اللوائح والقوانين، وإيمانها بأن الوظيفة العامة ليست امتيازاً شخصياً، وإنما مسؤولية أخلاقية تجاه الدولة والمجتمع. ولذلك كانت تنظر إلى الخدمة المدنية باعتبارها أحد أعمدة بناء الدولة الحديثة، وترى أن العدالة المؤسسية والنزاهة والانضباط قيم لا غنى عنها لاستقرار البلاد.

لكن انقلاب عام 1989 شكّل نقطة تحول كبيرة في حياتها؛ إذ أُحيلت إلى التقاعد للصالح العام بسبب مواقفها السياسية المعارضة، شأنها شأن آلاف السودانيين الذين تعرضوا للفصل والإقصاء خلال تلك المرحلة.

غير أن الإبعاد من الوظيفة لم يكسر إرادتها، بل فتح أمامها مساراً جديداً في العمل الأكاديمي والسياسي.

جامعة أم درمان الأهلية.. الأستاذة والإدارية

بعد خروجها من الخدمة المدنية، التحقت سارة نقد الله بجامعة أم درمان الأهلية، التي أصبحت واحدة من أهم محطات حياتها المهنية والفكرية. وهناك عملت محاضرة لمادة الرياضيات، قبل أن تتدرج أكاديمياً وإدارياً لتصبح أستاذاً مساعداً ثم أستاذاً مشاركاً، كما شغلت مواقع مهمة بينها رئاسة قسم الفيزياء والرياضيات، ثم منصب نائب عميد كلية العلوم التطبيقية والحاسوب، وصولاً إلى وكالة الجامعة عام 2007.

ولم تكن علاقتها بالجامعة مجرد وظيفة تقليدية، بل كانت ترى في التعليم رسالة حضارية لبناء الإنسان السوداني، ولذلك تعاملت مع طلابها بعلاقة تتجاوز حدود القاعة الدراسية، جامعةً بين الحزم الأكاديمي والاهتمام الإنساني.

كما أسهمت في التدريس بجامعة الخرطوم وجامعة الأحفاد للبنات، وظلت حاضرة في الوسط الأكاديمي باعتبارها نموذجاً للأستاذة المنضبطة والإدارية الحازمة التي تؤمن بأن المؤسسات التعليمية ليست مجرد أماكن لمنح الشهادات، وإنما فضاءات لصناعة الوعي وبناء الأجيال.

داخل حزب الأمة.. قيادية من الطراز الصعب

سياسياً، برز اسم سارة نقد الله بقوة داخل حزب الأمة القومي، حيث تدرجت في المواقع التنظيمية منذ وقت مبكر، بداية من أمانة المرأة وعضوية أمانة التنظيم خلال الديمقراطية الثالثة، ثم عضوية الهيئة العليا التي أدارت العمل السري للحزب بعد انقلاب 1989.

وخلال سنوات المعارضة الصعبة، لعبت دوراً محورياً في الحفاظ على تماسك الحزب وتنظيمه، وعُرفت بقدرتها العالية على الإدارة والمتابعة وتحمل المسؤوليات في أكثر الأوقات تعقيداً.

وفي عام 2000 أصبحت الناطقة الرسمية باسم الحزب ومقررة المكتب السياسي الانتقالي، ثم عُينت مساعدة لرئيس الحزب الإمام الصادق المهدي، قبل أن تتولى رئاسة المكتب السياسي للحزب عام 2009.

وتُوجت مسيرتها الحزبية بانتخابها أميناً عاماً لحزب الأمة القومي، لتصبح أول امرأة تتولى هذا المنصب في تاريخ الحزب، وهو حدث اعتبره كثيرون محطة مهمة في تاريخ المشاركة السياسية للمرأة السودانية.

وعلى الرغم من صرامتها التنظيمية وحدتها أحياناً في النقاشات السياسية، فإنها كانت تحظى باحترام واسع داخل الحزب وخارجه، بسبب كفاءتها العالية ووضوح مواقفها وابتعادها عن المناورات الشخصية.

مواجهة الاستبداد.. امرأة لا تخاف

في سنوات الحكم الشمولي، تحولت سارة نقد الله إلى واحدة من أبرز الوجوه المدنية المناهضة للاستبداد في السودان. لم تكن تتردد في حضور الندوات والمواكب والأنشطة المعارضة، حتى في أكثر الفترات تضييقاً وخطورة.

وعندما كانت السلطات الأمنية تمنع الفعاليات السياسية أو تضيق على الناشطين، كانت تتدخل لنقل الأنشطة إلى دار حزب الأمة بأم درمان، متحملة ما يترتب على ذلك من ضغوط ومخاطر.

كما تعرضت للاعتقال والملاحقة أكثر من مرة، لكنها ظلت محافظة على هدوئها وثباتها، حتى في أصعب ظروفها الصحية. ولم تكن تتعامل مع معركتها ضد السلطة باعتبارها خصومة سياسية شخصية، بل باعتبارها معركة قيم تتعلق بالحرية والعدالة وكرامة الإنسان.

ولذلك اكتسبت احترام قطاعات واسعة من السودانيين، حتى من خارج دائرتها السياسية، لأنها مثلت نموذجاً للسياسي الذي لا يساوم على المبادئ، ولا يتراجع أمام الضغوط.

المرأة والمجتمع المدني.. "أمنا سارة"

شكلت قضايا المرأة جانباً مهماً من مشروع سارة نقد الله الفكري والسياسي. فقد آمنت بأن نهضة السودان لا يمكن أن تتحقق دون مشاركة النساء في المجال العام ومواقع اتخاذ القرار.

ولهذا دعمت برامج محو الأمية الوظيفية للنساء، وأسهمت في مشاريع تدريب وتأهيل المرأة الريفية، كما شاركت في عدد من المنظمات والمبادرات النسوية والحقوقية، بينها جمعية بابكر بدري للدراسات النسوية، وجمعية أمهات السلام، والمبادرات المدافعة عن حقوق النساء.

لكن حضورها الإنساني ربما كان أكثر تأثيراً من نشاطها التنظيمي؛ إذ عُرفت بقربها الشديد من الشباب والناشطين والصحفيين، حتى إن كثيرين كانوا ينادونها بـ«أمنا سارة»، وهو لقب جاء من شعور حقيقي بأنها تمثل سنداً معنوياً وإنسانياً لمن حولها.

كان منزلها مفتوحاً للجميع، وكانت تحرص على متابعة أحوال المرضى والمحتاجين، وتستقبل زوارها بكرم سوداني بسيط وصادق. وفي مجالسها، لم يكن الناس يشعرون أنهم أمام مسؤولة حزبية كبيرة، بل أمام شخصية قريبة منهم، تستمع أكثر مما تتحدث، وتهتم بتفاصيل الناس الصغيرة قبل القضايا الكبرى.

إنتاج فكري يجمع العلم بالسياسة

لم تنفصل شخصية سارة الأكاديمية عن اهتماماتها السياسية والاجتماعية؛ إذ قدمت عدداً من الدراسات والأوراق الفكرية التي تناولت قضايا المرأة والسلام والبيئة.

ومن أبرز أعمالها دراسات حول المرأة في الإسلام، واتفاقية سيداو من منظور إسلامي، والمشاركة السياسية للمرأة السودانية، إضافة إلى دراسة متخصصة حول وقف الزحف الصحراوي من منظور رياضي، إلى جانب أوراق سياسية تتعلق برؤية حزب الأمة لقضايا السلام والتحول الديمقراطي.

وقد عكست هذه الكتابات طبيعة شخصيتها التي جمعت بين العقل العلمي والانشغال العميق بقضايا المجتمع.

إرث باقٍ في الوجدان السوداني

لم يكن الحب الكبير الذي حظيت به سارة نقد الله نابعاً من موقعها الحزبي أو مكانتها السياسية فقط، وإنما من إنسانيتها العميقة وصدقها النادر في التعامل مع الناس.

فقد استطاعت عبر سنوات طويلة أن تقدم نموذجاً للسياسية التي لا تفصل بين الأخلاق والعمل العام، وأن تثبت أن القوة لا تعني القسوة، وأن الحزم يمكن أن يجتمع مع الرحمة والتواضع.

ولهذا بقيت حاضرة في وجدان السودانيين حتى بعد تراجع حضورها في المشهد العام؛ لأن أمثالها لا يقاسون بالمناصب التي شغلوها، بل بالأثر الذي تركوه في حياة الناس.

لقد كانت سارة نقد الله واحدة من النساء اللائي حملن السودان في قلوبهن، ودافعن عن حريته وكرامة شعبه دون خوف أو مساومة، ولذلك ستظل سيرتها جزءاً من ذاكرة النضال الوطني السوداني، ونموذجاً للكنداكة التي جمعت بين العلم، والصلابة، والإنسانية النبيلة.

 

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...