في الحروب، لا تُقصف المدن وحدها، بل تُستهدف أيضاً الكلمة الحرة، وتُطارد الحقيقة في الأزقة المظلمة والمعتقلات السرية، ويصبح الصحفي ــ حامل القلم والكاميرا ــ هدفاً مباشراً لكل من يخشى انكشاف جرائمه أمام العالم. وما يجري اليوم بحق الصحفيين السودانيين المعتقلين يكشف بوضوح حجم المأساة التي يعيشها الوطن، والانحدار الخطير الذي بلغته أوضاع الحريات وحقوق الإنسان في السودان.

لقد دقّ بيان نقابة الصحفيين السودانيين ناقوس الخطر بشأن التدهور الصحي الخطير للزملاء معمر إبراهيم، وعصام محمد هارون، وعبد العزيز محمود صالح عرجة داخل المعتقلات، في ظروف تفتقر إلى أبسط المعايير الإنسانية والقانونية. إنها ليست مجرد قضية اعتقال أفراد، بل قضية استهداف ممنهج للصحافة الحرة، ومحاولة لإسكات كل صوت يسعى لنقل الحقيقة وسط ركام الحرب والدمار.

ثمانية أشهر يقضيها الزميل معمر إبراهيم داخل معتقل سيئ السمعة بمدينة نيالا، محرومًا من العلاج والرعاية الطبية والتواصل مع أسرته ومحاميه، بينما يظل مصير الزميل عصام محمد هارون مجهولاً بعد إعادة اعتقاله عقب الإفراج عنه بأيام قليلة، في مشهد يعكس قسوة الاختفاء القسري وامتهان الكرامة الإنسانية. وفي بورتسودان، يتواصل احتجاز المصور الصحفي عبد العزيز محمود صالح عرجة وسط مخاوف متزايدة بشأن حالته الصحية وسلامته.

إن اعتقال الصحفي بسبب عمله المهني ليس فقط انتهاكاً للقانون وحقوق الإنسان، بل عدوان مباشر على حق المجتمع في المعرفة. فالصحافة ليست طرفاً في الحرب، والصحفيون ليسوا مقاتلين في جبهات النزاع، وإنما هم شهود على الحقيقة، وعيون الناس التي ترى، وآذانهم التي تسمع، وصوت الضحايا الذين لا يجدون منبراً يوصل معاناتهم إلى العالم.

لقد أثبتت التجارب الإنسانية أن المجتمعات التي تُكمم فيها الأفواه وتُرهب فيها الصحافة، تُفتح فيها الأبواب واسعاً أمام الانتهاكات والإفلات من العقاب. ولهذا فإن الدفاع عن الصحفيين المعتقلين ليس دفاعاً عن فئة مهنية فحسب، بل دفاع عن الحق في الحقيقة، وعن مستقبل السودان الذي لا يمكن أن يُبنى على الخوف والقمع والتغييب القسري.

إننا، في “صوت الأمة”، نضم صوتنا إلى نداءات نقابة الصحفيين السودانيين، ونطالب بالإفراج الفوري وغير المشروط عن الزملاء معمر إبراهيم، وعصام محمد هارون، وعبد العزيز محمود صالح عرجة، وكل المعتقلين والمخفيين قسراً. كما ندعو المنظمات الإقليمية والدولية، والضمير الإنساني الحر، إلى تحمّل مسؤولياته الأخلاقية والإنسانية تجاه ما يتعرض له الصحفيون السودانيون من انتهاكات خطيرة.

سيبقى القلم الحر أقوى من السجن، وستظل الحقيقة، مهما حوصرت، قادرة على النجاة من ركام الحرب.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...