وادي حلفا ــ سارة عطية
لم يكن آدم الجيلي يتوقع أن تتحول رحلة عودة أسرته من مصر إلى السودان إلى سباق مع الموت. فوالدته المصابة بمرض السكري، التي ظلت ترافقها أدويتها طوال سنوات النزوح، وجدت نفسها على الحدود السودانية في مواجهة خطر جديد. فبعد خمسة أيام من الانتظار داخل معبر أرقين الحدودي، وسط درجات حرارة مرتفعة، فقدت جرعات الدواء فاعليتها بعدما ذاب الثلج الذي كان يحفظها، لتدخل والدته في غيبوبة سكر حادة كادت تودي بحياتها.
يقول الجيلي لـ(صوت الأمة) إن العناية الإلهية وحدها أنقذت والدته، بعد أن حصل على جرعة دواء من مواطنة سودانية وصلت حديثاً من مصر، بينما تطوع طبيب كان موجوداً في المعبر لمتابعة حالتها والإشراف على علاجها حتى بدأت تستعيد عافيتها تدريجياً.
رحلة كادت تنتهي بمأساة
لكن ما حدث لوالدة الجيلي لم يكن سوى واحدة من عشرات القصص الإنسانية التي شهدها معبر أرقين الحدودي خلال الأيام الماضية. فبينما كان يحاول إنقاذها من غيبوبة السكري، كانت مئات الأسر الأخرى تخوض معاركها الخاصة مع المرض والعطش وطول الانتظار. وداخل المعبر، افترش بعض العالقين الأرض لأيام متواصلة، فيما احتمت عائلات بما توفر من أمتعة وأغطية هرباً من أشعة الشمس الحارقة، في مشاهد عكست حجم المعاناة التي واجهها العائدون.
وفي ظل تحسن الأوضاع الأمنية نسبياً في عدد من الولايات، اندفعت أعداد كبيرة من السودانيين لاتخاذ قرار العودة إلى البلاد. ومع تزايد أعداد العائدين خلال مايو، بدأت الأزمة تتفاقم تدريجياً داخل معبر أرقين، قبل أن تبلغ ذروتها في الخامس والعشرين من مايو، حين أدى التكدس الحاد إلى احتجاز آلاف المسافرين لأيام في ظروف إنسانية صعبة. وأثارت الأزمة قلقاً واسعاً بعد وفاة ثلاثة مواطنين سودانيين، بينهم امرأتان، نتيجة التعرض لدرجات حرارة مرتفعة وتدهور الأوضاع المعيشية والبيئية.
ويصف الجيلي الأوضاع داخل المعبر بأنها "فوق الاحتمال"، مؤكداً أن المرضى وكبار السن والأطفال كانوا الأكثر تضرراً من الأزمة.
أيام تحت الشمس
تتطابق رواية الجيلي مع ما ترويه أم خالد، التي وصفت ما شهدته في الجانب السوداني من المعبر بأنه "مأساة إنسانية مكتملة الأركان". وقالت لـ(صوت الأمة) إن الأسر ظلت تحت أشعة الشمس الحارقة لساعات وأيام طويلة في ظل غياب المظلات وأماكن الإيواء، بينما تكدست مئات العائلات في مساحة محدودة دون خدمات كافية أو حلول واضحة.
وأضافت أن الأوضاع الإنسانية المتردية انعكست بصورة مباشرة على الفئات الأكثر هشاشة، مشيرة إلى تسجيل حالات وفاة بين الأطفال نتيجة ارتفاع درجات الحرارة وضعف الرعاية الصحية، من بينها طفلة من ذوي الاحتياجات الخاصة. كما لفتت إلى معاناة المسافرين من ارتفاع أسعار الغذاء ومياه الشرب وتذاكر النقل، إلى جانب ما وصفته بغياب التنظيم داخل صالة الجوازات وعدم مراعاة احتياجات المرضى وكبار السن وذوي الإعاقة.
وفي مقارنة بين جانبي المعبر، قالت أم خالد إن العابرين يلمسون في الجانب المصري تنظيماً أفضل وتوافراً للخدمات الأساسية وسرعة في إنجاز الإجراءات، بينما يواجهون في الجانب السوداني أوضاعاً مختلفة تماماً، داعيةً السلطات والمنظمات الإنسانية إلى التدخل العاجل لتحسين الخدمات وضمان معاملة كريمة للمواطنين العائدين.
تحركات لفك الاختناق
مع تزايد شكاوى العالقين وتصاعد الانتقادات للأوضاع الإنسانية داخل المعبر، شرعت الجهات الرسمية في تنفيذ إجراءات عاجلة لمعالجة الاختناق وإنهاء حالة التكدس التي صاحبت موجات العودة الأخيرة. وفي أعقاب هذه التدخلات، قال مشرف المعابر ومدير معبر أرقين العميد (م) مبارك داؤود سليمان، لـ(صوت الأمة)، إن حركة العبور عادت إلى طبيعتها بعد إخلاء المعبر من جميع العالقين.
وأوضح أن الانفراج بدأ منذ 24 مايو الجاري، قبل أن تتسارع الجهود بوصول بصات وآليات وشاحنات تابعة للقوات المسلحة تولت نقل المواطنين إلى وجهاتهم المختلفة، مما أسهم في إنهاء الازدحام وإعادة انسياب الحركة.
وأشاد داؤود بالتنسيق بين الجهات الرسمية والمبادرات المجتمعية، مشيراً إلى مساهمات حكومة الولاية الشمالية وديوان الزكاة والجمارك في توفير وسائل النقل والدعم للعالقين، مؤكداً أن توجيهات القيادة العسكرية بتسخير الإمكانيات اللازمة لنقل المواطنين شكلت نقطة التحول الأساسية في إنهاء الأزمة.
من جانبه، أكد ممثل غرفة النقل بوادي حلفا، محمد سليم، أن جميع العالقين تم ترحيلهم إلى وجهاتهم المختلفة، لكنه حذر من إمكانية تكرار الأزمة مستقبلاً إذا لم تتم معالجة أسبابها الأساسية، مشيراً إلى أن جزءاً من المشكلة ارتبط بأزمة مالية تتعلق بمستحقات بعض البصات التي شاركت في نقل المستفيدين من برامج العودة الطوعية.
هل تتكرر الأزمة؟
بينما طُويت صفحة التكدس الأخيرة في أرقين، تبدو التحديات التي كشفتها الأزمة أبعد من مجرد اختناق مؤقت في حركة العبور. فمع استمرار رحلات العودة وتحرك بصات جديدة من القاهرة والإسكندرية نحو السودان، يبقى السؤال مطروحاً حول قدرة المعابر الحدودية على استيعاب الأعداد المتزايدة من العائدين، وتوفير الحد الأدنى من الخدمات التي تحول دون تكرار المعاناة التي عاشها آلاف السودانيين في طريق عودتهم إلى الوطن.



التعليقات (0)
جاري التحميل...