صوت الأمة ـــ عبد الله حسن
في ظل استمرار تداعيات الحرب في السودان، تتكشَّف يوميًا قصص إنسانية تعكس عمق المعاناة التي يعيشها المدنيون، خصوصًا أولئك الذين اضطروا للنزوح أكثر من مرة، وبينما تبدو العودة إلى المدن التي استعادها الجيش نهايةً للأزمة، إلا أن الكثيرين يؤكدون أن آثار النزوح لا تنتهي بسهولة، وتستمر في النفوس طويلًا.
"سلمى" اسم مستعار، وهي أم سودانية، تروي لـ"صوت الأمة" تجربتها مع النزوح المتكرر، كاشفة عن رحلة امتزج فيها الألم الجسدي بالاضطراب النفسي. تقول: "أنا نزحت مرتين… لكن الحقيقة، أن روحي لم ترجع بعد".
وتوضَّح أن رحلتها بدأت بعد يوم واحد من دخول قوات الدعم السريع إلى مدينة ود مدني، قائلة: "غادرنا سريعًا إلى قرية الدوحة جنوب الجزيرة، وأقمنا هناك نحو 28 يومًا… وكنت ما أزال في فترة النقاهة بعد عملية بتر يدي".
وتصف تلك المرحلة بأنها كانت صادمة على عدة مستويات، وأضافت "كنت أشعر بنقصٍ عميق… وكأنني لست سلمى التي أعرفها، رغم إيماني بقضاء الله، فإن هذا الإحساس لم يكن سهلًا".
وتتابع: "نظرات الناس كانت مختلفة، وهناك شفقة لم أستطع تحملها… كان هناك وجع فوق الوجع".
ورغم كرم المجتمع المضيف، تشير سلمى إلى أنها لم تشعر بالاستقرار، وقالت: "الناس ما قصروا، لكن إحساس الغُربة وعدم الانتماء كان قوياً… عشان كدا قررنا نرجع مدني".
وتتابع أن العودة لم تعنِ نهاية الخوف، إذ تقول: "أقمنا في مدني قرابة أربعة أشهر، وكان الخوف يلازمني باستمرار، خاصة على أطفالي. كنت أنام وقلبي لا يتوقف عن الدعاء".
وأضافت: "كنا بنحاول نعيش عادي ونمثل الشجاعة، لكن الحقيقة بداخلنا كان شعور الخوف كبيرًا".
وفي محاولة للبحث عن أمان أكبر، نزحت الأسرة مرة أخرى إلى القضارف، غير أن التجربة هناك كانت قاسية، قائلة: "توجهنا إلى القضارف بحثًا عن الأمان، لكن الواقع كان صعبًا… أقمنا في منزل أقاربنا، وكنّا نتحمّل جميع المصروفات، ومع ذلك واجهنا ضغوطًا متكررة للمغادرة".
وتقول: "يمكن أننا تحملنا أكثر من 20 مرة لتلميحات أن نغادر… لكن لم يكن لدينا خيار".

وعلى الرغم من الظروف، استمرت الأسرة في البقاء: "تحملنا عشرة أشهر من تلك المعاناة، فقط لنشعر بشيء من الأمان، وكانت مشاعرنا تتقلّب بين الضحك والحزن".
وتشير سلمى إلى أن التضحية من أجل الأسرة كانت دافعها للاستمرار، وأوضحت "عندما تضحي براحتك عشان أولادك، تجد نفسك تتحمل بدون تفكير... وتحس بشيء من الرضا".
ومع إعلان استرداد الجيش لمدينة ود مدني، تصف لحظة العودة بأنها كانت مليئة بالأمل: "الفرحة كانت كبيرة شديد… حسيت أنه أخيرًا سنرجع لبيتنا ونبدأ من جديد".
غير أن الواقع لم يكن كما توقَّعت: "فوجئت بأنني غير قادرة على استعادة نفسي كما كنت، وكأن هناك شيئًا مفقودًا في داخلي".
وتختم شهادتها قائلة: "حتى الآن أحس أن روحي نازحة… والمشكلة لا أعرف إلى أين".
وتعكس قصة سلمى جانبًا من التحديات غير المرئية التي يواجهها النازحون، حيث لا تقتصر المعاناة على فقدان المكان، وتمتد إلى صراع داخلي طويل مع الخوف والذكريات ومحاولة استعادة الإحساس بالحياة الطبيعية، حتى بعد العودة.



التعليقات (0)
جاري التحميل...