في السادس من أبريل، لا يمر اليوم عليّ كذكرى عابرة، ولا كرقم في رزنامة الأيام ، يعود إليّ بكل ما فيه :
بصوته، بدخانه ، بتروسه ، بهتافات الشوارع، بوجوه الرفاق، بوجوه أولئك العسكر الذين تأبطوا شرا ، وبذلك القلب الذي خرج يومها إلى الوطن ولم يكن يعلم أنه سيعود منه مثقلاً بالرصاص.
كان السادس من أبريل 2022 امتداداً لذاك السادس من أبريل العظيم الذي صار رمزاً لثورة ديسمبر المجيدة، يوم خرج الناس ليقولوا إن هذا الشعب لا يموت، وإن الحرية ليست مطلباً يؤجل، بل حق ينتزع خرجت يومها كما خرج آلاف الثوار، أحمل في صدري حلماً بسيطاً وكبيراً وهو أن يكون لهذا الوطن صباح لا يسرقه الخوف.
كنت صائماً
كانت الشمس تميل نحو الغروب، وكانت امدرمان تغلي بالهتاف ، في تلك اللحظات التي كان ينبغي أن نستقبل فيها الأذان برائحة الماء والتمر، استقبلنا الرصاص.
جاء الرصاص من قوات الاحتياطي المركزي، من أولئك الذين عرفوا باسم “أبو طيرة”، كأنهم خرجوا ليعلنوا حرباً على صدورٍ عارية إلا من الإيمان بالوطن ، لم يكن في يدي سوى صوتي، ولم يكن في رأسي سوى حلم الحرية، لكنهم اختاروا أن يطلقوا النار على الحلم
أصابني الطلق في الرأس
وفي لحظة واحدة، انقسم العمر إلى نصفين:
نصف قبل الرصاصة، ونصف بعدها
سقط الجسد يومها، لكن الروح رفضت السقوط.
غاب الوعي، لكن الإرادة بقيت حاضرة في عمقٍ لا تبلغه الرصاصات
ظلت واقفة كما كانت تقف المواكب، وكما كانت تقف الأمهات على أبواب البيوت يودعن أبناءهن بالدعاء، وكما كان يقف الوطن نفسه، جريحاً لكنه لا ينكسر.
و في غرف العمليات، حيث تختلط أصوات الأجهزة بصمت الدعاء، كتبت أولى فصول النجاة.
ثم بدأت الرحلة… رحلة العلاج الطويلة أربع سنوات كاملة بين الألم والرجاء، بين المستشفيات والصبر، بين العجز أحياناً ، والإيمان دائماً
لم تكن مجرد فترة علاج طبي، بل كانت إعادة تشكيل كاملة للإنسان في داخلي تعلمت فيها أن الشفاء ليس عودة إلى ما كنا عليه، بل ولادة جديدة لما يمكن أن نكونه تعلمت أن الجسد قد يضعف، لكن الروح إن تمسكت بالأمل، تستطيع أن تقود صاحبها عبر أكثر الطرق وعورة
كانت رحلة قاسية، لكنها كانت أيضاً امتداداً للثورة نفسها ، طريقاً طويلاً، مليئاً بالخسارات، لكنه لا ينتهي إلا بالنهوض
خلال تلك السنوات، أدركت أن الرصاص يستطيع أن يخترق الرأس، لكنه لا يستطيع أن يخترق الفكرة ، يستطيع أن يترك ندبة في الجسد، لكنه يعجز عن أن يهزم المعنى. وأنا لم أكن مجرد مصابٍ بطلقٍ ناري…
بل كنت شاهداً على زمن حاول فيه الطغاة أن يقتلوا شعباً كاملاً، فعجزوا، لأن الشعوب لا تهزم حين تؤمن بحقها
تماثلت للشفاء، نعم
لكنني لم أشفَ وحدي

لقد نهض معي شيء أكبر ،إيماني بأن ما خرجنا من أجله كان يستحق وأن كل من سقط، وكل من تألم، وكل من حمل ندبة في جسده أو قلبه، لم يكن ضحية عبث، بل كان سطراً من سطور الوطن وهو يكتب تاريخه بدم أبنائه
واليوم، في ذكرى السادس من أبريل، لا أتذكر الرصاصة وحدها، بل أتذكر ما كان قبلها الهتاف، والرفاق، والصيام، والسماء التي كانت تنتظر أذان المغرب …
وأتذكر أيضاً ما كان بعدها أنني نجوت، لا لأنسى، بل لأروي…
أروي أن هناك من أراد لنا أن نخاف، فلم نفعل
وأن هناك من أراد أن يطفئ صوت الثورة، فإذا به يزيدها اشتعالاً
وأن هناك رصاصة خرجت من بندقية الطغاة، لكنها لم تصب رأسي وحده ، لقد أصابت جيلاً كاملاً، ومع ذلك، لم يمت الجيل… بل ازداد إصراراً على أن الحرية، مهما طال الطريق إليها، آتية
يحي محمد علي سعد



التعليقات (0)
جاري التحميل...