صوت الأمة ــ عبدالله حسن

بعد أكثر من ثلاث سنوات على اندلاع الحرب في السودان، يعود العيد هذا العام محمّلًا بمشاعر متباينة بين الفرح بالعودة إلى الوطن، والحسرة على ما تبدّل في تفاصيل الحياة. ففي الوقت الذي بدأت فيه أعداد من النازحين واللاجئين العودة إلى مدنهم وأحيائهم، لا تزال آثار الحرب الثقيلة تفرض نفسها على يوميات الناس، خصوصًا مع الارتفاع الكبير في أسعار الأضاحي وتكاليف المعيشة. وبين الحنين إلى "لمة" الأهل والأصدقاء، ومحاولات استعادة الإحساس بالأمان والاستقرار، تبدو فرحة العيد لدى كثير من السودانيين ممزوجة بالتعب والأمل في آنٍ واحد.

 

وتكشف آراء عدد من المواطنين عن اتجاهات متقاربة رغم اختلاف تجاربهم؛ فالبعض يرى أن العيد الحقيقي لا يكتمل إلا بوجود الأسرة واجتماع الأحبة، حتى وإن عاد الإنسان إلى مدينته التي غادرها قسرًا بسبب الحرب. بينما اعتبر آخرون أن الأضحية، رغم أهميتها الدينية، أصبحت عبئًا اقتصاديًا ثقيلًا في ظل الظروف الحالية، في حين عبّر كثيرون عن تراجع الإحساس بالعيد نتيجة تراكم الأزمات والضغوط النفسية والمعيشية. وفي المقابل، ظهرت أصوات متمسكة بالأمل، ترى أن مجرد العودة إلى السودان بعد سنوات اللجوء والنزوح يمثل عيدًا بحد ذاته، وفرصة لبداية جديدة ولمّ شمل الأسر المتفرقة.

وقال محمد عارف، وهو طبيب يعمل في الخرطوم، إن أكثر ما يؤلمه في هذا العيد هو غياب أسرته عن السودان، موضحًا أن ارتباطه بمدينة ود مدني كان دائمًا مرتبطًا بوجود الأهل واجتماعهم، وأضاف:
“العيد بالنسبة لي كان يعني مدني والأهل واللمة، لكن بعد الحرب اختلف كل شيء. حتى لو رجعت المدينة، ما بحس بطعم العيد من دونهم”.

أما الصحفي محمد الطيب، الذي عاد مؤخرًا من مصر بعد فترة نزوح، فقال إن الحديث عن العيد هذه الأيام يفتح مساحات عميقة من المشاعر والحنين، مشيرًا إلى أن الأضحية تبقى شعيرة دينية ييسّرها الله مهما ارتفعت تكلفتها، وأضاف:
“الفرحة الحقيقية الآن في الإحساس بالأمان والرجوع للبلد، أما غلاء الأضحية فناس كتار بقوا يتعاملوا معاه باعتباره أمرًا ثانويًا مقارنة بالاستقرار ولمّة الناس”.

وقالت إحدى المعلمات، فضّلت الإشارة إليها بالأحرف الأولى “أ.م”، إن الضغوط المتراكمة جعلت كثيرين يفقدون الإحساس بمظاهر العيد المعتادة، وأضافت:
“الناس تعبت من كل الاتجاهات، والحرب خلت المشاعر نفسها مرهقة. زمان كنا نستعد للعيد بفرحة مختلفة، لكن هسه الإحساس بقى أقل بسبب الظروف”.

وفي السياق ذاته، قالت سوما إن الأضحية أصبحت بعيدة عن متناول كثير من الأسر منذ سنوات، موضحة:
“بصراحة ناس كتار نسوا طعم الضحية من زمان، لأن الظروف الاقتصادية بقت أصعب من إنو الزول يفكر فيها كل سنة”.

من جهتها، عبّرت الطالبة إيمان كمال، التي عادت مؤخرًا من رحلة لجوء خارج السودان، عن سعادتها بقضاء العيد داخل البلاد، مؤكدة أن للأعياد في السودان طابعًا مختلفًا لا يشبه أي مكان آخر، وقالت:
“مهما كانت الظروف، العيد في السودان عندو روح خاصة. والرجوع للوطن بعد الغربة والنزوح إحساس كبير جدًا، خصوصًا بعد التعب والتشتت”.

وأضافت أن ارتفاع أسعار الأضاحي لا يراعي الظروف التي يعيشها المواطنون بعد الحرب، مشيرة إلى أن كثيرًا من الأسر ما زالت تحاول إعادة بناء حياتها ومصادر دخلها، وقالت:
“الناس لسه بتحاول تتجاوز آثار الحرب والخسائر، لذلك المفروض تكون في مراعاة أكبر للأسعار وتكاتف بين الناس عشان البلد ترجع أحسن من قبل”.

بدوره، قال حسام حسن، وهو خريج جامعي، إن العيد هذا العام يحمل معنيين أساسيين بالنسبة له، هما اجتماع الأهل والشعور بالأمان بعد فترة طويلة من القلق والنزوح، مضيفًا:
“العيد الحقيقي هو رجوع الناس لبعض ولمّة الأحباب، أما غلاء الأضحية فدي معاناة مستمرة كل سنة لكنها زادت بعد الحرب”.

أما تغريد، وهي ربة منزل، فأكدت أن الحرب كانت السبب الرئيسي في ارتفاع أسعار الأضاحي وتراجع قدرة الأسر على شرائها، وقالت:
“سعر الخروف بقى أعلى من راتب ناس كتار، وعشان كده في أسر بدأت تعتبر الأضحية رفاهية. ربنا يصلح الحال ويحفظ الجميع”.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...