الحرب وتعطل الإنتاج يفاقمان الضغوط على العملة الوطنية ويعمّقان أعباء المعيشة
تحويلات المغتربين تتراجع بأكثر من 70 في المئة
90 في المئة من فروع البنوك خارج الخدمة
الذهب والاقتصاد غير الرسمي... عوامل تضغط على الجنيه
تقرير: ناهد محمد
يواصل الجنيه السوداني تراجعه أمام العملات الأجنبية في ظل حرب مستمرة أرهقت الاقتصاد وأضعفت المؤسسات المالية، ما انعكس بصورة مباشرة على الأوضاع المعيشية للمواطنين. وبينما يواصل الدولار تسجيل مستويات قياسية في السوق الموازية، ويحذر خبراء اقتصاديون من أن أزمة العملة لم تعد مجرد مشكلة نقدية، بل أصبحت انعكاساً لاختلالات هيكلية عميقة تطاول الإنتاج والتجارة والثقة في النظام الاقتصادي.
وتظهر تقديرات السوق أن متوسط سعر شراء الدولار بلغ نحو 4200 جنيه، ضمن نطاق يتراوح بين 4150 و4250 جنيهاً، فيما سجلت عملات أخرى، بينها الريال السعودي والدرهم الإماراتي والجنيه المصري واليورو والجنيه الإسترليني، مستويات مرتفعة في معاملات الشراء. وتشير تقارير اقتصادية حديثة إلى أن جزءاً كبيراً من النشاط الاقتصادي يجري خارج المنظومة الرسمية، مع تراجع دور القنوات المصرفية في إدارة حركة الأموال والتداولات المالية.
داعيات الحرب تضغط على العملة الوطنية
يرى الخبير المصرفي وليد دليل أن التراجع المستمر في قيمة الجنيه السوداني يمثل تحدياً اقتصادياً بالغ التعقيد ينعكس بصورة مباشرة على حياة المواطنين، في ظل وصول معدلات التضخم إلى مستويات قياسية نتيجة تداعيات الحرب المستمرة وما خلفته من أضرار واسعة على البنية التحتية والمؤسسات المالية.
ويشير دليل، في حديثه إلى "صوت الأمة"، إلى أن أزمة الجنيه الحالية ليست نتاج عامل واحد، بل ترتبط بمجموعة من الاختلالات الهيكلية والضغوط المالية التي تفاقمت بفعل الصراع الدائر، وفي مقدمتها توقف النشاط الإنتاجي في قطاعات حيوية مثل الزراعة والصناعة والتعدين.
وأوضح أن حالة عدم الاستقرار وتعطل سلاسل الإمداد أدت إلى شلل شبه كامل في عدد من المناطق المنتجة، الأمر الذي انعكس على الصادرات السودانية التي كانت تمثل أحد أهم مصادر النقد الأجنبي، سواء من الذهب أو المنتجات الزراعية، ما أدى إلى تراجع المعروض من العملات الصعبة بصورة ملحوظة.
ويضيف أن تحويلات السودانيين العاملين بالخارج عبر القنوات الرسمية تراجعت بأكثر من 70 في المئة نتيجة تعطل أجزاء واسعة من القطاع المصرفي وتأثر عمل البنك المركزي خلال فترات مختلفة من الحرب. كما أسهم توقف معظم القروض والمنح والمساعدات الاقتصادية الخارجية في زيادة الضغوط على احتياطي النقد الأجنبي، الأمر الذي فاقم أزمة سعر الصرف وأضعف قدرة السلطات النقدية على التدخل لاحتواء تدهور العملة.
السوق الموازية تفرض إيقاعها على سعر الصرف
أدى تراجع قدرة البنوك والمؤسسات المالية الرسمية على توفير النقد الأجنبي للمستوردين والأفراد إلى انتقال الجزء الأكبر من النشاط المالي إلى السوق الموازية، التي أصبحت المرجع الرئيس لتحديد أسعار العملات الأجنبية. وفي ظل ضعف المعروض الرسمي، باتت أسعار الصرف خاضعة بصورة متزايدة للمضاربات وتقلبات الطلب، فضلاً عن عمليات الشراء المرتبطة بتأمين الاحتياجات التجارية والشخصية.
وسجلت العملات الأجنبية خلال الأيام الماضية ارتفاعات متواصلة في السوق الموازية، إذ بلغ متوسط سعر تداول الدولار نحو 4300 جنيه، ضمن نطاق يتراوح بين 4200 و4400 جنيه، بينما حافظت العملات الأخرى على مستويات مرتفعة مماثلة. وتشير المعطيات المتاحة إلى وجود تفاوتات في الأسعار بين المدن والمناطق المختلفة، لكنها تدور جميعها حول مستويات تاريخية مرتفعة.
الذهب والمحافظ الرقمية... متغيرات جديدة في سوق النقد
تكشف البيانات المتداولة أن تجارة الذهب أصبحت من العوامل المؤثرة بصورة مباشرة في حركة سعر الصرف، إذ يباع أكثر من 65 في المئة من الإنتاج خارج القنوات الرسمية، ما يحرم الاقتصاد من مورد مهم للنقد الأجنبي ويعزز نشاط السوق غير المنظمة.
كما تشير تقارير أممية إلى أن نحو 90 في المئة من فروع البنوك السودانية خارج الخدمة بسبب تداعيات الحرب، بينما تتم قرابة 70 في المئة من المعاملات اليومية عبر محافظ رقمية ومنصات تحويل غير خاضعة للرقابة المصرفية الكاملة، الأمر الذي يعكس حجم التحول الذي طرأ على حركة الأموال والتداولات المالية خارج الإطار الرسمي للدولة.
أزمة العملة تعكس اختلالات أعمق في الاقتصاد
يرى الخبير الاستراتيجي الدكتور نادر آدم قرشي أن شح النقد الأجنبي، ولا سيما الدولار، يمثل السبب المباشر وراء التراجع المستمر في قيمة الجنيه السوداني، لكنه يشدد على أن الأزمة في جوهرها تتجاوز مسألة سعر الصرف إلى اختلالات أعمق تطاول بنية الاقتصاد واستقرار الدولة ومستوى الثقة في المؤسسات.
ويقول قرشي " لصوت الأمة" إن انهيار العملة الوطنية لا يمكن فهمه بمعزل عن التحديات الهيكلية التي تواجه الاقتصاد السوداني، موضحاً أن تراجع الإنتاج، واضطراب الأسواق، وضعف البيئة الاستثمارية، كلها عوامل أسهمت في تعميق الأزمة النقدية الحالية.
وأضاف، أن استعادة استقرار الجنيه لن تتحقق عبر إجراءات نقدية مؤقتة أو تدخلات قصيرة الأجل في سوق الصرف، بل تتطلب برنامجاً إصلاحياً شاملاً يعيد بناء القطاعات الإنتاجية، ويعزز الثقة في المؤسسات الاقتصادية، ويوفر بيئة أكثر استقراراً للنشاط الاقتصادي والاستثماري.
وبحسب قرشي، فإن قيمة العملة في نهاية المطاف ترتبط بقوة الاقتصاد الحقيقي وقدرته على الإنتاج وجذب الموارد، أكثر من ارتباطها بالإجراءات النقدية وحدها، الأمر الذي يجعل الإصلاح الهيكلي شرطاً أساسياً لأي تعافٍ مستدام للجنيه السوداني.
فجوة مزمنة بين الاستيراد والتصدير
يرى الخبير الاستراتيجي د. نادر آدم قرشي أن التراجع المستمر في قيمة الجنيه السوداني يرتبط بجملة من الاختلالات البنيوية في الاقتصاد الحقيقي، في مقدمتها الفجوة المزمنة بين الاستيراد والتصدير.
ويعتمد السودان، بحسب قرشي، على تصدير مواد أولية محدودة القيمة المضافة، في مقابل استيراد واسع للوقود والقمح والأدوية والسلع الأساسية، ما يخلق طلباً دائماً على العملات الأجنبية يفوق حجم المعروض منها، ويضع ضغوطاً متواصلة على سعر صرف الجنيه.
ويضيف في حديثه لـ"صوت الأمة" أن الحرب فاقمت هذه الاختلالات بصورة كبيرة، بعدما أدت إلى تعطيل قطاعات الإنتاج، وانهيار سلاسل الإمداد، وهروب رؤوس الأموال، فضلاً عن تراجع التحويلات الرسمية للمغتربين واتساع نشاط السوق الموازية. وفي مثل هذه البيئات غير المستقرة، يتحول الدولار والذهب إلى ملاذات آمنة للأفراد والمستثمرين، ما يعزز ظاهرة "الدولرة النفسية" ويضعف الثقة في العملة الوطنية.
أزمة ثقة مؤسسية
يؤكد قرشي أن أزمة الجنيه لا يمكن فصلها عن أزمة الثقة في المؤسسات الاقتصادية والسياسات العامة، موضحاً أن العملة في جوهرها تمثل "عقد ثقة" بين الدولة والمجتمع. وعندما تتسم السياسات الاقتصادية بالتقلب وتفتقر المؤسسات إلى الاستقرار والفاعلية، يتحول الدولار من مجرد وسيلة للتبادل التجاري إلى أداة للادخار والتحوط من المخاطر.
وبحسب قرشي، فإن استمرار هذا الوضع يؤدي إلى تعميق أزمة العملة الوطنية، إذ تتراجع الرغبة في الاحتفاظ بالجنيه لصالح العملات الأجنبية، ما يخلق حلقة مفرغة من الضغوط على سعر الصرف ويجعل أي معالجات نقدية مؤقتة عاجزة عن تحقيق استقرار مستدام دون إصلاحات اقتصادية ومؤسسية أوسع نطاقاً.
مصفوفة إصلاح عاجلة لإنقاذ الجنيه
وفي ما يراه مخرجاً من دائرة التدهور المستمر، يطرح الخبير المصرفي وليد دليل مصفوفة إصلاح عاجلة تستهدف إعادة الاستقرار إلى سوق النقد وبث مؤشرات التعافي في الاقتصاد السوداني، عبر حزمة من الإجراءات النقدية والمصرفية والتجارية المتكاملة.
يرى دليل أن الأولوية العاجلة تتمثل في تقليص الفجوة بين السعر الرسمي للعملة وسعرها في السوق الموازية، إلى جانب تجفيف منابع المضاربات التي أسهمت في تسريع وتيرة تراجع الجنيه.
وفي هذا السياق، يدعو إلى تطوير البنية التحتية للدفع الإلكتروني من خلال تحديث "المحول القومي لنظم الدفع"، وتفعيل التطبيقات المصرفية بصورة متكاملة بين البنوك، بما يسهل حركة الأموال ويحد من الاعتماد على النقد الورقي.
كما يقترح استحداث آلية رسمية لـ"الصراف الإلكتروني" لتقديم خدمات الدفع والاستلام، بهدف تقليص تداول النقد خارج الجهاز المصرفي وتعزيز الرقابة على الكتلة النقدية المتداولة.
استعادة تحويلات المغتربين
يؤكد الخبير المصرفي وليد دليل أن جذب تحويلات السودانيين العاملين بالخارج يمثل أحد أهم مصادر النقد الأجنبي، مشيراً إلى أن الحل لا يكمن في ملاحقة السوق الموازية فحسب، بل في توفير حوافز حقيقية للمغتربين، تشمل إعفاءات جمركية وتسهيلات استثمارية وأسعار صرف تنافسية، بما يشجعهم على تحويل أموالهم عبر القنوات المصرفية الرسمية.
وفي السياق ذاته، يشدد على ضرورة وقف التمويل بالعجز، عبر التزام البنك المركزي بوقف طباعة العملة لتمويل الإنفاق الحكومي، والاعتماد بدلاً من ذلك على إدارة أكثر كفاءة للموارد المتاحة، للحد من الضغوط التضخمية المتزايدة.
حوكمة الذهب وتنظيم التجارة الخارجية
وعلى مستوى إدارة الموارد السيادية، يلفت دليل إلى أهمية ضبط حركة الاستيراد والتصدير بما يسهم في تحقيق توازن أفضل بين العرض والطلب على العملات الأجنبية.
كما يدعو دليل إلى حوكمة قطاع الذهب والاستفادة من إمكاناته الكبيرة عبر تنظيم التعدين التقليدي، وتشديد الرقابة على عمليات التهريب عبر الحدود، وربط مبيعات الذهب مباشرة ببورصة رسمية معتمدة، بما يوفر مورداً مستقراً وموثوقاً للنقد الأجنبي ويعزز احتياطيات البنك المركزي.
ترشيد الواردات وتوطين البدائل
يرى الخبير المصرفي وليد دليل أن القرارات الأخيرة الخاصة بحظر استيراد بعض السلع قد تسهم في خفض الطلب على الدولار وتقليل الضغوط على سوق النقد الأجنبي، إلا أنه يشدد على ضرورة أن تُصاحب هذه الإجراءات دراسات عاجلة لتوطين الصناعات البديلة محلياً، إلى جانب التشاور مع القطاع الخاص لضمان فاعلية القرارات وعدم انعكاسها سلباً على الأسواق.
ويحذر من أن غياب البدائل المحلية قد يدفع المستوردين إلى اللجوء بصورة أكبر إلى السوق الموازية لتوفير احتياجاتهم من النقد الأجنبي، ما يحد من الأثر المتوقع لهذه السياسات.
كما يؤكد أن أي برنامج اقتصادي للإصلاح لن يحقق أهدافه بصورة كاملة ما لم يقترن بتعزيز الشفافية، ومحاربة الفساد في منافذ الصادر، وتوفير بيئة أمنية مستقرة تسمح بعودة النشاط الإنتاجي في القطاعات الزراعية والصناعية، واستئناف دورة الاقتصاد بصورة طبيعية.
إنهاء الحرب شرط التعافي الاقتصادي
من جانبه، يؤكد الخبير الاستراتيجي د. نادر آدم قرشي أن معالجة أزمة الجنيه السوداني تتطلب برنامجاً هيكلياً متكاملاً ومتعدد المستويات، يتجاوز الحلول النقدية المؤقتة والإجراءات الجزئية.
ويضع قرشي إنهاء الحرب واستعادة الاستقرار في مقدمة الشروط اللازمة للتعافي الاقتصادي، باعتبارهما المدخل الأساسي لاستعادة الإنتاج والاستثمار وإعادة بناء الثقة في الاقتصاد الوطني.
كما يدعو إلى إصلاح سوق الصرف من خلال تقليص الفجوة بين السعر الرسمي والسوق الموازية، واعتماد نظام سعر صرف مرن ومدار يحد من التشوهات ويكبح المضاربات.
وفي ذات السياق ، يشدد على أهمية استعادة موارد النقد الأجنبي عبر إصلاح قطاع الذهب، وتنشيط الصادرات الزراعية والحيوانية، وجذب تحويلات المغتربين من خلال حوافز مصرفية وقنوات تحويل أكثر تنافسية وفاعلية.
يرى قرشي أن كبح التضخم يتطلب كذلك وقف التمويل التضخمي للعجز المالي، عبر إصلاح النظام الضريبي، وضبط الإنفاق العام، وإعادة هيكلة الدعم الحكومي بصورة أكثر كفاءة واستهدافاً.
اقتصاد منتج لا اقتصاد استهلاكي
يؤكد قرشي أن استقرار الجنيه على المدى الطويل يظل رهيناً بالتحول نحو اقتصاد إنتاجي يعتمد على الزراعة الحديثة، والتصنيع الغذائي، والخدمات ذات القيمة المضافة، بما يخلق طلباً حقيقياً ومستداماً على العملة الوطنية.
ويخلص إلى أن أزمة الجنيه السوداني ليست أزمة نقدية معزولة، بل انعكاس لأزمة أعمق تمس بنية الدولة والإنتاج والثقة المؤسسية. لذلك فإن أي معالجة تقتصر على سعر الصرف وحده ستظل محدودة الأثر ما لم ترافقها إصلاحات أمنية واقتصادية ومؤسسية شاملة.
وأردف أن "قيمة العملة لا تبنى في الأسواق وحدها، بل في الحقول والمصانع، وفي قدرة الدولة على إنتاج الثقة بقدر قدرتها على إنتاج السلع والخدمات".



التعليقات (0)
جاري التحميل...