خاص ــ صوت الأمة
لا يزال الحديث عن فرحة العيد في السودان، مثقلًا بالأوجاع بسبب رصاصة أولى "غير معروفة" شقت طريقها في لحظة كان ملايين السودانيين يستعدون لاستقبال عيد الفطر المبارك في يوم 21 أبريل 2023م. منذئذ لم تتذوق ملايين الأسر السودانية طعم العيد ليتفرَّقوا بين النزوح إلى ولايات أخرى أو اللجوء إلى دول الجوار، بحثًا عن الأمان، حاملين أمتعة الحزن وزاد الصبر عسى أن ينصلح حال البلاد ويخرس أزيز الرصاص، في البلد الذي تحوّلت رقعته إلى مرقد للموتى والأوجاع والأوبئة.
العيد في ولايات دارفور
يحل عيد الأضحى المبارك هذا العام وسكان مدينة نيالا، عاصمة ولاية جنوب دارفور، يرفعون أكف الضراعة لا طلبًا لرفاهية أو ترف، بل بحثًا عن الأمان، وفرحة أطفالهم الذين نسوا طعم العيد بسبب الغارات الجوية العشوائية التي ينفذها الجيش في مناطق واسعة في المدينة ومقر الحكومة الموازية، بحسب ما ذكر معلم سابق لـ"صوت الأمة".
مع اقتراب العيد تُصبح الأسواق في مدينة نيالا -بالرغم من شُحِّ الإمكانات المادية- صخبًا من الحياة، إذ تكتظ بالناس فيما يُعرف بـ"كسوة العيد" لأطفالهم الذين أنهكتهم الحرب لإضفاء لمسة من البهجة على حياتهم في ظلِّ ظروف اقتصادية قاهرة. تؤكد سناء عمر القاطنة في حي الوادي لـ"صوت الأمة" والبهجة تكسو وجهها "لن نستسلم لليأس... نعد الكعك... ونزين البيوت... ونشتري الألعاب لأطفالنا... لنُخبر العالم أن الجمال والحياة أقوى من الحرب".
تُشير الجدة حاجة آمنة، إلى أن مقولة "العيد عيد عافية وسلام"، قد أصبحت تتجسَّد بشكل كبير في مدينة نيالا بالرغم من ثُقل الحرب. وتُضيف "حكومة تأسيس تسير في الاتّجاه الصحيح... حياتنا مستمرة... وأن الفرح بأنشودة التكبيرات سيبقى في وجه الدماء".
يقول حسون من محلية بُرام جنوب نيالا إن الحرب المستمرة للعام الرابع على التوالي، لم تؤثر في طقوس وتقاليد العيد. لكنه عاد وذكر مظهرًا غير مألوف في ولايات دارفور، حيث يستيقظ الجميع صباح العيد على أصوات "الرصاص" التي تُرافقهم إلى ساحة الصلاة.
سعيدة محمد التي فقدت ثلاثة من أبنائها في الحرب تقول بحرقة وألم: "كيف أعيِّد وأنا فقدت ثلاثة من أولادي في الحرب... لن أنساهم أبدًا... أتمنى أن تقف الحرب اليوم قبل الغد".
العيد دفء العلاقات الأسرية
في مدينة نيالا تُصبح مناسبة الأعياد مهمة لاستعادة دفء الأسرة الذي خفَّ بسبب الحرب، وعودة البعض من النزوح. ففي ظلِّ هذه الحرب المستمرة يصبح التواصل الاجتماعي أكثر قيمة وتُصبح الأعياد فرصة لتضميد جراحات الفقد، كما يحدثنا الناشط محمد إسماعيل.
نفرح برغم أوجاع الحرب
بحر تاجر الملابس في السوق الشعبي جنوب مدينة نيالا، قال لـ"صوت الأمة"، إن حركة البيع والشراء مرتفعة بشكل كبير، والنشاط التجاري كبير مقارنةً بالعيد الماضي، لكنه شكا من انعدام الأمن والغارات الجوية التي يشنها الجيش السوداني، مضيفًا "أحث قيادة الجيش الكفَّ عن ضرب مدينتنا".
تتجلى في نيالا حكاية أمة تأبى الانسكار ويرتفع فوق ركام المعاناة ليُشرق بابتسامة العيد في كل عام. وكأنها تقول "إن الحياة هنا رغم أُنف كل شيء".
"عدت إلى مدينة نيالا... وجدت المدينة تعج بالبشر، والمحال التجارية فتحت أبوابها بالرغم من الدمار الذي لحق بجزء منها... سعدت بعودة نيالا البحير إلى سابق عهدها، لكن ما يحزنني حوادث النهب تحت تهديد السلاح التي نسمعها بين الحين والآخر، أتمنى من حكومة تأسيس ضرب المجرمين بلا هوادة". يحكي الأستاذ أحمد الزبير لـ"صوت الأمة" الذي عاد للتو من العاصمة اليوغندية كمبالا إلى مدينة نيالا للاستقرار وقضاء العيد مع أسرته الصغيرة.
أضحى بلا حج
"الكُلفة المالية الكبيرة والوضع الأمني المضطرب جعلني أصرف النظر عن حج والدتي هذا العام... أنتظر ربما تتوقف الحرب ويتحسن الوضع الأمني لأحقق حلم والدتي لزيارة بيت الله الحرام". يقول محمد لـ"صوت الأمة".
وتسبب الارتفاع القياسي في تكاليف الحج لموسم 2026م والتحديات الأمنية بسبب الحرب المستمرة بين الجيش وقوات "الدعم السريع"، في حرمان أعداد كبيرة من سكان إقليم دارفور من أداء فريضة الحج.
بالإضافة إلى ذلك -تسبب تدهور العملة المحلية مقابل الريال السعودي في رفع تكاليف الحج، إضافة إلى زيادة تكاليف الترحيل الداخلي والمخاطر الأمنية.
تكاليف باهظة
حددت الإدارة العامة للحج والعمرة في السودان تكاليف الحج لموسم 2026م لسكان ولايات دارفور حسب مسار السفر المتعمد؛ عبر الطيران "17.275.482" جنيهًا وعبر البحر "13.000.000" جنيه سوداني.
قال الدكتور إبراهيم إنه قبل الحرب كان يدَّخر من راتبه من أجل أداء فريضة الحج، إلا أنَّ الظروف الاقتصادية والحرب جعلته ينفق ما أدَّخره للحج على أبنائه.
و قال مسؤول في حكومة "تأسيس"، إن الظروف الأمنية لست هي السبب الوحيد في عزوف الكثيرين عن الحج في الولايات الخاضعة لسيطرتهم ؛ مضيفًا "سياسة حكومة بورتسودان الجشعة في رفع تكاليف الحج مثَّل السبب الرئيسي في عدم الرغبة في الحج".
محمد إبراهيم قال إنه كان ينوي الحج في هذا العام، لكنه قال إنه لا يملك جواز سفر، وقد يجد صعوبة كبيرة في استخراجه بعد أن واجه كثيرٌ من أقاربه متاعب جمَّة بسبب اسم جدهم "حميدان".
لم تكن الظروف الأمنية هي السبب الوحيد في عدم رغبة سكان دارفور في الحج؛ فالظروف الاقتصادية وتراجع دخل المواطنين وفقد الكثيرين وظائفهم منذ اندلاع الحرب، أدى إلى عزوف الكثيرين عن زيارة بيت الله الحرام.



التعليقات (0)
جاري التحميل...