تقرير ــ صوت الأمة

تتصاعد المخاوف من دخول مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، مرحلة جديدة من التصعيد العسكري، مع تزايد الهجمات بالطائرات المسيّرة واستمرار التحذيرات الدولية من استهداف المدينة، التي تعد مركزاً إنسانياً حيوياً يؤوي مئات الآلاف من المدنيين والنازحين.

وخلال الأسبوعين الماضيين، تعرضت المدينة لسلسلة من الهجمات استهدفت منشآت حيوية، كان أبرزها قصف المحطة الرئيسة للكهرباء مساء الخميس، ما أدى إلى انقطاع التيار الكهربائي عن أجزاء واسعة من المدينة وتعطل عدد من محطات المياه، في وقت تعاني فيه المنطقة أصلاً ضغوطاً إنسانية متزايدة بسبب الحرب.

ودخل الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة على خط التحذيرات الدولية، داعيين إلى حماية المدنيين والبنية التحتية. وأعرب الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، عن قلقه من تصاعد القتال حول الأبيض، محذراً من أن أي هجوم واسع على المدينة قد يؤدي إلى تداعيات إنسانية خطيرة شبيهة بما شهدته الفاشر.

وقالت شبكة أطباء السودان إن القصف الذي استهدف منشآت الكهرباء والوقود تسبب في خروج عدد من المرافق الصحية عن الخدمة، وعلى رأسها مراكز غسيل الكلى وأقسام الطوارئ، كما أدى إلى توقف عدد من محطات المياه، ما فاقم معاناة السكان.

كما حذرت مجموعة «محامو الطوارئ» من تصاعد الحشود العسكرية حول المدينة، مشيرة إلى أن قوات الدعم السريع تواصل تعزيز مواقعها في محيط الأبيض، بينما ينفذ الجيش السوداني عمليات تعبئة داخلها، الأمر الذي يرفع من احتمالات اتساع نطاق العمليات العسكرية.

واعتبرت المجموعة أن استمرار القصف والتصعيد العسكري يمثلان إنذاراً مبكراً بإمكانية وقوع انتهاكات جسيمة بحق المدنيين، خاصة أن المدينة تضم أعداداً كبيرة من النازحين الذين فروا من مناطق أخرى.

شبح الفاشر

وتتعزز المخاوف الحالية بسبب المقارنات المتزايدة مع ما شهدته مدينة الفاشر بولاية شمال دارفور، التي تعرضت لأشهر من الحصار والاستنزاف العسكري قبل أن تسقط بيد قوات الدعم السريع، وسط اتهامات بوقوع انتهاكات واسعة ضد المدنيين.

وتحذر الأمم المتحدة من أن تكرار هذا السيناريو في الأبيض قد يضع مئات الآلاف من المدنيين أمام مخاطر جسيمة، خصوصاً مع ورود تقارير عن تعزيزات عسكرية وتحركات ميدانية متزايدة حول المدينة، بالتزامن مع استمرار الهجمات بالطائرات المسيّرة.

من جانبه، حذر مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، من أن أي هجوم واسع على الأبيض قد يفضي إلى ارتكاب جرائم دولية جديدة، مشيراً إلى أن المدينة شهدت خلال الأسابيع الأخيرة عشرات الهجمات التي استهدفت مرافق مدنية وشاحنات وقود وأوقعت ضحايا بين المدنيين.

مدينة استراتيجية

وتكتسب الأبيض أهمية خاصة في المعادلة العسكرية السودانية، إذ تشكل نقطة وصل رئيسة بين إقليم دارفور ووسط السودان، كما تضم مقر الفرقة الخامسة مشاة «الهجانة»، إحدى أبرز الوحدات العسكرية التابعة للجيش السوداني.

ولا تقتصر أهمية المدينة على بعدها العسكري، بل تعد مركزاً اقتصادياً ولوجستياً رئيساً في غرب السودان، حيث تمر عبرها طرق التجارة والإمداد البرية وخطوط السكك الحديدية التي تربط أقاليم البلاد المختلفة، ما يجعل السيطرة عليها هدفاً استراتيجياً للطرفين.

وبحسب عدد من سكان المدينة تحدثوا لـ«صوت الأمة»، فإن الحياة داخل الأبيض ما تزال مستمرة رغم انقطاع الكهرباء، حيث تواصل الأسواق والمرافق العامة نشاطها في ظل ظروف بالغة التعقيد.

وذكر السكان أن أزمة الوقود تمثل المشكلة الأكبر في الوقت الراهن، إذ ارتفعت تكاليف التنقل بصورة غير مسبوقة، ما انعكس سلباً على حركة البضائع والمواطنين داخل أحياء المدينة الواسعة.

تطمينات عسكرية ومخاوف مستمرة

ويقلل الجيش السوداني من حجم التهديد المباشر الذي تواجهه مدينة الأبيض. وتفقد قائد ثاني الفرقة الخامسة مشاة «الهجانة»، العميد الركن محمد فضل يوسف الرشيد، عدداً من المناطق والخطوط الأمامية بولاية شمال كردفان، ووقف على الأوضاع العملياتية هناك.

 

وأكد أن قوات «الهجانة» ماضية في أداء واجبها الوطني لتأمين ربوع الولاية كافة وحماية المواطنين، مشدداً على استمرار الجهود الرامية إلى تعزيز الأمن والاستقرار وطمأنة المواطنين بولاية شمال كردفان.

ورغم هذه التطمينات، لا تزال المخاوف قائمة بين السكان، خصوصاً مع استمرار استهداف البنية التحتية الحيوية وتراجع الخدمات الأساسية. وبينما تتواصل الهجمات والتحذيرات الدولية، تبقى الأبيض أمام اختبار صعب قد يحدد مصير واحدة من أهم مدن السودان الاستراتيجية خلال المرحلة المقبلة.

وفي الوقت ذاته، تواصل قوات الدعم السريع حشد قواتها حول المدينة، فيما بث عناصر تابعون لها مقاطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي أعلنوا خلالها توجههم نحو مدينة الأبيض.

كما نشر عناصر من الدعم السريع مقاطع مصورة أظهرت مجموعات قتالية على متن مركبات عسكرية، زعموا أنها في طريقها إلى مدينة الأبيض.

 

 

 

 

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...