الخرطوم- سارة عطية
يدفع حسن فاروق "الدرداقة" المحمّلة بجراكن المياه لمسافات طويلة في الثورة الحارة 100 بمحلية كرري شمالي أم درمان، بعدما تحوّلت رحلة البحث عن المياه إلى جزء من معركة يومية مرهقة يعيشها السكان في العاصمة السودانية. ويقول إن المياه أصبحت هاجسًا دائمًا للأسر، يستهلك وقتها وأموالها في ظل الانقطاعات المستمرة وارتفاع الأسعار بصورة غير مسبوقة.
ويضيف فاروق، في حديثه لـ"صوت الأمة"، أن المواطنين، بمن فيهم النساء والأطفال، يضطرون يوميًا إلى نقل المياه بوسائل بدائية لمسافات طويلة، بينما تجاوز سعر برميل المياه في بعض الأحياء 12 ألف جنيه، في وقت أصبحت فيه قطوعات الكهرباء والمياه جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية.
ويرى أن الحديث عن أزمة المياه لا ينفصل عن حالة الانهيار الكامل التي تعيشها البلاد، معتبرًا أنَّ التعامل مع الأزمة باعتبارها حالة عارضة يتجاهل حجم المعاناة اليومية التي يعيشها المواطنون، خاصة العائدين من النزوح أو الذين بقوا داخل مناطق الحرب.
ويقول إنّ كثيرًا من المواطنين بنوا آمالًا على تحسن الأوضاع بعد خروج قوات الدعم السريع من بعض المناطق، إلا أنَّ الواقع ظل -بحسب تعبيره- "مؤلمًا ومحبطًا على مختلف المستويات الحياتية، في ظل البطالة وارتفاع الأسعار والجوع والمرض وغياب الخدمات الأساسية.
ويوضّح أن قطوعات الكهرباء اليومية ولساعات طويلة ضاعفت حجم المعاناة، بينما ظلت المياه منقطعة في عدد كبير من المناطق لفترات طويلة، وفي بعض أحياء أم درمان لأكثر من شهر كامل.
ويتابع فاروق أن نقل المياه أصبح جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية للأسر، بينما تضاعف درجات الحرارة المرتفعة خلال فصل الصيف، إلى جانب انقطاع الكهرباء، حجم المأساة التي يعيشها المواطنون.
أمبدة... معاناة يومية وارتفاع في الأسعار
ولا تبدو قصة فاروق معزولة عن واقع تعيشه مناطق واسعة من السودان، حيث تتفاقم أزمة المياه بصورة غير مسبوقة، وسط انقطاعات متكررة للإمداد وارتفاع كبير في أسعار شراء المياه.
وفي أمبدة غربي العاصمة الخرطوم، تعيش أم أحمد تفاصيل معاناة يومية قاسية بسبب انقطاع المياه لفترات طويلة. وتقول إن رحلة الحصول على مياه صالحة للشرب والاستخدام الآمن تحوَّلت إلى عبء مالي ونفسي ثقيل، في ظل الحاجة اليومية المستمرة للمياه.
وتوضح أم أحمد أنها تضطر لشراء "الباقة" الواحدة من المياه بسعر ألفي جنيه، بينما تحتاج أسرتها إلى نحو سبع عبوات، يوميًا كحد أدنى لتغطية الاحتياجات الأساسية، ما يرفع كُلفة المياه اليومية إلى نحو 14 ألف جنيه.
وتضيف: "كل تفاصيل حياتنا أصبحت مرتبطة بعدد العبوات، فنحن نوزعها بحساب دقيق بين الطبخ والنظافة وغسيل الأواني وحتى مياه الشرب".
كما اشتكى مواطنو وحدة السلام بأمبدة، في مذكرة موجهة إلى معتمد المحلية، من استمرار انقطاع المياه لأكثر من خمسة أشهر في بعض الأحياء، الأمر الذي اضطر السكان لشراء "جوز الموية" من عربات "الكارو" بأسعار بلغت ثلاثة آلاف جنيه للجوز الواحد.
الريف الجنوبي... شكاوى متواصلة
وفي منطقة صالحة بالريف الجنوبي لأم درمان، يقول عثمان عبد الله محمد، إن سعر برميل المياه من عربات "الكارو" وصل إلى عشرة آلاف جنيه، وهو مبلغ يشكل عبئًا اقتصاديًا كبيرًا في ظل الظروف المعيشية الراهنة.
ويشير عثمان عبد الله محمد، في إفادته لـ"صوت الأمة"، إلى أن المواطنين خاطبوا إدارة المياه أكثر من مرة، إلا أن الوعود المتكررة بحل الأزمة لم تنعكس على الواقع، وظلت المشكلة مستمرة دون حلول جذرية، مؤكدًا أن الأزمة لا تقتصر على منطقة صالحة وحدها، بل تمتد إلى عدد كبير من أحياء أم درمان الأخرى.
وفي أبو سعد مربع (6)، رفعت فاطمة محمد الحسن، شكوى عاجلة إلى الهيئة القومية للمياه فرع أم درمان، قالت فيها إن المنطقة تعاني انقطاعًا كاملًا للمياه منذ أكثر من عشرة أيام، وسط أوضاع معيشية وإنسانية بالغة الصعوبة.
حالة طوارئ غير معلنة في بحري
الانتقال إلى مدينة بحري لا يغير كثيرًا من صورة الأزمة، بل يكشف تفاصيل أخرى من المعاناة اليومية. وتقول الطالبة شهد محمد محمود، إن الإمداد المائي بات خاضعًا لقطوعات مستمرة وتذبذب حاد في الضخ.
وتضيف محمود، في مقابلة مع "صوت الأمة": "نعيش في بحري حالة طوارئ غير معلنة بسبب المياه. بعض الأحياء تنقطع عنها المياه لأيام، بينما تعاني أحياء أخرى من ضعف شديد يمنع السكان حتى من تخزين احتياجاتهم الأساسية".
وتشير إلى أن الأزمة أثرت بصورة مباشرة على الطلاب والأسر، إذ أصبح جزء كبير من الوقت يضيع في انتظار المياه أو البحث عن مصادر بديلة، ما ينعكس سلباً على الدراسة والاستقرار النفسي.
انقطاع المياه أصبح هو القاعدة
وفي جنوب الخرطوم، يقول عبد العزيز بابكر، إن الحال في الأحياء يشبه إلى حدٍّ كبير ما يحدث في بحري وأم درمان، موضحًا أن انقطاع المياه أصبح هو القاعدة، بينما تحول استقرار الإمداد إلى استثناء نادر.
أزمة تمتد إلى الولايات
في ولاية النيل الأبيض، بمدينة الدويم، يقول عثمان علي إن خدمات المياه بمدينة الدويم أصبحت مرتبطة بصورة مباشرة بقطوعات الكهرباء، حيث تتوقف محطات الضخ لساعات طويلة مع انقطاع التيار.
ويؤكد على أنَّ بعض الأحياء تعاني ضعفًا حادًا في تدفق المياه لفترات قد تمتد إلى شهر كامل، بينما تجاوز سعر برميل المياه حاجز 12 ألف جنيه، ما ضاعف الأعباء المعيشية على الأسر.
وفي القضارف، يصف هشام الإدريسي أزمة المياه بأنها أزمة يومية تمس حياة أكثر من مليوني مواطن، خاصة في المحليات الطرفية والريفية، بالرغم من ما تتمتع به الولاية من أمطار غزيرة وإيرادات محلية معتبرة.
ويقول الإدريسي في منشور له على الفيسبوك، إن سعر "جوز الموية" ارتفع من 500 جنيه إلى ما بين ألف وألف وخمسمائة جنيه في بعض الأحياء، بينما يضطر كثير من السكان إلى قطع مسافات طويلة للحصول على المياه.
الحرب والكهرباء... في قفص الاتهام
وقال مسؤول بإدارة مياه المدن -فضّل حجب اسمه- لـ"صوت الأمة"، إن قطوعات المياه التي تشهدها عدد من الولايات والمدن السودانية تعود إلى أسباب متعددة، في مقدمتها آثار الحرب التي تسببت في تدمير واسع للبنية التحتية الخاصة بقطاعي المياه والكهرباء.
وأوضح أن عددًا من محطات الضخ والآبار وخطوط النقل تعرضت لأضرار كبيرة، إلى جانب خروج بعض المحطات عن الخدمة بسبب التخريب أو نقص قطع الغيار وصعوبة الوصول إلى مواقع الأعطال.
وأضاف أن الانقطاع المستمر للتيار الكهربائي فاقم الأزمة بصورة كبيرة، باعتبار أن معظم محطات المياه تعتمد بشكل أساسي على الكهرباء في عمليات الضخ والتشغيل، فضلًا عن النقص في الوقود وارتفاع تكاليف التشغيل والصيانة.
وأشار إلى أن حركة النزوح الكبيرة إلى بعض المدن، أدت أيضًا إلى زيادة الضغط على الشبكات القائمة، ما تسبب في ضعف الإمداد وعدم انتظام وصول المياه إلى عدد من الأحياء.
وأكد أن الجهات المختصة تعمل حاليًا على تنفيذ معالجات إسعافية تشمل إعادة تشغيل المحطات المتوقفة وصيانة الشبكات المتضررة، إلى جانب توفير تناكر مياه للمناطق الأكثر تأثرًا.
كما كشف عن اتّجاه للتوسع في استخدام الطاقة الشمسية لتشغيل الآبار والمحطات كحل بديل لأزمة الكهرباء، إضافة إلى وضع خطط لإعادة تأهيل البنية التحتية المدمرة تدريجياً.
وبين "الدرداقات" التي تجوب الأحياء، وصفوف انتظار المياه الطويلة، وأسعار البراميل التي تلتهم ما تبقى من دخول الأسر، تبدو أزمة المياه في السودان أبعد من مجرَّد خلل خدمي عابر. وبين وعود المعالجات الإسعافية وواقع الخدمات المتدهور، يظل العطش شاهدًا إضافيًا على حجم الأزمة الإنسانية والمعيشية التي تتسع يومًا بعد آخر في السودان.



التعليقات (0)
جاري التحميل...