راديو فرنسا: القاهرة

بعد مرور ثلاث سنوات كاملة على اشتعال فتيل النزاع المسلح في السودان، وتحديداً منذ ذلك السبت القاتم في 15 أبريل 2023، لا تزال أصداء الرصاص الذي انطلق في الخرطوم بين الجيش السوداني تحت قيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بزعامة محمد حمدان دقلو “حميدتي”، تتردد في أرجاء المنطقة. وقد خلف هذا الصراع المرير دماراً واسعاً وأزمة نزوح تُعد الأكبر عالمياً، طالت أكثر من 13 مليون شخص. ومن بين هؤلاء، استقبلت مصر نحو 1.5 مليون لاجئ سوداني، لتصبح القاهرة الملاذ الأول والوجهة الرئيسية للباحثين عن الأمان، رغم ما يكتنف حياتهم الجديدة من مخاطر وصعوبات معيشية.

في دار “هن” للنشر.. استحضار السودان عبر الحكايا

 

في السابع من مارس (آذار) 2026، وتحديداً داخل دار “هن” للنشر بحي المعادي الهادئ في القاهرة، امتزجت أنغام الموسيقى التقليدية بعبق الحكايا السودانية القديمة. هناك وقفت غادة، السيدة الخمسينية، لتلعب دور الحكواتي أمام جمهور غارق في الإنصات.

روت غادة قصة رمزية عن تاجر ثري أراد تأمين مستقبله بإخفاء كنز في قاع بئر عبر سلسلة حديدية قوية، لكن السلسلة انقطعت وضاع الكنز، ليأتي مسافر عطشان بعد سنوات ويكتشف تلك الثروة عالقة في خيوط عنكبوت واهية. وعقبت غادة بلمحة من الأمل، قائلة: “الحياة حين تبتسم لك، تفعل ذلك عبر أبسط الأشياء كخيوط العنكبوت، بينما قد لا تحميك السلاسل الحديدية من القدر”.

وتؤكد غادة أن هدفها الأساسي هو انتشال السودانيين من عقلية “اللاجئ” المكلوم، وإعادتهم إلى دفء الهوية الأصيلة. فهي ترى أن السودان أكبر بكثير من مجرد صور الدمار والحرب التي باتت تختزل البلاد في عيون العالم، وتسعى عبر قصصها لتعريف الآخرين بحقيقة الوجدان السوداني.

بودكاست “الحبوبة”.. جسر الذاكرة المفقودة

ومن بين الحضور كانت أندي كمال، وهي شابة سودانية تبلغ من العمر 27 عاماً، قالت إن أكثر ما يفتقده السودانيون في المنفى هو تفاصيل الحياة الريفية والقصص القديمة التي كانت الجدات يروينها داخل البيوت.

 

وبسبب هذا الحنين، قررت أندي، بعد وصولها إلى مصر بفترة قصيرة، إطلاق بودكاست عبر وسائل التواصل الاجتماعي يركز على شخصية “الحبوبة”، وهي الجدة في الثقافة السودانية، والتي تمثل بالنسبة لكثير من الأسر الذاكرة الحية والمرجع الثقافي والإنساني داخل العائلة.

وأوضحت أندي أن الحرب والنزوح فرقا بين الأجيال، حيث بقي عدد كبير من كبار السن داخل السودان، بينما اضطر الشباب إلى المغادرة بحثاً عن الأمان ومستقبل أفضل، وهو ما خلق فراغاً نفسياً كبيراً لدى كثير من السودانيين في الخارج.

وأضافت أن تفاعل السودانيين مع المحتوى الذي تقدمه كان لافتاً، إذ بدأت بعدد محدود من المتابعين، قبل أن تحقق بعض مقاطع الفيديو الخاصة بها أكثر من مليون مشاهدة، بسبب ارتباط الناس العاطفي بذكريات الجدات والحياة القديمة.

وفي زاوية أخرى من القاهرة، يفتح فنان الريغي “زين” أبواب استوديو أنشأه حديثاً، ليقدم مزيجاً فريداً يدمج فيه الألحان السودانية التراثية بإيقاعات الريغي العالمية.

ويستحضر زين أغنية “اكتبي لي يا حبيبتي”، التي تروي قصة مغترب يشتاق لوطنه ولمن يحب. ويقول: “رغم أن من أحبها موجودة هنا معي في مصر، إلا أن الأغنية تلمس قلوب الملايين، لأن الحنين الحقيقي هو لأولئك الذين لم يتمكنوا من مغادرة البلاد ولا يزالون تحت وطأة الصراع”.

 

هكذا تستمر حياة الشتات السوداني في القاهرة بعد ثلاث سنوات من الحرب؛ مزيج من الألم والأمل، ومحاولات دؤوبة للحفاظ على الهوية الوطنية بعيداً عن هدير المدافع.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...