رئيس اللجنة الاقتصادية بحزب الأمة: التمكين والفساد وإهمال الإنتاج وراء تدهور الجنيه
أولى أسباب تدهور قيمة الجنيه مقابل العملات الأجنبية، هي الحرب الدائرة حاليًا
إعادة الإعمار تتطلب رؤية واضحة
من الإجراءات المطلوبة إنشاء بورصة للذهب وقفل منافذ التهريب وفرض رقابة صارمة
حيث انتشر السودانيون المؤهلون للعمل والإنتاج في المهاجر ومراكز اللجوء
حوار: ناهد محمد
بينما يدخل السودان عامه الرابع من الحرب، تتعاظم التحديات الاقتصادية والإنسانية التي ألقت بظلالها على حياة المواطنين وهددت ركائز الاقتصاد الوطني. فالصراع المستمر تجاوز تأثيره على الجوانب الأمنية والسياسية، وامتد ليطال قطاعات الإنتاج والطاقة والتجارة والخدمات، في وقت تواجه فيه البلاد تراجعًا حادًا في قيمة العملة الوطنية وارتفاعًا غير مسبوق في معدلات الفقر والنزوح.
وفي خضم هذه الأوضاع، تبرز تساؤلات حول مستقبل الاقتصاد السوداني وفرص التعافي بعد الحرب، ومدى قدرة الدولة على إعادة بناء ما دمره الصراع، واستعادة دورة الإنتاج والتنمية.
يكشف رئيس اللجنة الاقتصادية بحزب الأمة القومي، الصديق الصادق المهدي، في حوار مع "صوت الأمة"، عن رؤيته لتداعيات الحرب على القطاعات الاقتصادية المختلفة، وأسباب تدهور الجنيه السوداني، ومتطلبات إعادة الإعمار، إلى جانب تقييمه لملف الذهب ودوره في دعم الاقتصاد الوطني.
* الحرب التي اندلعت في الخامس عشر من إبريل وتجاوزت ثلاثة أعوام، مخلفةً وراءها خسائر فادحة... برأيك ما أكثر القطاعات تضررًا وتأثيرًا على الاقتصاد الوطني؟
طبعًا، الضرر الذي لحق بالقطاعات جراء الحرب هو ضرر عام أصاب السودان، وأهل السودان، والبنية التحتية، لذلك يمكن القول إن الضرر طال جميع القطاعات، وبصفة خاصة قطاع الطاقة، حيث تم تدمير البنية التحتية، بما في ذلك مصفاة الجيلي وخط الأنابيب، وما ترتب على ذلك من آثار سلبية تمثّلت في تعطيل التعاون مع دولة جنوب السودان في إنتاج وتكرير البترول، وهو مؤشر خطير، لأن الجنوب إذا بحث عن بدائل أخرى فسنفقد هذا المورد، كما سنفقد الصلة الاقتصادية معه، كذلك سنفقد الاستفادة من خط الأنابيب.
وكذلك تضرر الاقتصاد في قطاع الطاقة، نتيجة فقدان التعاون والإمداد الكهربائي من دول الجوار، إذ تدخل الدول في ارتباطات طويلة الأمد، وحين تنتهي الحرب في السودان ويتحقق السلام، لن يكون معلومًا حجم الإمداد الكهربائي المتاح للسودان.
كما خسر السودان في مجال الطاقة المشروع الألماني الذي كان مطروحًا خلال الفترة الانتقالية قبل انقلاب أكتوبر2021م، وهذا المشروع، إلى جانب إمدادات البترول والكهرباء، كان يتضمن خططًا للطاقة المتجددة، ومد شبكة الكهرباء إلى أقصى مناطق دارفور، وهو من المجالات التي فقدناها بالفعل، وآمل أن يعود هذا الاتفاق بعد تحقيق السلام.
الحرب أثرت بصورة كبيرة على قطاع الصناعة؟
تم تدمير معظم المصانع، وكان أكثر من 80% منها موجودًا في الخرطوم، وهذا يمثل خللًا كبيرًا.
وإعادة الإعمار تتطلب وقتًا، وهذه واحدة من المشكلات، لكن ربما تكون إحدى إيجابيات الحرب أن تتم إعادة الإعمار وفق خطة واضحة تحقق التوازن والتوزيع العادل للصناعة، بحسب توفر البنية التحتية للمواد الخام والبنية التحتية الصناعية، وهو جانب مهم للغاية.
القطاع الثالث الذي تضرر هو قطاع الأسواق في الولايات الطرفية. ففي ظروف الحرب وانعدام الإمدادات من المنتجات والسلع القادمة من مختلف مناطق السودان، تدخل هذه الأسواق في ارتباطات مع دول الجوار، وهو ما يُعدُّ مهددًا للوحدة الوطنية، خاصة إذا وجدت الأسواق الطرفية إمكانية الحصول على السلع والمنتجات من دول الجوار بمعادلات وأسعار أفضل، الأمر الذي قد يدفعها إلى تعزيز ارتباطها الخارجي، وهو مؤشر خطير على المدى البعيد.
أما القطاع الرابع فهو رؤوس الأموال السودانية التي تتّجه إلى دول وجهات أخرى لترتيب أوضاعها والاستقرار فيها، وهو ما يمثل فقدًا كبيرًا للبلاد. كما أن رؤوس الأموال الأجنبية تتجه بدورها إلى أسواق أخرى وتبحث عن بدائل مختلفة، وهو ما يشكل خسارة إضافية للسودان.
كذلك تضرر قطاع الموارد البشرية، حيث انتشر السودانيون المؤهلون للعمل والإنتاج في المهاجر ومراكز اللجوء، وهذا يمثل فقدًا كبيرًا لمورد مهم للاقتصاد. وحتى بعد تحقيق السلام، فإن بعض الكوادر المهاجرة قد لا تعود إذا ما وجدت أوضاعًا مستقرة وارتباطات مهنية واجتماعية في الخارج.

* خطة الإعمار وعودة المواطنين إلى ديارهم بعد الهجرة... ما مطلوبات البناء وإعادة الإعمار؟
المطلوب من الدولة تهيئة البيئة المناسبة، التي تبدأ بتحقيق السلام وإيقاف الحرب، وحماية وتأمين حقوق المواطنة لكل مواطني السودان، وتوفير البيئة الصالحة للعمل والإنتاج، بمعنى تحقيق مبادئ الشفافية والمساواة بين المواطنين وعدم التمييز، والخروج من كلِّ سياسات وممارسات التمكين والتسلط، وعدم منافسة الدولة عبر مؤسساتها للمواطنين والمنتجين والمستثمرين.
كذلك يقع على عاتق الدولة توفير الحد الأدنى من الخدمات، من صحة وتعليم ومياه شرب صحية وكهرباء. كما يجب التوافق على معادلة عملية قابلة للتطبيق لتعويض المواطنين عما فقدوه من بنيات إنتاجية وموارد، وفق صيغة تدمج أو تعيد دمج المواطنين في العمل والإنتاج، بحيث تسهّل وتيسر التمويل للمنتجين، وتتضمن نوعًا من التعويض للمواطنين، على أن يكون ذلك مرتبطًا بالإنتاج والعمل.
خاصة أن الدولة، من الناحية الواقعية والعملية، لن تكون لديها الموارد الكافية لتقديم تعويضات مباشرة وشاملة، وإن توفرت القدرة فإن المواطنين يستحقون التعويض، لأنهم تعرضوا لخسائر كبيرة.
كما أن على المواطن، أولًا، المراهنة على الوطن والصبر على القليل، متى ما توفر مسار واضح وخطة تبدأ بالسلام، وترتيب واضح لإعادة الإعمار والبناء المؤسسي والعمل والإنتاج وتأهيل البنيات الأساسية.
وعلى المواطن أيضًا، أن يتعامل بإيجابية مع المرحلة المقبلة، وأن نبتعد عن الاتكالية ونتجه إلى العمل، ونبدأ بالظروف المتاحة أمامنا، ونسير إلى الأمام.
* تفشي الغلاء وتدهور قيمة الجنيه السوداني... الأسباب والحلول في رأيك؟
أولى أسباب تدهور قيمة الجنيه مقابل العملات الأجنبية، هي الحرب الدائرة حاليًا، إلا أنه حتى قبل الحرب لم يكن الوضع على ما يرام، حيث كان هناك تمكين وفساد وإهمال للإنتاج، والاعتماد بشكل أكبر على الريع والاستهلاك.
كذلك أسهم الضعف المؤسسي وتهيئة بيئة الفساد، وحل أجهزة الرقابة (المشتريات الحكومية، والمخازن والمهمات، والتشييد والأشغال، والنقل الميكانيكي)، التي تم حلها في عهد النظام البائد، في تفاقم الأزمة.
كما أن العزلة الدولية التي ظل يعاني منها السودان لعبت دورًا إضافيًا في تدهور الأوضاع الاقتصادية وارتفاع الأسعار وانخفاض قيمة الجنيه.
وتؤدي جميع العوامل سالفة الذكر إلى تفشي الغلاء وتدهور قيمة العملة الوطنية.
أما الحلول فتبدأ من تحقيق السلام، والعمل على محاربة الفساد، وإعطاء أولوية لقطاع الإنتاج والمنتجين، وبناء مؤسسات دولة فاعلة وشاملة تقدم الخدمات وتؤدي مهامها لكل المواطنين وفق مبادئ المساواة وعدم التمييز بين فئة وأخرى أو جهة وأخرى.
كما تشمل الحلول، استعادة أجهزة الضبط والرقابة للدولة، والعمل على تفجير الطاقات الإنتاجية في مختلف أنحاء البلاد دون تمييز، إضافة إلى إدماج السودان في محيطه الإقليمي والمجتمع الدولي.
* مع كلِّ هذا الوضع في السودان من تدمير البنية التحتية والقطاعات الإنتاجية؛ هل يمكن للاقتصاد أن يجد طريقه نحو الاستقرار؟
نعم، ممكن جدًا، ولكن بالتخطيط وليس بالأماني. ويبدأ ذلك من تحقيق السلام، ووضع ترتيبات لبناء دولة المؤسسات، وتبني خطة واضحة للبنية التحتية الإنتاجية، وكذلك تعزيز الشراكات الاقتصادية، والعمل على ترتيبات تمهّد لقبول المجتمعين الدولي والإقليمي للمساعدة في المرحلة الأولى.
لكن في الوقت نفسه، يجب الاعتماد على تفجير الطاقات الإنتاجية في مجالات الزراعة والمعادن والصناعة والموانئ، أي الاستفادة من موارد السودان وموقعه الجغرافي، وهو أيضًا يعد من الموارد الاستراتيجية في هذه الترتيبات.
وبذلك، وبالتخطيط، يمكن أن نخرج من المصيبة التي نعيشها حاليًا، ونتجه نحو إعادة إدماج السودان في المجتمع الدولي، ليكون عضوًا فاعلًا ومنتجًا، وليس مصدرًا للكوارث والأزمات والمشاكل كما هو الحال الآن.
* إيقاف الحرب أحد أهم مطلوبات الاستقرار... ما النصيحة التي تقدمها لأهل الشأن في السودان؟
السلام هو المدخل لأمن الوطن والمواطن وللاستقرار، ولا بدَّ من التوافق السوداني على أن تتم معالجة الأجندة السياسية بالعمل السلمي المدني وليس بالحرب، وكذلك التوافق على بناء دولة المؤسسات العادلة التي تساوي بين المواطنين، بحيث يرى كل مواطن نفسه فيها.
فكفى احترابًا وخلافًا وصراعًا، فالسودان دولة غنية بالموارد، والموارد الموجودة والمساحة تكفيان الجميع وتفيضان. ويجب أن يكون "الرحمن في قلوبنا"، وأن نخرج من معادلة الجشع والطمع والتمكين، والسعي لفرض الأجندات بالقوة على حساب الآخر.

* قرار دخول الدولة في استيراد المشتقات البترولية... برأيك هل يساعد في استقرار سعر الصرف؟
الاستقرار له مطلوبات عديدة، واستقرار سعر الصرف يعتمد على عدة عوامل. وفي حال تحصّنت عمليات الاستيراد من فساد الدولة نفسها وفساد مؤسساتها، فإن هذه الإجراءات يمكن أن تساعد في تحسين الوضع.
* الاتفاقيات وبروتوكولات التعاون مع الدول الكبرى، خاصة الصين في ما يتعلق بالنفط... برأيك هل تؤتي أكلها ولو بعد حين؟
أولاً، على السودان تبني خطة واضحة للتعاون الدولي، والعمل على إدماج السودان في الإقليم والمجتمع الدولي، وفتح خيارات للتعاون والتنافس بين الشركاء الدوليين للحصول على أفضل صيغة ممكنة.
فالعزلة تخلق صعوبة في الخيارات، وتفرض القبول بالمتاح. وحتى مع الصين، فإن غياب التنافس وفتح الخيارات لن يحقق أفضل صيغة لمصلحة السودان. لذلك، فإن توسيع دائرة الشراكات يتيح الوصول إلى أفضل معادلة للتعاون الدولي في مجال النفط وغيره.
* تهريب الذهب وعدم الاستفادة من عائدات الصادر... برأيك ما السياسات الاقتصادية الرادعة للتهريب والمحفزة لحصائل الصادر؟
بالنسبة للسياسات الاقتصادية الرادعة للتهريب، يجب أولاً تبني سياسات مدروسة لمرحلتي إنتاج الذهب وتصديره، تقوم على تحرير المنتج مع حق حماية الدولة في الموارد.
أيضًا من الإجراءات المطلوبة في هذا الجانب، إنشاء بورصة للذهب، وقفل منافذ التهريب، وفرض رقابة صارمة. ومن المهم كذلك خروج النافذين من تجارة وتصدير الذهب.
كما ينبغي أن تكون عملية التصدير للضرورة القصوى وفي حالات الاحتياج الملح فقط، مع التوجه نحو بناء احتياطي من الذهب يُحفظ في بنك السودان، ويمكن استخدامه في التمويل أو حتى في الاستيراد وتوفير المدخلات، حتى لا نفقد مورد الذهب، كما حدث مع البترول الذي تم نهبه ولم تستفد منه البلاد ولم يُحفظ للأجيال القادمة.
لذلك يجب التخطيط بصورة محكمة لقطاع الذهب، إنتاجًا وتصديرًا، مع مراعاة كل ما يتعلق بصحة المواطنين وسلامتهم، والالتزام بالضوابط الصحية في عمليات الإنتاج والتنقيب عن الذهب.
* وزارة المالية وجهت بضبط المعابر الحدودية وتهيئتها وفق المعايير العالمية... برأيك ماذا تحتاج هذه التوجيهات لحماية الاقتصاد؟
الضبط في حدِّ ذاته توجه جيد، لكنه يجب أن يكون ضبطًا فعالًا ويتم في إطار إصلاحي شامل. فمن غير المنطقي أن تكون الأوضاع مختلة، ثم يتم التركيز على ضبط المعابر فقط.
لا بدَّ من الالتزام بالضوابط بشكل عام، بما في ذلك وزارة المالية نفسها، التي تحتاج إلى ضبط داخلي، إذ أن فيها مظاهر واسعة من الفساد.
لذلك، لا بدَّ من معالجة الفساد في وزارة المالية وفي كلِّ أجهزة ومؤسسات الدولة، والانطلاق بخطة واضحة لإعادة البناء المؤسسي، بما يضمن الفاعلية، ويغلق منافذ إهدار المال العام.
* قرار دخول الدولة في استيراد المشتقات البترولية... هل يساعد في استقرار سعر الصرف؟
الاستقرار له مطلوبات عديدة، واستقرار سعر الصرف يعتمد على عدة عوامل. وفي حال تحصّنت عمليات الاستيراد من فساد الدولة نفسها وفساد مؤسساتها، فإن هذه الإجراءات يمكن أن تساعد في تحسين الوضع.



التعليقات (0)
جاري التحميل...