الخرطوم:- سارة عطية

في حي (الطريف) العريق بمدينة مروي شمالي السودان، يجلس العم محمد عبد الرحيم كل مساء أمام منزله مترقباً عودة الكهرباء، ليس من أجل مشاهدة التلفاز، بل لأن زوجته المريضة بالربو قد تفقد قدرتها على التنفس إذا طال انقطاع التيار.

ومنذ نزوحه من الخرطوم بسبب الحرب، تحولت حياة الرجل الستيني إلى مراقبة مستمرة لساعات البرمجة والقطوعات، بينما أصبحت الكهرباء بالنسبة له مسألة حياة أو موت. ويستعيد بصوت مثقل ليلة انقطع فيها التيار وسط حرارة خانقة، فتوقفت أجهزة التبريد.

ويروي عبد الرحيم لـ(صوت الأمة) تفاصيل تلك الليلة قائلاً: "بدأت زوجتي تعاني من ضيق حاد في التنفس، بينما كنت أحاول التخفيف عنها بقطعة كرتون صغيرة في ظلام دامس، قبل أن يضطر أبنائي لنقلها إلى المستشفى في حالة حرجة".

وتنعكس أزمة الكهرباء بصورة مباشرة على حياة المواطنين والخدمات الأساسية، إذ أصبحت القطوعات الطويلة جزءاً من الحياة اليومية في معظم ولايات السودان، وسط تفاوت كبير في ساعات الإمداد من منطقة إلى أخرى.

ويؤكد مواطنون أن بعض الولايات لا تنعم بالكهرباء سوى لساعات محدودة، مقابل انقطاعات تمتد لأكثر من 12 ساعة يومياً، بينما تتراوح ساعات الترشيد في ولايات أخرى بين ست وثماني ساعات يومياً، في وقت لم تسلم فيه حتى العاصمة الإدارية بورتسودان من الأزمة، حيث تتبدل ساعات القطوعات بين الفترات الصباحية والمسائية بصورة متواصلة، الأمر الذي أربك حياة السكان وأثر على الخدمات والأنشطة الاقتصادية.

ومأساة العم عبد الرحيم ليست سوى صورة صغيرة من واقع يعيشه ملايين السودانيين منذ اندلاع الحرب، حيث يواجه قطاع الكهرباء في السودان واحدة من أسوأ الأزمات في تاريخه، في ظل الحرب المستمرة والانهيار المتسارع للبنية التحتية، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على حياة المواطنين والخدمات الحيوية، وتحولت معه الكهرباء من خدمة أساسية إلى أزمة يومية تطارد الناس في المستشفيات والأسواق والمنازل وحتى داخل غرف العمليات.

حين أُضيئت غرفة العمليات بالهواتف

في مدينة كسلا شرقي السودان، لم تنجُ أسماء علي العوض من هذا الواقع القاسي، فقد توفيت داخل غرفة العمليات بمستشفى الشرطة بينما كانت تخضع لجراحة، في وقت كانت الولاية تعيش إظلاماً كاملاً.

 

ويكشف نجلها مأمون إسماعيل محمد نور الدين، في بيان صدر عن الأسرة، أن الفريق الطبي اضطر لمواصلة العملية تحت إضاءة الهواتف المحمولة بعد تعطل المولد الاحتياطي أكثر من مرة أثناء الجراحة، في مشهد وصفه بأنه صادم ومؤلم، قبل أن تقرر الأسرة فتح إجراءات قانونية ضد إدارة المستشفى والطبيب المعالج.

ولا تتوقف آثار الأزمة عند المستشفيات، بل تمتد إلى الأسواق والمنازل ومصادر كسب العيش.

أطفال يذاكرون على ضوء الهاتف

في أم درمان، يوضح علاء الدين الأمين، صاحب محل تجاري بسوق الشهداء، لـ(صوت الأمة)، أن الثلاجات المتوقفة بسبب القطوعات المستمرة أتلفت العصائر والمواد الغذائية، بينما أصبح العمل ليلاً شبه مستحيل في ظل الحر وانعدام الكهرباء.

أما داخل المنازل، فتعيش الأسر معاناة يومية لا تقل قسوة. وتوضح تودد عبد الله، وهي أم لثلاثة أطفال، لـ(صوت الأمة)، أن أطفالها باتوا عاجزين عن النوم بسبب الحرارة المرتفعة، بينما يذاكر ابنها دروسه على ضوء هاتف أو مصباح شمسي ضعيف.

وتضيف أن الكهرباء لم تعد رفاهية، بل أصبحت مرتبطة بالصحة والتعليم والكرامة الإنسانية.

أمبدة.. صفوف الماء والظلام

في أحياء أمبدة غربي الخرطوم، تتضاعف المعاناة مع تزامن انقطاع الكهرباء والمياه لساعات وأيام طويلة. ويصف المواطن الهميم عبد الرازق، في منشور على صفحته بـ"فيسبوك"، المشهد بأنه “ضغط وإرهاق لا يوصف”، مشيراً إلى أن النساء والأطفال يصطفون في انتظار المياه بينما تغرق الأحياء في الظلام.

ويضيف أن المواطنين لم يعودوا يحتملون مزيداً من الأعباء في ظل غياب أبسط الخدمات الأساسية، مطالباً بحلول عاجلة تنهي معاناة السكان الذين يواجهون صيفاً قاسياً وأوضاعاً معيشية متدهورة.

استهداف البنية التحتية

ويرى مختصون أن ما يحدث ليس مجرد خلل عابر، بل نتيجة مباشرة للأضرار الواسعة التي لحقت بقطاع الكهرباء خلال الحرب.

ويشير المهندس السابق بشركة الكهرباء، أحمد الطيب، في إفادته لـ(صوت الأمة)، إلى أن محطات التوليد والتحويل تعرضت لاستهداف واسع في عدة ولايات، شمل محطات المرخيات والكلية الحربية بأم درمان، ومحطة المقرن في عطبرة، إضافة إلى محطات الأبيض وأم دباكر والشوك وسد مروي، الذي تسبب خروجه عن الخدمة في إظلام استمر لأسابيع في معظم الولايات.

ويؤكد أن حجم الأضرار في بعض المحطات تجاوز 50 بالمئة، ما انعكس بصورة مباشرة على حياة المواطنين والخدمات الصحية والإنتاجية.

من جانبه، يعتبر الخبير الاقتصادي ياسر علي، في حديثه لـ(صوت الأمة)، أن أزمة الكهرباء أصبحت عائقاً أساسياً أمام أي محاولة لإعادة الإعمار أو استعادة النشاط الاقتصادي، موضحاً أن تضرر شبكات النقل والتوزيع تسبب في شلل القطاعات الصناعية والزراعية، ودفع المصانع والمزارعين للاعتماد على الوقود والمولدات الخاصة ذات التكلفة المرتفعة، ما أدى إلى زيادة أسعار السلع والخدمات وتفاقم أعباء المعيشة على المواطنين.

الشمس كبديل أخير

ومع انهيار الإمداد الكهربائي، بدأ السودانيون في البحث عن بدائل بأي وسيلة ممكنة، لتتحول الطاقة الشمسية إلى طوق نجاة للكثير من الأسر، بينما امتلأت صفحات "فيسبوك" بإعلانات الشركات والمهندسين الذين يروجون لمنظومات الطاقة الشمسية باعتبارها “الحل الأمثل” للهروب من العتمة.

وتعرض هذه الإعلانات ألواحاً وبطاريات ومحولات بأسعار مرتفعة مقارنة بقدرات غالبية المواطنين. فبحسب إعلانات متداولة اطلعت عليها (صوت الأمة)، يبدأ سعر اللوح الشمسي سعة 100 واط من نحو 60 ألف جنيه سوداني، بينما يصل سعر لوح 550 واط إلى نحو 350 ألف جنيه، في حين تتجاوز تكلفة بعض المنظومات المنزلية المتكاملة ثلاثة ملايين جنيه سوداني، مع عروض للبيع بالتقسيط تمتد لأشهر طويلة.

لكن بالنسبة لكثير من الأسر التي أنهكتها الحرب والنزوح وفقدان مصادر الدخل، تبدو هذه البدائل بعيدة المنال. فالكهرباء التي كانت يوماً خدمة عامة متاحة نسبياً، أصبحت اليوم امتيازاً لا يستطيع تحمله الجميع.

ويلفت الخبير في قطاع الطاقة محمد الواثق عبد الوهاب، في حديثه لـ(صوت الأمة)، إلى أن السودان يمتلك فرصة كبيرة للاستفادة من الطاقة الشمسية بسبب وفرة أشعة الشمس.

ويرى الواثق أن كثيراً من دول العالم تجاوزت أزمات الكهرباء التقليدية عبر الاستثمار في الطاقة المتجددة، مشيراً إلى أن السودان لم يعد يملك رفاهية التعامل مع الطاقة الشمسية كحل مؤقت أو بديل ثانوي، بل كخيار استراتيجي لا بديل عنه، خاصة في ظل صعوبة إعادة تأهيل الشبكة الكهربائية التقليدية في ظل الحرب الحالية.

كما يوضح أن الدولة بدأت بالفعل في تشجيع استخدام الطاقة الشمسية عبر إعفاءات جمركية لمعداتها، لافتاً إلى أن هذا النوع من الطاقة يتميز بانخفاض تكلفته التشغيلية وإمكانية استخدامه في المناطق النائية والقطاعات الزراعية والخدمية، مقارنة بالاعتماد على الوقود التقليدي أو المولدات.

لكنه يقر، في الوقت نفسه، بأن الحرب جعلت إعادة القطاع إلى وضعه الطبيعي أمراً بالغ الصعوبة، الأمر الذي دفع المواطنين إلى البحث عن حلول فردية رغم تكلفتها العالية.

وفي وقت تتواصل فيه الهجمات على البنية التحتية وتتراجع قدرة الدولة على إعادة التأهيل والصيانة، يجد ملايين السودانيين أنفسهم أمام واقع جديد أصبحت فيه الكهرباء سلعة نادرة، فيما تتجه الأنظار إلى الطاقة الشمسية كأمل أخير في بلد بات سكانه يقيسون الاستقرار بعدد الساعات التي يعود فيها التيار الكهربائي.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...