غضب نقابي وتحذيرات من انهيار اجتماعي بعد اتجاه لتقليص العاملين بالدولة
مخاوف من عودة "الفصل للصالح العام" بعد اتجاه حكومي لتقليص الوظائف في السودان
صوت الأمة- ناهد محمد
أعاد الجدل حول مستقبل الوظيفة العامة إلى الواجهة مخاوف قديمة مرتبطة بسياسات الفصل والتشريد، بعدما نفى رئيس مجلس الوزراء كامل ادريس صحة ما تم تداوله بشأن اتجاه الحكومة إلى إعفاء العاملين بالدولة، في وقت تؤكد فيه قوى نقابية ومهنية أن قراراً رسمياً صدر بالفعل لتشكيل لجنة تتولى حصر العاملين ووضع تصور لتقليص أعدادهم.
وفيما قال مكتب رئيس الوزراء كامل إدريس إن ما أثير "غير صحيح"، موضحاً أن لجنة وزارية تعمل فقط على إعداد رؤية لإصلاح الخدمة المدنية، اعتبرت لجنة المعلمين السودانيين أن بيان النفي "لم يبدد المخاوف بل أكدها"، مشيرة إلى أن القرار الوزاري رقم (22) لسنة 2026 يتضمن بصورة صريحة مهام تتعلق بتخفيض العاملين بالحكومة الاتحادية.
ويفتح السجال الدائر بشأن القرار الباب أمام تساؤلات أوسع حول مستقبل الخدمة المدنية في السودان، وحدود الإصلاح الإداري الممكن في ظل الحرب والانقسام السياسي وغياب المؤسسات الديمقراطية، فضلاً عن المخاوف من تكرار تجارب سابقة ارتبطت بسياسات الفصل للصالح العام وإقصاء الكفاءات من مؤسسات الدولة.
وقالت لجنة المعلمين في بيان، الإثنين، إن القضية "ليست شائعة كما حاول البيان الرسمي تصويرها، وإنما قرار قائم بالفعل بمهام واختصاصات محددة لا تحتمل التأويل أو الإنكار"، معتبرة أن استخدام عبارات عامة مثل "إصلاح الخدمة المدنية" يمثل محاولة للالتفاف على حقيقة ما يجري، في وقت تكشف فيه مهام اللجنة عن توجه نحو تقليص الوظائف العامة وفتح الباب أمام موجة جديدة من التشريد الوظيفي، بحسب تعبيرها.
وأضاف البيان أن السودان "عانى بما فيه الكفاية من سياسات الفصل للصالح العام التي أضعفت الخدمة المدنية وأقصت آلاف الكفاءات"، مشدداً على أن أي حديث عن تقليص العاملين في الظروف الحالية لا يمكن فصله عن ذلك الإرث السياسي والإداري المعقد.
ورأت لجنة المعلمين أن أي إصلاح حقيقي للخدمة المدنية لا يمكن أن يتم عبر "لجان مغلقة وقرارات فوقية" تصدر في ظل الحرب والانقسام وغياب المؤسسات الشرعية، بل يتطلب بيئة سياسية مستقرة، ودولة مدنية قائمة على القانون، إلى جانب مشاركة النقابات والمهنيين وأصحاب المصلحة في أي عملية إصلاح شاملة.
وطالبت اللجنة رئاسة مجلس الوزراء بإلغاء القرار الوزاري رقم (22) لسنة 2026 وسحب اللجنة المشكلة بموجبه، معتبرة أن بيان النفي الرسمي جاء في إطار محاولة لاحتواء موجة الرفض الواسعة التي قوبل بها القرار، من دون التراجع عنه بصورة فعلية.
مصير مجهول :
وكان مجلس الوزراء وجه بتشكيل لجنة فنية لدراسة أوضاع وحصر العاملين بالحكومة الاتحادية، بناءً على توجيهات رئيس الوزراء في الجلسة رقم (4) بتاريخ 16 أبريل 2026م.
ووفقا لذلك أصدر وزير الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية، معتصم أحمد صالح، قراراً وزارياً بالرقم (22) في التاسع والعشرين من أبريل الماضي بتشكيل لجنة لحصر العاملين في الحكومة الاتحادية، برئاسة وزير الدولة بوزارة المالية، المستشار محمد نور الدائم.
وتشمل مهام اللجنة حصر العاملين بالحكومة الاتحادية، وحصر العاملين الذين لا تنطبق عليهم شروط المعاش المبكر، ووضع تصور لتقليص عدد العاملين، ورفع توصية بكيفية تخفيضهم. كما تشمل سلطات اللجنة الاطلاع على كافة المعلومات والبيانات، والاستعانة بمن تراه مناسباً.
وفجّرت الخطوة موجة واسعة من الرفض وسط النقابات المهنية والعاملين في القطاع الحكومي، الذين اعتبروا أن التوجه نحو تقليص الوظائف يعيد إنتاج سياسات التمكين التي انتهجتها حكومة الإنقاذ طوال ثلاثة عقود داخل الخدمة المدنية، وما ارتبط بها من إقصاء للكفاءات وإعادة تشكيل مؤسسات الدولة على أسس سياسية.
وانتقد خبير التمويل الأصغر نعمان يوسف توقيت الحديث عن تقليص ما يصل إلى 60 في المئة من القوة العاملة الحكومية، فضلا عن طريقة طرحه في ظل واقع سوداني بالغ الهشاشة بعد الحرب، محذراً من التداعيات الاقتصادية والاجتماعية لمثل هذه الخطوات.
وقال يوسف، في حديثه لـ(صوت الأمة)، إن القرار بحسب ما ورد بشأنه يستند إلى مبررات تتعلق بمعالجة الترهل الإداري، وتخفيف العبء على الموازنة العامة، ورفع كفاءة الأداء الحكومي، غير أن ردود الفعل الواسعة أظهرت أن قطاعات كبيرة تنظر إليه باعتباره أقرب إلى "تشريد جماعي" منه إلى مشروع إصلاح إداري متدرج ومدروس،خاصة في ظل الأوضاع الاقتصادية والمعيشية المعقدة التي تعيشها البلاد.
مخاوف من "تشريد جماعي" تحت غطاء الإصلاح الإداري:

وأشار نعمان يوسف إلى أن المخاوف المتصاعدة لا تنفصل عن واقع الحرب والنزوح وتعطل الرواتب وغياب البدائل الاقتصادية الحقيقية، معتبرا أن أي قرارات واسعة النطاق تتعلق بالوظائف الحكومية في هذا التوقيت ستنعكس بصورة مباشرة على الاستقرار الاجتماعي والمعيشي.
ومن الناحية المهنية، يرى يوسف أن فكرة إصلاح الخدمة المدنية في حد ذاتها ليست محل اعتراض، بل تمثل ضرورة ملحة بالنسبة إلى السودان الذي يحتاج إلى إعادة بناء جهاز الدولة على أسس الكفاءة والحوكمة والرقمنة، بجانب معالجة البطالة المقنعة والحد من الترهل الإداري الذي تعانيه مؤسسات حكومية عديدة، فضلا عن ضعف الإنتاجية وتداخل الاختصاصات.
لكنه أوضح أن الإشكال الحقيقي لا يتعلق بمبدأ الإصلاح نفسه، وإنما بطريقة تطبيقه وتوقيته، مشيرا إلى أن الإصلاح الإداري في الدول الخارجة من الحروب لا يقاس فقط بالحسابات المالية، بل يرتبط كذلك بمدى قدرته على الحفاظ على الاستقرارين الاجتماعي والسياسي.
وأضاف أن السودان ليس في ظرف طبيعي يسمح بقرارات صادمة بهذا الحجم، في ظل ما تواجهه البلاد من نزوح واسع، وانكماش اقتصادي، وارتفاع معدلات الفقر، وتراجع فرص العمل في القطاع الخاص، في وقت لا تزال فيه مؤسسات عديدة بحاجة إلى كوادر لإعادة الإعمار واستعادة الخدمات الأساسية.
وحذر يوسف من أن أي تقليص واسع وغير مدروس للعاملين قد يتحول من “معالجة مالية” إلى عامل إضافي لعدم الاستقرار الاجتماعي، لافتاً إلى أن المخاوف النقابية تبدو مفهومة في ظل الحديث عن سلطات واسعة للجنة الحصر والفرز، مع غياب الضمانات الواضحة المتعلقة بالعدالة والشفافية، وعدم إشراك النقابات بصورة فعلية في العملية.
وأشار إلى أن الذاكرة السودانية ما تزال تحتفظ بتجارب الفصل للصالح العام، الأمر الذي يجعل أي إجراءات مشابهة، حتى وإن حملت عناوين إدارية أو اقتصادية تثير بطبيعة الحال مخاوف من التسييس أو الانتقائية في التطبيق.
إعادة هيكلة أم تقليص للعمالة؟
يرى خبير التمويل الأصغر نعمان يوسف أن جوهر الأزمة لا يتعلق بفكرة الإصلاح الإداري بقدر ما يرتبط بطريقة تنفيذه وتوقيته، معتبراً أن الحكومة إذا كانت جادة بالفعل في إصلاح الخدمة المدنية، فإن المطلوب ليس “تقليص العاملين كهدف قائم بذاته، وإنما إعادة هيكلة مؤسسات الدولة بصورة شاملة ومتدرجة تستند إلى تقييم حقيقي لاحتياجات الوزارات والهيئات الحكومية.
وأوضح أن أي عملية إصلاح ينبغي أن تراعي خصوصية المرحلة التي يمر بها السودان، عبر استثناء القطاعات الحيوية المرتبطة بإعادة الإعمار والخدمات الأساسية، مثل الصحة والتعليم والبنية التحتية والنقل، إلى جانب اعتماد برامج للتقاعد الطوعي بدلاً من الفصل القسري، مع توفير تعويضات عادلة وبرامج انتقال اقتصادي للعاملين الذين قد يفقدون وظائفهم.
وأضاف أن الإصلاح الإداري لا يمكن أن يتم عبر "صدمة مفاجئة"، وإنما من خلال خطة تدريجية تمتد لسنوات، بمشاركة النقابات والخبراء المستقلين وأصحاب المصلحة، باعتبار أن الخدمة المدنية ليست ملفاً مالياً فحسب، بل قضية استقرار وطني.
كما دعا إلى ربط أي خفض للعمالة بخطط واضحة للأتمتة والتحول الرقمي وتحسين بيئة العمل، بحيث يكون الهدف رفع الكفاءة لا مجرد خفض الإنفاق الحكومي.
وحذر يوسف من أن فقدان الثقة بين الدولة والمواطن يجعل تمرير مثل هذه القرارات أكثر تعقيداً، لا سيما في ظل أوضاع معيشية قاسية فرضتها الحرب والنزوح وتعطل الرواتب، مضيفاً أن المواطن الذي فقد منزله أو مصدر دخله لن يتقبل بسهولة قرارات يشعر بأنها تهدد آخر مظاهر الأمان الاقتصادي لديه.
موازنة حرب وأزمة مركبة

من جانبه، اعتبر الخبير الاقتصادي وائل فهمي أن أي اتجاه نحو تقليص العاملين بالدولة في ظل اقتصاد الحرب وموازنة الطوارئ الحالية يمثل خطوة شديدة الحساسية اقتصادياً واجتماعياً، في وقت يمر فيه السودان بواحدة من أعقد أزماته نتيجة الحرب والانكماش الحاد في النشاط الاقتصادي.
وقال في حديثه لـ(صوت الأمة) : إن الحرب أدت إلى تدمير قطاعات واسعة من الاقتصاد السوداني، وفقدان ملايين المواطنين وظائفهم ومصادر دخلهم، إلى جانب هروب رؤوس الأموال وتراجع الإيرادات العامة بصورة غير مسبوقة، معتبراً أن إضافة عشرات الآلاف من العاملين إلى دائرة البطالة قد يفاقم من هشاشة الوضع الاجتماعي.
وأشار فهمي إلى أن مبررات الحكومة المتعلقة بمعالجة البطالة المقنعة والترهل الإداري ليست جديدة، إذ ظلت هذه الإشكالات ملازمة لاقتصادات دول العالم الثالث، لكنها بحسب رأيه، لا تعالج بقرارات واسعة ومفاجئة في ظروف استثنائية كالتي يعيشها السودان حالياً.
وأضاف أن القرار يأتي بعد زيادات في الأجور أقرت خلال سنوات الحرب، في وقت تعاني فيه الموازنة العامة عجزاً متفاقماً بسبب انهيار الإيرادات، ما يعكس محاولة للبحث عن حلول مالية سريعة لمعالجة الأزمة.
وربط فهمي بين الخطوة الحالية وتجارب سابقة شهدها السودان، سواء خلال فترة الفصل للصالح العام في عهد حكومة الإنقاذ أو خلال سياسات تقليص العمالة التي صاحبت برامج الإصلاح الاقتصادي بعد عام 2019، معتبراً أن هذه السياسات لم تنجح في تحقيق الاستقرار الاقتصادي أو الحد من الاختلالات الهيكلية.
وقال إن التجارب السابقة أظهرت أن تقليص الوظائف الحكومية، من دون إصلاح اقتصادي شامل وبيئة سياسية مستقرة، لا يؤدي بالضرورة إلى معالجة عجز الموازنة أو تحقيق التعافي الاقتصادي، بل قد يفضي إلى مزيد من الفقر والبطالة والهجرة.
انقسام حول القرار:
من جهته اعتبر الخبير الاقتصادي إبراهيم أونور أن الخطوة تمثلقراراً جريئاً في ظل ما وصفه بالتكدس الوظيفي داخل مؤسسات الدولة، مشيراً إلى أن استمرار الدولة في دفع رواتب أعداد كبيرة من العاملين يحد من قدرتها على استيعاب الخريجين الجدد وتوفير فرص عمل للأجيال الجديدة.

وأضاف لـ(صوت الأمة) أن عدداً من العاملين تجاوزوا فعلياً سنوات الخدمة القانونية، الأمر الذي يجعل إعادة هيكلة الجهاز الحكومي ضرورة لا يمكن تأجيلها.
لكن الموظفة بإحدى المؤسسات الحكومية نازك حسن رأت أن القرار جاء في توقيت قاس بالنسبة إلى آلاف الأسر التي تعاني أصلاً من تداعيات الحرب والأزمة الاقتصادية.
وقالت لـ(صوت الأمة) : إن المخاوف لا تتعلق فقط بفقدان الوظيفة، وإنما أيضا بغياب معايير واضحة للاختيار بين من سيبقى ومن سيغادر، وسط مخاوف من المحاباة والتدخلات السياسية والإدارية.

وأضافت أن كثيراً من الموظفين باتوا يتساءلون عن مصيرهم في حال فقدان وظائفهم، خصوصاً مع ضعف قيمة المعاشات وغياب البدائل الاقتصادية، معتبرة أن الوظيفة الحكومية لا تزال تمثل بالنسبة إلى كثير من السودانيين خط الأمان الأخير في ظل الظروف الراهنة.



التعليقات (0)
جاري التحميل...