خبراء يدعون إلى خطة علمية شاملة لإعادة تأهيل شبكة الري بالمشروع الأكبر في السودان
صوت الأمة- ناهد محمد
في كلِّ موسم زراعي تتجدَّد أزمة المياه في مشروع الجزيرة، لتعيد إلى الواجهة أسئلة قديمة حول مستقبل أكبر مشروع زراعي مروي في السودان، وقدرته على الاستمرار وسط تدهور البنية التحتية وتعقيدات الإدارة ونقص التمويل، وبينما تراهن السلطات على عمليات صيانة وتأهيل تقول إنها أعادت الحياة إلى أجزاء واسعة من المشروع، يرى مزارعون وخبراء أنَّ أزمة "العطش" تجاوزت كونها اختناقات موسمية، لتصبح تهديدًا مباشرًا للإنتاج الزراعي والأمن الغذائي ومعيشة ملايين السودانيين المرتبطين بالمشروع.
يقول مزارعون، إن الأزمة المتكرَّرة باتت تنذر بخسائر كبيرة، خصوصًا للمزارعين الممولين عبر البنوك، في ظلِّ مخاوف من العجز عن سداد المديونيات واحتمالات التعرُّض لإجراءات قانونية قد تصل إلى السجن بسبب تدني العائدات الزراعية.
ويرى وكيل وزارة الزراعة والغابات السابق، عبد الرحمن هتر، أن الحديث عن مشروع الجزيرة يعني الحديث عن حياة ملايين السودانيين، مشيرًا إلى أن المشروع ظلَّ يمثل العمود الفقري للإنتاج الزراعي في البلاد بالرغم من الأزمات المتلاحقة.
وأضاف أن الحديث عن مشروع الجزيرة "يعني الحديث عن حياة"، مستعيداً واقعة زيارة وفد من صندوق النقد الدولي لتقييم أولويات التمويل من المنحة المخصصة للسودان.
وأوضح هتر، في حديثه لـ"صوت الأمة"، أن رئيس البعثة تساءل حينها عن جدوى إعادة تأهيل مشروع الجزيرة بعد تعدد محاولات الإصلاح وما وصفه بـ"فشل المشروع"، إلا أنه رد بالقول: إن وصف المشروع بالفاشل "فرية كبرى"، مؤكداً أن العامل الأهم في استمراره ونجاحه هو المزارع السوداني الذي ظل متمسكًا بأرضه ورغبته في الإنتاج بالرغم من التحديات.
وأشار إلى أن المشروع كان ينتج نحو 80% من قمح السودان، و90% من الطماطم، و60% من البصل، إضافة إلى 80% من البامية، إلى جانب المحاصيل النقدية مثل القطن والعدسية وفول الصويا... وغيرها. وأضاف أن نحو خمسة ملايين شخص يعتمدون بصورة مباشرة أو غير مباشرة على عائدات المشروع.
مشاكل ووعود:
واعتبر عبد الرحمن هتر، أن أزمة الري تمثل "أم المشكلات" في مشروع الجزيرة، مشيرًا إلى أن بداية كل عروة أو موسم زراعي تقترن بتصاعد شكاوى المزارعين وضجيج منصات التواصل بشأن اختناقات الري.
وأضاف أن إدارة المشروع تعلن في كلِّ مرة عن خطط زراعية جديدة وتعهدات باتخاذ التحوطات اللازمة لضمان انسياب المياه إلى الحقول بسهولة، بينما يؤكد مسؤولو الري جاهزيتهم الكاملة، غير أن الموسم ينتهي بـ"نصب صيوان عزاء للمزروعات التي ماتت عطشاً".
وأضاف قائلًا، لا يخفى على صاحب أي بصر وبصيرة التدهور الذي حاق بالمشروع نتيجة للتخبطات الإدارية والفنية والتشريعية، وكأنها مقصودة، وأجزم لو كانت مقصودة لما تمت بمثل هذه المهارة في التدمير، ثم جاءت الحرب لتكمل الانهيار.
عصب الزراعة:
واعتبر الوكيل السابق، أن الماء عصب الزراعة، والهم الأول (المفترض) أن تقوم به الإدارة هو كيفية إيصال مياه الري إلى الوحدة الإنتاجية (الحواشة)، ولكن الإدارة عندنا معكوسة لأنها تكرار لأرقام وضعت من داخل المكاتب يخرجونها من الأدراج وتعدَّل حسب التضُّخم بغرض تعظيم الميزانية والتي سوف تقوم وزارة المالية بشطرها النصف في أحسن الأحوال والربع في الغالب.
وأشار إلى أن المشكلة معلومة، وتكمن في تدهور البنية التحتية لنظام الري. وتساءل عن جدوى الدخول في مغامرة معروفة النتائج (تحفيز المزارعين على الزراعة في ظلِّ عدم القدرة على توفير المياه بالقدر الكافي؟).
وقال وكيل الزراعة السابق، إن أغلب الدراسات تركّز على إصلاح منظومة الري، بيد أنه تساءل عن كيفية صيانة شبكة طولها (4800) كيلو متر.

خطة علمية:
ودعا الوكيل السابق، إلى وضع خطة علمية ممرحلة لإعادة تأهيل مشروع الجزيرة، تبدأ بإيقاف النشاط الزراعي داخل المشروع لفترة محددة تُخصص لأعمال الصيانة والتأهيل، مقابل تركيز الزراعة في امتداد المناقل خلال تلك المرحلة.
وأوضح أن أعمال الصيانة ينبغي أن تشمل تنظيف وترميم الترعة الرئيسية، وصيانة المواجر والترع الفرعية عبر عمليات التبطين، إلى جانب إنشاء بوابات حديثة، واستبدال المساقي الداخلية المعروفة بـ"أبو عشرينات" و"أبو ستات" بأنابيب بلاستيكية مزودة بمحابس.
وأشار هتر إلى أهمية وضع تشريعات وقوانين رادعة لحماية البنية التحتية للمشروع، مؤكداً أن الخطوة تتطلب إصدار قانون جديد بمشاركة أصحاب المصلحة، وإنشاء روابط للمياه، وإعداد دراسة متخصصة بواسطة بيت خبرة، على ألا تتجاوز فترة التنفيذ عامين، مع الاستفادة من التجربة المصرية في تطوير نظم الري بالغمر.
تحديات الصيانة وتمويل الإنقاذ تتصدر الأزمة:
من جهته، يقول الخبير الزراعي عبد الله محمد عثمان: إن الطول الكلي لشبكة الري في مشروع الجزيرة يتجاوز 36 ألف كيلو متر طولي، وهو ما يزيد قليلًا على طول خط الاستواء حول الكرة الأرضية، مشيراً إلى أن هذه الشبكة العملاقة تستهلك نحو ثلث حصة السودان من مياه النيل، بما يعادل سبعة مليارات متر مكعب سنوياً.
وأضاف في حديثه لـ"صوت الأمة"، أن هذه المعطيات تجعل من الطبيعي ظهور بعض المشكلات والاختناقات من موسم إلى آخر، لا سيما بعد تحول الدورة الزراعية بالمشروع من ثلاثية إلى رباعية ثم خماسية، الأمر الذي أدى إلى دخول محاصيل إضافية وزيادة المساحات المزروعة، وبالتالي ارتفاع الضغط على قنوات الري، وما يستتبعه ذلك من حاجة متزايدة إلى أعمال الصيانة الموسمية والدورية.
وأكد أن ظهور حالات عطش في أجزاء متفرقة من المشروع ليس أمرًا مستبعدًا، موضحًا أن الأسباب الرئيسة والدائمة لهذه الأزمة تتمثل في عدم تنفيذ أعمال الصيانة الصيفية الضرورية، إلى جانب تجاوز بعض المزارعين للمساحات المحددة للزراعة، فضلاً عن ضعف كفاءة إدارة المياه المتاحة في بعض الأحيان.
وأوضح أن غياب الصيانة الصيفية، يعدُّ من أكثر العوامل تأثيرًا في ظهور جيوب للعطش، وأحيانًا حالات غرق، باعتبار أن تلك الصيانة تشمل إزالة الحشائش والإطماء، وصيانة الجسور ومنظمات الري وأبوابه، إضافة إلى استبدال المواسير الخرسانية وغيرها من الأعمال الفنية.
وقال عثمان لـ"صوت الأمة"، إن مسألة تبعية إدارة الري للمشروع أو لوزارة الري لن يكون لها تأثير جوهري على الأزمة في الوقت الراهن، لافتاً إلى أن المشكلة ظهرت في الحالتين عبر تاريخ المشروع.
وأضاف أن الحل يكمن في قدرة إدارة المشروع على توفير التمويل المطلوب مبكرًا، كما يحدث مع بقية المدخلات الزراعية، مع العمل على رفع معدلات التحصيل ضمن كُلفة الإنتاج، إلى جانب تعميم وتنظيم التأمين الزراعي وإلزاميته، بما يتيح لشركات التأمين المساهمة في تغطية جزء من التمويل المطلوب والتحوط لمثل هذه الأزمات.



التعليقات (0)
جاري التحميل...