((وداعا صديقي العزيز))
قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ لاَ يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ المَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ). صدق الله العظيم
في مساء السبت: الخامس من محرم 1448هـ الموافق 20 يونيو2026م غادر الفانية البروفيسور عزالدين عمر موسى، فاضت روحه بعيدا عن وطنه في أنديانا بالولايات المتحدة الأمريكية وسيوارى جسده ثراها بعيدا عن جزيرة توتي التي ولد فيها في العام 1936م تسعون عاما وروحه الوثابة تدفعه كادحا باحثا مدققا، ومؤرخا منقبا في الكتب والمخطوطات، ومعلما في مدارس السودان، وأستاذا في جامعات بيروت ونيجيريا والجزائر والمملكة العربية السعودية، ومحاضرا في حسينيات ملك المغرب، وديوانيات شيوخ المملكة العربية السعودية وسياسيا متنقلا بين مواعين السياسة لا يعرف الجمود ولا الراحة، إنني أودع صديقي أبو الوليد بهذه الكلمات:
أولا: تعرفت عليه أول مرة في تسعينيات القرن الماضي في معسكر الحجاج الأنصار في مشعر منى ومن وقتها نمت علاقتي به حتى صرنا أصدقاء وهيأ لي فرصة تقديم محاضرات في كل من ديوانية صديقه الشيخ راشد المبارك ومستشفى الملك فيصل ومركز الدعوة في الدرعية وللأساتذة السودانيين المهاجرين في إحدى قاعات فندق قصر المؤتمرات وغيرها.
ثانيا: عمل بالتدريس في عدد من الجامعات ولكن أغلب وقته عمل في جامعة الملك سعود بالرياض بالمملكة العربية السعودية لمدة ربع قرن من الزمان، ثم ختم مسيرته الأكاديمية بتقلده منصب عميد كلية الدراسات الاستراتيجية بجامعة الأمير نايف بن عبد العزيز، لقد تخرج على يديه آلاف الدارسين للتاريخ الإسلامي وأشرف على عدد كبير من البحوث في الماجستير والدکتوراة ومن ضمن طلابه عدد من الأمراء السعوديين الذين يكنون له كل احترام وتقدير.
ثالثا: شكل حضورا متميزا في عديد من المؤتمرات والمنتديات العالمية أشهرها منبر الدروس الحسنية التي ينظمها ملك المغرب في شهر رمضان ومؤسسة آل البيت في الأردن وإثنينية الشيخ حمد الجاسر ومؤتمرات في نيجيريا والجزائر وبيروت وأمريكا وغيرها، وكان نجما ساطعا في تلك المحافل.
رابعا: كان سياسيا قلقا لا يعرف الجمود وشعلة متقدة من النشاط وقام بدور كبير في خدمة السودانيين أثناء حرب الخليج بعد اجتياح العراق لدولة الكويت وكان موقف حكومة الإنقاذ منحازا للعراق مما عرض السودانيين لمضايقات في الخليج، ولكن حكمة قيادة المملكة العربية السعودية وجهود العلماء والمفكرين والقادة السياسيين السودانيين وعلى رأسهم بروف عزالدين أكدت أن موقف الشعب السوداني الغالب هو ضد العدوان على الكويت مما أدى إلى استثناء السودانيين من الإبعاد من المملكة العربية السعودية، وقد وظف البروف عزالدين علاقاته لتذليل العقبات وتسهيل تجديد الاقامات وإعانة المحتاجين.
خامسا: البروف عزالدين رجل ذو علاقات واسعة جمع بين الإنتاج الغزير في البحوث والكتب والعلاقات الواسعة مع الرموز السياسية والثقافية والفكرية والرياضية والأدبية وكان عضوا نشطا في الروابط المختلفة ورئيسا لبعضها وعلاقته مع المفكرين والعلماء في المملكة العربية السعودية بارزة وشاهدتهم يحتفون به ويقدرونه ويحترمونه غاية الاحترام فهو رجل كالغيث حيثما حل نفع، وبصماته واضحة في كل المواقع التي ارتادها.
سادسا: وجه لي الدعوة مع آخرين من أهله وأصدقائه لمشاركته تسلم جائزة الملك فيصل التي استحقها بجدارة وقد وظفها لخدمة الفكر والثقافة وتكريم رموز المجتمع بإنشائه مركز العز بن عبدالسلام، لقد كان ذو همة عالية وظفها لخدمة المجتمع فكرا وثقافة وعطاءً ، وكان سخيا كريما ووفيا واصلا لأرحامه وأصدقائه وترك آثارا طيبة ستخلد ذكره إن شاء الله.
سابعا: أما انتماؤه الأنصاري فقد ظل يفتخر به ويعلنه ويدافع عنه بوعي حتى آخر لحظة من حياته؛ وكان مساعد الإمام الصادق المهدي لشؤون الفكر والمنظمات، وساهم مساهمة كبيرة بتوظيف علاقاته مع قادة المملكة العربية السعودية لترتيب حج الإمام الصادق المهدي ووفده في موسم الحج عام 1423هـ وكان نشطا معنا في مجموعة تعليم وتزكية بمداخلات هادفة ومهمة ركزت على مفهوم الإحياء الذي قامت عليه المهدية.
برحيله فقد السودان علما من أعلامة وفقدت أمتنا رمزا من رموزها وفقد كياننا عالما من علمائه، لقد انطفأت شمعة بددت ظلمات الجهل وخمدت شعلة من النشاط لا تعرف الكلل ولا الملل؛ أعزي زوجته النخيل وأبناءه أيمن ووليد وحاتم ورندا وسوسن، وشقيقه اللواء طارق وجميع آل محمد إبراهيم النور، وآل النور الجريفاوي والأهل في توتي وشمبات وأم درمان وجميع أنحاء العالم.
اللهم أرحم عبدك عزالدين وأغفر ذنوبه وأكرم نزله واجعل الفردوس مقام بصحبة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.
قال تعالى: (وَسِيقَ الَذينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ وَقَالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ العَامِلِينَ).
إنا لله وإنا إليه راجعون



التعليقات (0)
جاري التحميل...