صوت الأمة- عبد الله حسن
أشعلت مشاركة عدد من الفنانين السودانيين في حفل جماهيري بدولة الإمارات موجة واسعة من الجدل والانقسام على منصات التواصل الاجتماعي، بين مَنْ رأى في الخطوة نشاطًا فنيًا عاديًا موجَّهًا للجالية السودانية بالخارج، وبين من اعتبرها موقفًا سياسيًا يحمل دلالات تتجاوز الغناء والطرب، في ظلِّ الحرب الدائرة وتعقيدات العلاقات الإقليمية المرتبطة بالأزمة السودانية.
وشارك في الحفل كلٌّ من الفنان محمد بشير الدولي، وإنصاف مدني، ويوسف البربري، وطه سليمان، وسط حضور جماهيري كبير من السودانيين المقيمين بالإمارات. وتداول ناشطون مقاطع مصوَّرة من الأمسية التي شهدت تقديم فقرات غنائية وتراثية، وتفاعلًا واسعًا من الجمهور مع الأغاني الوطنية والشعبية المعروفة.
المشاركة نفسها قوبلت بردود فعل متباينة؛ إذ رأى مؤيدو الحفل أن الفنانين يؤدون دورهم الطبيعي في الترفيه عن الجاليات السودانية التي تعيش أوضاعًا نفسية وإنسانية صعبة بسبب الحرب، مؤكدين أنَّ الفن يجب ألا يتحوّل إلى ساحة لتصفية حسابات سياسية.
في المقابل، اعتبر معارضون أن إقامة حفلات فنية في الإمارات خلال هذه المرحلة الحساسة، يمثل استفزازًا لمشاعر قطاعات من السودانيين الذين يتَّهمون أبوظبي بدعم أطراف في النزاع السوداني، ولذلك رأوا أن المشاركة لا يمكن فصلها عن السياق السياسي القائم.
وتصاعد الجدل أكثر بعد تصريحات الإعلامي الرشيد بدوي عبيد، الذي هاجم الفنانين المشاركين بعنف، وطالب رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش عبد الفتاح البرهان بمعاقبتهم، مستخدمًا تعبير "to crucify" في وصف ما يجب أن يحدث لهم، معتبرًا أن جريمتهم تتمثل في "التعامل مع العدو الذي يستهدف وحدة التراب السوداني"، -بحسب تعبيره-.
غير أن تصريحات الرشيد بدوي فجّرت بدورها موجة انتقادات مضادة، حيث رأى كثيرون أن لغة التحريض والتخوين ضد الفنانين تجاوزت حدود الاختلاف السياسي، خاصة وأن الفنانين -بحسب المدافعين عنهم- لم يحملوا السلاح ولم يشاركوا في أي نشاط عسكري أو سياسي مباشر، وإنما شاركوا في حفل جماهيري فني.
كما استحضر متابعون ما وصفوه بازدواجية المعايير في التعامل مع بعض الشخصيات المرتبطة بالحرب، مشيرين إلى أن قائد الجيش عبد الفتاح البرهان استقبل في فترات سابقة شخصيات كانت محسوبة على التمرد أو متهمة بالانخراط فيه، مثل النور القبة والسافنا وكيكل، دون أن يواجه ذلك المستوى نفسه من الهجوم من قبل بعض الأصوات التي تهاجم الفنانين اليوم.
وقال منتقدون إن "الشطارة ظهرت فقط على الفنانين المساكين"، بينما تم التغاضي عن ملفات أكثر تعقيدًا وخطورة تتعلَّق بقيادات ومجموعات مسلحة وتحالفات الحرب نفسها، معتبرين أن تحميل الفنانين وحدهم مسؤولية المواقف السياسية يعكس حالة الاستقطاب والانفعال التي فرضتها الحرب على المجتمع السوداني.
وبين مؤيد ومعارض، أعادت القضية إلى الواجهة سؤالًا ظلَّ مطروحًا منذ اندلاع الحرب: هل يمكن فصل الفنِّ عن السياسة في زمن الصراعات، أم أن كلَّ ظهور أو موقف عام أصبح يُقرأ بالضرورة باعتباره اصطفافًا سياسيًا؟



التعليقات (0)
جاري التحميل...