خسائر الحرب بلغت 50 مليار دولار، والسودان يحتاج إلى 7 سنوات للعودة لمؤشرات ما قبل الصراع

 

الحرب في السودان "استثنائية" لأنها اندلعت في مركز القرار الاقتصادي والسياسي ودمرت سلاسل الإمداد

 

فقدان 5 ملايين وظيفة وارتفاع معدلات الفقر إلى 68% يدفعان الملايين نحو دائرة العوز

 

نحذِّر من "المجاعة الصامتة" وتأثيراتها البيولوجية على عقول الأطفال، فهي أخطر من دمار البنية التحتية

 

اقتصاد الحرب حوَّل الذهب إلى "صفقة مليشياوية"؛ 55 طناً مفقودة من السجلات الرسمية بقيمة 6 مليارات دولار

 

في وقتٍ تنهش فيه الحرب جسد الدولة السودانية، مهدِّدةً بتفتيت ما تبقى من نسيجها الاقتصادي والاجتماعي، يبرز صوت الخبير

خسائر الحرب خلال السنوات الثلاث بلغت نحو 40 مليار دولار

 

السودان يحتاج إلى سبع سنوات حتى يعود لتحقيق معدلات النمو التي كانت سائدة قبل الحرب

الصادرات أصبحت خارج نطاق السيطرة السودانية

 

الإنسان السوداني والوطن من أكبر ضحايا الحرب،

 

الاقتصادي ووزير المالية السابق، الدكتور إبراهيم البدوي، كقراءة رصينة تحذِّر من مآلات الصراع الذي انتقل من الأطراف إلى "قلب الماكينة" الاقتصادية في الخرطوم والمدن الكبرى. في هذا الحوار الشامل، يفتح البدوي ملفات شائكة، بدءاً من "فاتورة الدمار" التي تجاوزت الخمسين مليار دولار، مرورًا بنشوء "اقتصاد الحرب" القائم على تهريب الذهب وتغذية آلة القتال، وصولًا إلى التحذير الصادم من "المجاعة الصامتة" التي لا تقتل الأجساد فحسب، بل تغتال مستقبل الأجيال بفقر عابر للزمان وتدمير لرأس المال البشري.

حوار- رئيس التحرير

·      في البدء، السؤال الذي يدور في خلد الكثيرين: أين الدكتور إبراهيم البدوي وماذا يفعل؟

أنا موجود وأمارس عملي الاقتصادي، وأشارك في المؤتمرات والاجتماعات ذات الشأن الاقتصادي، ومؤخرًا شاركت عبر تقنية "الزووم"، في مؤتمر أديس أبابا حول أزمة الديون وتقلباتها وتأثيراتها على اقتصادات الدول النامية، خاصة في أفريقيا، باعتباري عضوًا في مجموعة من الاقتصاديين على مستوى العالم، يتم تعيينها بواسطة الأمين العام للأمم المتحدة منذ عام 2020م، فقد جاء هذا الاجتماع ضمن لقاءات المجموعة الاقتصادية وخبراء التنمية المستدامة في أفريقيا، حيث انعقد الاجتماع في أديس أبابا.

وناقش الاجتماع قضايا اقتصادية وتنموية مهمة، خاصة عقب تعقد الأوضاع بسبب الحرب الروسية- الأوكرانية، والتطورات الأخيرة المرتبطة بالحرب الإيرانية، وقد أصبح تمويل أهداف التنمية المستدامة بالغ الصعوبة في ظل بروز فجوة مالية ضخمة، خاصة وأن الأمم المتحدة لديها تقديرات محددة لحجم التمويل الذي تحتاجه الدول النامية لمعالجة أزمة الديون وتحقيق أهداف التنمية، لذلك نجد أن حجم العجز كبير جدًا، يتراوح بين 400 إلى 500 مليار دولار.

والآن تتَّجه الولايات المتحدة الأمريكية إلى مسار مختلف فيما يتعلَّق بالمعونات، حيث تمت تصفية المعونة الأمريكية، وأصبح الاعتماد بصورة أكبر على الاتحاد الأوروبي واليابان، أما الصين فلم تدخل هذا المجال بصورة واسعة حتى الآن، ولم تقدم دعمًا كبيرًا لهذه المشاريع، بالرغم من أن أحد نواب الأمين العام المسؤولين عن الجانب الاقتصادي ينتمي إلى الصين.

أما الدول الأفريقية -التي لا تواجه حروبًا-، فلديها مستقبل واعد، ويمكنها الاستفادة من الحاجة المتزايدة إلى الأمن الغذائي، حيث تمتلك الموارد المالية والطاقة والإمكانات الزراعية، ولذلك تستطيع الاستفادة من حاجة العالم إلى الغذاء، خاصة في ظلِّ تعرُّض شبكات الإمداد العالمية لأزمات متكررة، وأصبح هناك تركيز متزايد على الإنتاج الإقليمي، مثلًا: أصبحت الدول الخليجية تهتم بأفريقيا باعتبارها أقل تأثرًا بالاضطرابات.

فاتورة الدمار والواقع الاقتصادي:

·      ذكرتم في عام 2023م، أنَّ حجم الضرر في البنية التحتية لثلاث مناطق بلغ نحو 60 مليار دولار، والآن ونحن على أعتاب العام الرابع من الحرب، هل قفزت الكُلفة إلى مستويات عالية يصعب حصرها؟

ديناميكية تأثير الحروب على الاقتصادات تحسب كالآتي:

أولًا، على مستوى الاقتصاد الكلي، فإنَّ أكبر حجم للدمار يحدث في السنة الأولى وذلك بحسب التقديرات المتواترة، فقد أجريت دراسة على نموذج النمو طويل الأجل باستخدام الاقتصاد القياسي، مع تقديرات لروافع النمو وتأثرها سلبًا بالحرب، من خلال تدمير سلاسل الإمداد والبنية التحتية ورأس المال البشري، إلى جانب تدمير القطاعات الإنتاجية كالزراعة والصناعة.

وثانيًا، هناك وسائل أخرى لتحديد أثر الحرب، فقد أجرت مؤسسة "إيفبري" دراسة ركزت على الزراعة والصناعة تناولت تأثيرات الحرب، وتوصّلت إلى أن خسائر الحرب خلال السنوات الثلاث بلغت نحو 40 مليار دولار، بينما توصّلت تقديراتنا إلى أن الخسائر تصل إلى 50 مليار دولار، منها حوالى 25 مليار دولار تمثل ناتجًا محليًا مفقودًا.

وفي كل عام يحدث تدهور إضافي، لكنه يظل محدودًا نسبيًا، لأن الناتج المحلي تعرَّض منذ البداية لصدمة كبيرة، ومكمن الخطورة -الآن- يتمثّل في إعادة الناتج المحلي إلى مستويات ما قبل الحرب.

ووفقًا لقانون الـ70، فإن السودان يحتاج إلى سبع سنوات حتى يعود لتحقيق معدلات النمو التي كانت سائدة قبل الحرب، وإذا تحقق نمو استثنائي فقد نحتاج إلى أربع أو خمس سنوات للعودة إلى معدلات النمو المسجلة في عام 2022م، وهذا يوضِّح بصورة جلية فداحة هذه الحرب ومن تسبب فيها.

ويجب النظر إلى هذه الحرب باعتبارها حربًا استثنائية، فهي أشبه بحرب بين دولتين داخل حدود دولة واحدة، أي حرب بين جيشين يمتلكان تسليحًا غير مسبوق مقارنة بالحروب الأهلية السابقة، مثل حرب الجنوب ودارفور، فمستوى تسليح الحركات المسلحة، بالرغم من تأثيره على الاقتصاد، لم يكن بهذه الصورة، كما أن حربي الجنوب ودارفور كانتا تدوران –نسبيًا- في مناطق ليست ذات ثقل اقتصادي أو سكاني كبيرين.

أما هذه الحرب فقد اندلعت أولًا في مركز القرار الاقتصادي والسياسي للبلاد، ثم انتقلت إلى كبريات المدن، واستخدمت فيها أسلحة فتاكة وغير مسبوقة، ما أدى إلى دمار واسع، ظهر بوضوح في "شارع المطار ومصفاة الجيلي، والكباري، ومختلف المرافق"، إلى جانب تعطيل سلاسل الإمداد والصادرات.

·      ما انعكاس ذلك على مستوى معيشة المواطن وحياته اليومية؟

هناك تأثيرات واضحة على المستوى القطاعي أولًا، فإذا نظرنا إلى الجانب الصناعي، نجد أن نحو 900 منشأة قد تأثرت، كما يعد القطاعان الصناعي والزراعي أكثر القطاعات تضررًا، حيث بلغت نسبة الضرر في القطاع الصناعي نحو 40%، وفي القطاع الزراعي حوالى 35%، إلى جانب تأثر قطاع الخدمات اللوجستية وغيره من القطاعات المرتبطة بكثافة التبادل التجاري، مثل الخدمات المصرفية والنقل والتصدير، والصناعات التحويلية، والعمالة.

وتعتبر هذه القطاعات من أكثر القطاعات تأثرًا، حيث فقدت فيها أعداد كبيرة من الوظائف، وبحسب التقديرات، فقد تم فقدان حوالى 5 ملايين وظيفة نتيجة لانهيار الخدمات والأنشطة اللوجستية والوظائف المختلفة.

وأظهرت المسوحات انخفاض دخل الأسرة بنسبة 42%، إضافة إلى الارتفاع الكبير في معدّلات الفقر، التي ارتفعت من نحو 60% قبل الانقلاب ونشوب الحرب إلى 68%، أي بزيادة تقارب 8 ملايين شخص إضافي دخلوا دائرة الفقر.

كذلك أثرت مسألة الوصول إلى الأسواق بصورة مباشرة على معاش الناس، وأصبحت هناك صعوبة في الوصول إلى الأسواق وأثَّر الأمر على الزراعة، حيث لجأوا إلى اقتصاد معيشي، مما سبب آثارًا اجتماعية مثل التسرُّب المدرسي ومجاعة الأطفال وتأثيراتها على مستقبل الاقتصاد وهي من المسائل الكبيرة.

هناك تقارير إعلامية، رصدت عددًا من المستشفيات انتقلت إلى مدن أخرى وانتعشت ولايات أخرى، مقابل التدمير الذي لحق بالقطاع الصحي في الخرطوم. كما انتقلت بعض الأنشطة الصناعية إلى ولايات أخرى، مثل مصانع الحديد.

·      هل نحن أمام فرصة لإعادة توزيع التنمية الصناعية بشكل متوازن بين الولايات، أم أن حجم التدمير الذي حدث أشبه بالموت السريري؟

صحيح، هذه كلها تعتبر تبعات لفقدان الأمن في مناطق معينة تشهد نزاعات، ولكن -لسوء الحظ- فإن أكثر المناطق تهميشًا في السودان هي الآن الأكثر تأثرًا بالحرب سواءً في جنوب كردفان، أو أجزاءً من دارفور أو النيل الأزرق.

وتم تهميش مركز الثقل الصناعي في المنطقة الصناعية بحري، وهي من أكثر المناطق المعروفة بأنها الرافعة الأبرز للاقتصاد الصناعي والخدمي في السودان، لكنها انتقلت إلى مناطق كانت نسبيًا متخلّفة، ومعلوم أنّ كل السودان يعاني من التخلف والتهميش والفقر، والشاهد أن هذا الانتقال يبدو طبيعيًا، فمثلًا انتعشت ولاية القضارف بصورة أكبر لأن الصادرات أصبحت تتَّجه إلى إثيوبيا، وهو عامل إيجابي للولاية، لكنه على مستوى السودان يعد سلبيًا لأن الصادرات أصبحت خارج نطاق السيطرة السودانية.

ونشاط الذهب مثلًا في شمال السودان خلق هجرة كبيرة، وبالتالي زيادة الطلب على السلع والخدمات، وربما قد حدث انتعاش نسبيٌّ لكن هنالك آثارًا سلبية على البيئة، فالشاهد، أن هذا التحول الذي حدث على المستوى الجغرافي لا علاقة له على المدى البعيد بالتخطيط الاقتصادي وبأهداف التنمية المتوازنة، بل هو رد فعل واستجابة لحالة انعدام الأمن في مناطق معينة، مما أدى إلى إعادة التموضع.

وهو ليس توزيعاً عادلاً أو مستداماً، خاصة وأن المقومات الأساسية لاستمرار عمليات التصنيع الشامل والزراعة المتطورة، تحتاج إلى تدخلات استراتيجية على مستوى الدولة، من أبحاث زراعية، وخدمات، وتمويل مصرفي، وهذه أصبحت شبه معطلة.

وبالتالي، فإن الخطوة هي مجرد إعادة تموضع للإنتاج الموجود، تنتقص من حجم الإنتاج نفسه، لأننا نحتاج إلى بنية تحتية جديدة وسلاسل إمداد جديدة، وهو ما يشكِّل خصمًا على البنية الإنتاجية الموجودة أساسًا، على سبيل المثال: إذا أردنا إعادة إنتاج بحري الصناعية في بورتسودان أو شندي، فإن ذلك سيكون على حساب الكُلفة الإجمالية لإعادة التموضع.

·      الجنيه السوداني وما يحدث له من انهيار، إلى جانب معضلة التضخم الجامح، وتعطُّل الميزان التجاري، وتوقف الصادرات... كيف يمكن تفسير حديث المسؤولين عن صمود الجنيه، بالرغم من أن المؤشرات الاقتصادية توضِّح استمرار تراجع قيمته بصورة متواصلة؟ برأيك، هل فقد بنك السودان المركزي السيطرة على الكتلة النقدية، الأمر الذي أدى إلى انفلات سوق العملات؟

الحقيقةً، أن الإنسان السوداني والوطن من أكبر ضحايا الحرب، وهناك تقارير عديدة توضّح وضع سعر الصرف في السودان، استنادًا إلى مسوحات التحويلات الخارجية أو عبر تطبيق "بنكك"، فقد بلغ سعر الصرف حين تم توحيده قبل الانقلاب حوالى 474 جنيهًا، وكان ذلك يمثل انجازًا استراتيجيًا مهمًا، إذ أصبح لسعر الصرف الرسمي قيمة حقيقية -لأول مرة- مع اختفاء سعر الصرف الموازي.

والاتجار بالنقد الأجنبي، والمضاربة، والاتجار بالسلع المدعومة عبر الحدود، خاصة المشتقات البترولية، تعتبر الأكبر بين الطفيلية الاقتصادية، والإنجاز الذي تحقق في عهد الحكومة الانتقالية لن يتم تحقيقه الآن، إلا بتوفير نقد أجنبي يستخدم في مكافحة المضاربة، وهذه المرحلة تحتاج على المدى القريب والمتوسط إلى غطاء من النقد الأجنبي.

أما على المدى البعيد، فعندما يتم توحيد سعر الصرف، سيزداد الإنتاج التصديري للقطاعات الإنتاجية، ومن ثم تتقلص الفجوة بين الصادرات والواردات، وربما في ظل وجود سياسة اقتصادية ناجحة، يمكن أن يتوفر فائض رأسمالي من النقد الأجنبي.

وفي ظل استمرار الحرب، لا يمكن أن يحدث أي نوع من الاستقرار النقدي، وادِّعاء المسؤولين بذلك هو ادّعاء غير صحيح، وهناك بيانات توضح ارتفاع قيمة العملات الأجنبية مقابل الجنيه إلى نحو 3500- 4000 جنيه.

أما فيما يتعلق بالتضخم، فإن الدولة تعمل "بتمويل العجز" باعتراف السلطات المالية نفسها، التي أقرت بأن التحصيل الضريبي انخفض بأكثر من 40%... وبالتالي، فإن كل مقومات تمويل الدولة، سواءً ما يتعلق بمرتبات الموظفين أو الخدمات، قد تدهورت بصورة كبيرة في ظل عدم وجود ملاءة مالية.

وأصبحت السياسة الاقتصادية مبنية على الحرب، بحيث باتت تعبئة الموارد تعتمد على التعدين، وهناك تقارير تشير إلى أن هذا القطاع أصبح أقرب إلى "صفقة مليشياوية" تدار بواسطة هذه المليشيات المختلفة، مع وجود تسرُّب كبير في الموارد -بحسب البيانات-.

إن إنتاج الذهب خلال عام 2025م تجاوز 70 طناً، بينما ورد في إحصاءات التجارة الخارجية نحو 15 طناً، أي أن هناك ما يقارب 55 طناً تقدَّر قيمتُها بنحو 6 مليارات دولار مفقودة من البيانات الرسمية.

وكذلك أصبحت هناك سلاسل لإدارة التهريب والإنتاج مرتبطة بالمجهود الحربي، سواءً لدى سلطة الأمر الواقع في بورتسودان أو السلطة الأخرى في نيالا، الأمر الذي جعل الاقتصاد اقتصاد حرب بامتياز.

أما محاولات الحكومة بحظر بعض الواردات أو تحديد سلع معينة، فهذه الخطوة ذرٌّ للرماد في العيون، لأن الظروف الموضوعية لا تسمح بأي نوع من الإجراءات التجميلية.

·       تعرضتَ في حديثك للأثر الاقتصادي الناتج عن لجوء طرفي الحرب إلى استخدام "اقتصاد الحرب" والاعتماد على الموارد الأولية، مثل الذهب، في تمويل العمليات العسكرية بدلًا من توجيهها للتنمية، كما أشرتَ إلى تقرير "جيت آند هاوس"... فما تفاصيل هذا التقرير؟

التقرير أسهم فيه الباحث السوداني دكتور سليمان بلدو، أحد الباحثين في "جيت آند هاوس"، وهو تقرير مهم يتناول شبكات تصدير الذهب، كما يفسِّر التفاوت الكبير بين أرقام الإنتاج التي لم تجد طريقها إلى الحسابات الرسمية، سواءً في حسابات الصادرات أو الموازنة العامة، وهذا الأمر ليس مصادفة، بل يتم بصورة مخطط لها لأنه يرتبط باقتصاد الحرب الذي يتولى تمويل الحرب، وهي صناعة تتطلب إنفاقًا كبيرًا على المعدات الحربية وأمراء الحرب.

وللأسف، تم توظيف بعض المواطنين ضمن آلة الحرب، وهي مسألة مقصودة حتى وإن تم الادِّعاء بغير ذلك، ويوضح التقرير وجود دول بعينها ولإخفاء أثر سلاسل الإمداد المرتبطة بالتهريب، يتم تسجيل منشأ صادرات الذهب باعتباره صادرًا من تلك الدول وليس من السودان.

أعتقد أن مؤتمر برلين مهم، إذ نتج عنه تطور في موقف الكتلة المدنية الديمقراطية، والتوصُّل إلى مشروع ميثاق وطني، فإنه يمكن أن يمارس ضغوطًا على الرباعية والخماسية، بحيث تطالب الدول الرباعية بأن يكون لها تأثير في تصفية اقتصاد الحرب، ذلك لأن المسألة أصبحت تمثل عائقًا أمام عملية إيقاف الحرب، في ظل توافر الموارد ووجود وسائل تسهّل تدفقها، مما يجعلها متاحة لطرفي الحرب، وهو يشكل حافزًا لاستمرارها والتمترس حول المواقف.

ومن هنا، فإن تصفية اقتصاد الحرب تُعدُّ واحدةً من وسائل تغيير الحوافز بالنسبة للطرفين.

·      حذرت سابقًا من أن استمرار الحرب سيدمر الدولة السودانية ككيان، فهل ما زالت هذه المخاوف قائمة بشأن تحوُّل السودان إلى دولة فاشلة اقتصاديًا، وتعتمد كليًا على الإغاثة الدولية لسنوات أو حتى لعقود قادمة؟ وهل لا تزال هذه الهواجس حاضرة لدى البروفيسور البدوي؟

دعني أولًا أستدعي بعض الأدبيات التي ظهرت بعد الحرب العالمية الثانية، وكيف استطاعت ألمانيا أن تنمو بصورة سريعة في سياق مشروع مارشال لإعادة إعمار أوروبا، فقد استطاعت خلال فترة وجيزة أن تنتعش بالرغم من أن الحرب كانت طاحنة وشهدت دمارًا كبيرًا، والسبب الرئيس لأنها لم تؤثر على القدرات البشرية الألمانية، وحتى حين سقطت النازية كان هناك قطاع واسع من القوى العاملة المدربة.

والشاهد، أن إعادة إعمار الطرق والبنية التحتية لا تستغرق فترات طويلة، لكن إعادة إنتاج الفاقد التربوي، واستعادة العمالة المهاجرة تمثل تحديًا كبيرًا، خاصة وأن هناك الآن هجرة إلى الدول الأفريقية، إضافة إلى الهجرة نحو الدول الأوروبية، لذلك، فإن خطورة الحرب الأهلية في السودان -وبهذه الصورة- تتمثل في استعادة رأس المال البشري والقوى المدربة التي ستحتاج إلى وقت طويل، وهو ما حدث -أيضًا- عقب الحرب السورية... وبالتالي، فإن الآثار الصحية، والتغذوية، والتسرُّب المدرسي، أخطر من الدمار الذي أصاب البنية التحتية، وستكون مصدر الإعاقة الرئيس لإعادة بناء الاقتصاد السوداني، بل وإعادة بناء السودان نفسه.

هناك ما يعرف بـ"المجاعة الصامتة"، بجانب التأثيرات البيولوجية، خاصة وأن مجاعة الأطفال دون سنِّ الخامسة تترك آثارًا خطيرة على تطور العقل للأطفال وهي تأخذ فترة للعلاج، وكذلك التكوين الجسدي للأطفال الذين يتعرَّضون لنقص الغذاء، وتدني التحصيل الدراسي، وهي عوامل تظهر في شكل قوة عمل أقل كفاءة، ونمو اقتصادي منخفض لسنوات طويلة.

أيضًا فقر عابر للأجيال، وعلى سبيل المثال، السودانيون الذين يمتلكون قدرة مالية عالية يرسلون أبناءهم للدراسة في الخارج، بينما غير القادرين ماديًا يصبح أبناؤهم ضمن جيل الفاقد التربوي وغير المؤهل، ما يؤدي إلى تكريس الفقر العابر للأجيال، وهذا بدوره يرسِّخ حالة من التفاوت الطبقي والتفاوت الجهوي والإثني، في وقت يشهد فيه الاقتصاد العالمي والإقليمي تطورًا متسارعًا، خاصة في الدول الأفريقية.

وهناك إحصاءات تشير إلى أهمية تأثير التدخلات المرتبطة بما بعد الحروب في المجال الصحي، خاصة في جانب التغذية خلال المرحلة الأولى من الحرب، حيث أسهمت برامج التغذية في منع أكثر من 6 ملايين حالة وفاة بين الأطفال دون الخامسة، كما حالت دون وقوع نحو 980 ألف حالة ولادة متعثرة، إضافة إلى ذلك، أسهمت برامج التغذية في الحدِّ من نحو 27 مليون حالة تقزُّم بين الأطفال، و144 مليون حالة فقر دم بين الأمهات. إذًا، توزيع التدخلات التغذوية والتركيز عليها يحقق فوائد اقتصادية كبيرة للدول الخارجة من الحروب الأهلية، تقدّر بنحو 3 تريليونات دولار، فالفكرة تقوم على ضرورة التركيز العاجل على الأطفال والأمهات، عبر توفير مكملات غذائية وعلاجية، إلى جانب استعادة التعليم ولو بصورة مؤقتة.

وفي ظل وجود سلطة أمر واقع في بورتسودان وأخرى في نيالا، فإن من الضروري عدم ترك مبلغ مليار وخمسمائة مليون دولار -الذي تم التبرُّع به من قِبل شركاء السودان في برلين-، تحت تصرف أيٍّ من سلطتي الأمر الواقع، ويجب أن يكون هذا التمويل تحت إشراف أممي، يتيح المجال أمام الشباب السوداني عبر لجان الطوارئ والتكايا وغيرها من منظمات المجتمع المدني، لتوظيفه بصورة صحيحة، لأن إتاحة هذا المبلغ لأيٍّ من السلطتين لن يكون هنالك سيطرة عليه.

بالنسبة للتعليم، فإن استعادة العملية التعليمية -حتى إن كانت عبر مدارس افتراضية مؤقتة- هي مسألة مهمة، تتكامل مع غيرها وتهيئ المجال للتعامل مع المجاعة وآثارها بصورة أكثر إيجابية عقب وقف الحرب.

ومن هنا، أنتهز الفرصة لأحيّي مجموعة من الأطباء ووزراء الصحة في السودان الذين يعملون في مبادرة "الغذاء دواء"، والذين قدموا مقترحات للتدخُّل حتى في ظل استمرار الحرب، بهدف التخفيف من الآثار السلبية للمجاعة، وأهمية هذه الجهود  تتمثل في أنها تقلل من التأثيرات السلبية وتسرِّع من تعافي الاقتصاد وتعافي الإنسان وهو الأهم.

·      ما يلي التعافي، تحدثت سابقًا عن الحاجة إلى ما بين 5 إلى 10 مليارات دولار كدعم عاجل لإنعاش الاقتصاد في ظل الأزمات العالمية الراهنة... فهل يمكن أن يكون هذا المبلغ كافيًا –الآن- بعد مرور ثلاث سنوات، وفي ظل التعقيدات الدولية الحالية؟ وما مدى واقعية استجابة المجتمع الدولي الآن؟

قبل الحرب، وصفت انقلاب 25 أكتوبر 2021م بأنه أكبر خيانة وطنية في تاريخ السودان، لأنه في ذلك الوقت كان الوضع مختلفًا، حيث كان السودان على أعتاب إعفاء ما بين 50 إلى 55 مليار دولار من ديونه البالغة 62 مليار دولار.

وقد تأسس مشروع الهيبك عام 1996م، واستفادت منه 35 دولة فقيرة، وكانت قيمة الديون التي تم إلغاؤها تعادل ثلثي الموارد التي أُتيحت لهذا المشروع، وكان سيحصل السودان على الثلث الآخر.

والاتفاق الذي وقعناه مع صندوق النقد الدولي، كان بمثابة العتبة التي بموجبها يتم تفعيل نادي باريس وإعفاء الديون. ومن ضمن شروط هذا الاتفاق أن يتم إحالة جميع الشركات الأمنية والعسكرية إلى وزارة المالية.

لكن للأسف، كانت هنالك أصوات احتجاج رافضة، بحجة أن الاتفاق يتضمن تعديل سعر الصرف و"روشتة" البنك الدولي.

وبالفعل كانت فرصة ذهبية وضاعت، لكن يجب الاستفادة من الاتفاق إذا قُدِّر ووقفت الحرب، وإذا أصبح هنالك برنامج استراتيجي واضح تتجاوز فيه القوى الديمقراطية الوطنية العموميات إلى مشروع تفصيلي يتعرّض للقضايا المهمة واستهداف الشباب ووضع مشروع لتشذيب الخدمة المدنية والعسكرية وغيره، ونحتاج لصندوق إعادة بناء الدولة، خاصة الخدمة المدنية، وهنالك إمكانية لتأهيل عدد كبير من الشباب والتحول الرقمي لإدارة الدولة، ومن ثم الانتقال من التقشف إلى النمو، ونحتاج مشروع نمو بمعدل 10% لمدة 20 عامًا.

وحتى يتم ذلك نحتاج لميثاق وطني وحكومة وحدة وطنية وانتخابات عقب الفترة الانتقالية لتحديد الأوزان، بشرط الالتزام بحكومة وحدة وطنية تنفذ برنامجًا، ويجب أن يكون هنالك محاسبة وتحديث الزراعة وتشبيكها بالقطاع اللوجستي والتصنيع،  وحال أصبحت هناك سلطة ديمقراطية في السودان، وأصبح لديها مشروع واضح مستند لتحول استراتيجي في القطاع الزراعي والصناعي واللوجستي وتطوير البحر الأحمر سيكون هنالك رغبة كبيرة في الاستثمار في السودان.

وعلى الرغم من صعوبة التمويل الدولي -في الظروف الصعبة الحالية- إلا أن السودان لديه فرصة مواتية لجذب استثمارات على مستوى الإنتاج، وجذب تمويل من صناديق اجتماعية وطويل الأجل من البنك الدولي وبنك التنمية الأفريقي، لأننا في حاجة لصندوق ضمان اجتماعي يمكن أن يكون في شكل قرض طويل الأجل،  وصندوق آخر لإعادة هيكلة الخدمة المدنية وتشذيب الخدمة المدنية وتطويرها، وإذا تم تقديم برنامج وأصبح جزءًا من مشروع وطني، أعتقد أن هنالك إمكانية.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...