في حوار خاص مع صحيفة "صوت الأمة"، تحدَّث الصحفي والكاتب السوداني خالد عويس عن تجربته في إنجاز الفيلم الوثائقي "الخرطوم فوق الجراح"، الذي حصد الجائزة الذهبية ضمن جوائز Telly Awards العالمية، كاشفًا عن تفاصيل الرحلة الإنسانية والمهنية التي رافقت تصوير العمل داخل السودان خلال الحرب، ورؤيته لمستقبل السينما الوثائقية السودانية.
حاوره: عبد الله حسن
كيف بدأت فكرة فيلم "الخرطوم فوق الجراح"، وما اللحظة التي شعرت فيها أنَّ هذه القصة يجب أن تُروى سينمائيًا؟
سينمائيًا، حقق مخرجون ومنتجون سودانيون، في السنوات الأخيرة نجاحات لافتة للغاية، وخطفوا الأنظار شرقًا وغربًا. وعلى صعيد التلفزيون والأفلام الوثائقية، وجدت أعمال مخرجين وصحفيين سودانيين طريقها نحو الشاشات الكبيرة، وحصدت نجاحًا لافتًا خلال الأعوام الماضية.
عن نفسي، سبق أن أعددت ونفذت أفلامًا وثائقية قصيرة وطويلة، منها: "جون قرنق- الرحلة الأخيرة"، "محمد وردي في خمسينيته"، "شارع الجمهورية"، "القصر القديم"، "الألفية الجديدة في إثيوبيا 2008م"، و"مدينة الجنينة: الوجه الآخر".
أما فيلمي الوثائقي الأخير، فقد نبعت فكرته من تمسكي بالبقاء في السودان بعد اندلاع الحرب، وحرصي على أن ألمس كلَّ شيء بنفسي، وأن أكون شاهدًا على التحولات كافة. كنت أنوي في الأصل كتابة كتاب فكري امتدادًا لكتابي الصادر عام 2012م "إرهاصات الوعي ونكساته"، لفحص العقل السوداني وأزماته.
وعندما أصبح ممكنًا التوجه من بورتسودان إلى الخرطوم، فكرت في رصد ما جرى للعاصمة السودانية: ماذا حدث لروح الإنسان؟ ماذا جرى للأمكنة والذاكرة والإرث؟ وهل ما زال هناك أمل؟ من هنا بدأت الفكرة، وبدأ التنفيذ.
الفيلم اعتمد على البعد الإنساني أكثر من السياسي، هل كان ذلك خيارًا مقصودًا منذ البداية؟
من البديهي أن تركز الأعمال الوثائقية على ما يبقى أثره. السياسة متغيّرة، لكن أوجاع الناس وحكاياتهم لا تسقط بالتقادم. أردت أن أوّثق كيف تحوَّلت الخرطوم من مدينة مليئة بالحياة والأحلام إلى مساحة موحشة تسكن الخوف عيون أهلها.
كنت أريد أن أروي للعالم ما حدث للمدينة ولناسها، وأن أوثِّق هذه اللحظة الفارقة في الذاكرة السودانية. حتى الشوارع لها روح، وشارع الجمهورية تحديدًا يحمل ذاكرة أجيال كاملة.
الناس حدثوني عن تفاصيل الرعب والجوع واليأس والبحث عن الحدِّ الأدنى من الحياة، وكلُّ ذلك كان يستحق أن يُروى. الخرطوم ليست مدينة عابرة حتى تُنسى آلامها بسهولة.
ما أصعب المشاهد أو الشهادات التي واجهتكم أثناء التصوير داخل ظروف الحرب والنزوح؟
من أقسى اللحظات التي عشناها كانت داخل مستشفى "النو" بأم درمان، أثناء تصوير الطفلين إسحق والفاضل اللذين فقدا أطرافهما بسبب الألغام الأرضية والمخلفات المتفجرة.
والد إسحق فقد أيضًا رضيعًا آخر في الانفجار، وبالرغم من تماسكه شعرت بأن روحه تبكي أمام الكاميرا. أما والدة الفاضل، فما أن انتهت من رواية ما حدث حتى انهارت بالبكاء، بينما كان الفاضل يهمس بصوت ضعيف: "أحس بآلام هائلة في يديّ.. افعلوا شيئًا من أجلي".
أغلقنا الكاميرات بسرعة وخرجنا حتى لا يرى الطفل دموعنا. كانت لحظة قاسية للغاية.
كما رافقنا فرق إزالة الألغام إلى مواقع العمل وأماكن تفجير المتفجرات، لأنَّني كنت مؤمنًا بأنَّ ما يقومون به عمل بطولي يومي.
كذلك كان التصوير داخل المتحف القومي ومتاحف القصر القديم مؤلمًا للغاية، لأنَّ ما ضاع هناك جزء من الإرث السوداني الذي لا يمكن تعويضه.

كيف بُني السيناريو الوثائقي للفيلم؟ وهل تشكّلت الحكاية تدريجيًا أثناء التصوير؟
التركيز الأساسي كان على الناس، على تفاصيل أوجاعهم وما فعلته الحرب بهم. كنت أعلم منذ البداية أنني سأذهب إلى "التكايا" وأبحث عن القصص الإنسانية الاستثنائية.
لكن وسط كل هذا الألم، كان هناك أيضًا أمل. صورنا أسواقًا عادت للعمل، ومكتبات فتحت أبوابها مجددًا، وقراء يبحثون عن الكتب بالرغم من الحرب.
أردت أن أقول إنَّ الثقافة نفسها يمكن أن تكون شكلًا من أشكال المقاومة، وأن السودانيين ما زالوا قادرين على التمسك بالحياة.
ما الذي تعتقد أنّه جعل الفيلم يصل إلى التصفيات النهائية ويحصد الجائزة الذهبية في Telly Awards؟
تعلمت خلال مسيرتي المهنية الطويلة في القنوات الإخبارية الدولية مجموعة من القيم الأساسية، أهمها الانضباط والالتزام والعمل الشاق.
في هذا الفيلم كنا نعمل أحيانًا نحو 16 ساعة يوميًا، وهذا أمر معتاد بالنسبة لي. أؤمن بأن المهنية والتجويد وإدارة الوقت عناصر أساسية في أي عمل ناجح.
كما أن خلفيتي الروائية واهتمامي بالفلسفة والشعر والرواية والسينما، تركت أثرًا واضحًا في طريقة السرد والمعالجة البصرية.
كيف كانت ردود الفعل الدولية على الفيلم؟ وهل فوجئتم بحجم التفاعل مع قصة الخرطوم خارج السودان؟
تلقيت تهاني كثيرة من زملاء ومؤسسات بحثية ومنظمات دولية مهتمة بالشأن السوداني، وكان هناك اهتمام واضح بالفيلم باعتباره يوثّق أثر الحرب بطريقة مهنية وإنسانية.
أتوقع أن يُعرض الفيلم في محافل دولية أخرى خلال الفترة المقبلة، لأنَّ إيصال أصوات السودانيين وما عاشوه خلال الحرب، أمر ضروري لكسر جدار النسيان الذي يحيط بالمأساة السودانية.
بعد هذا النجاح، هل تعتقد أن السينما الوثائقية السودانية قادرة اليوم على الوصول إلى العالم بصورة أقوى؟
بالتأكيد، فهناك قامات إعلامية وسينمائية سودانية كبيرة تملك تجارب مهمة في هذا المجال. أعتقد أن هذه الحرب، بالرغم من مأساتها، تحمل الكثير من الحكايات التي تستحق أن تُروى بمهنية وتجرد للأجيال القادمة وللعالم.
كنت حريصًا في الفيلم على أن أُظهر كيف كانت الخرطوم قبل الحرب، وكيف أصبحت بعدها، لأنَّ فهم حجم الفقد يبدأ بمعرفة حجم الحياة التي كانت موجودة هنا يومًا ما.



التعليقات (0)
جاري التحميل...