خاص- صوت الأمة

تظل الأغنية السودانية مدينة لكثير من الأصوات النسائية التي منحتها الدفء والرهافة والخصوصية، ونجحت في تشكيل وجدان أجيال كاملة بأعمال لا تزال حاضرة في الذاكرة، بالرغم من تغير الأزمنة وتبدل الذائقة الفنية. وبين تلك الأصوات يبرز اسم سميرة دنيا بوصفها واحدة من أكثر الفنانات قدرة على تقديم الغناء بروح هادئة وعفوية، تجعل المستمع يشعر وكأنها تغني من قلب جلسة حميمة لا من فوق المسرح.

امتازت سميرة دنيا بصوت طروب ومريح للنفس، وبأسلوب أداء يتسم بالبساطة والرقي، إلى جانب ذكاء واضح في اختيار النصوص والألحان، حتى رأى كثيرون أن بعض الأعمال التي قدمتها من روائع عثمان حسين حملت إحساسًا مختلفًا منحها حياة جديدة. كما استطاعت أن تحافظ على مشروعها الفني بثبات، بعيدًا عن التقلبات الحادة أو اللهاث خلف الموجات التجارية السريعة، وهو ما منحها مكانة خاصة ومتميزة وسط الأصوات النسائية الحديثة.

ويستدعي الحديث عن سميرة دنيا، المقارنة بالفنانة حنان النيل، التي تعد من أعذب الأصوات النسائية في تاريخ الغناء السوداني. فقد امتلكت حنان حضورًا فنيًا وثقافيًا لافتًا، وقدمت أعمالًا وطنية وعاطفية وأغنيات للأطفال لا تزال راسخة في الوجدان السوداني. غير أنَّ اعتزالها المبكر لأسباب خاصة ترك فراغًا كبيرًا في الساحة الفنية، خصوصًا أنها غابت في مرحلة كانت الأغنية السودانية بحاجة ماسة إلى الأصوات الجادة والمختلفة.

كما يتجدد الحنين إلى أسماء أخرى اختفت عن المشهد، بالرغم مما امتلكته من موهبة حقيقية، مثل عابدة الشيخ، التي ارتبط اسمها بأغنيات شهيرة أبرزها "فاتو فاتو". وقد تميَّز صوتها بعمق خاص ونبرة شجية تشبه هديل الحمام، قبل أن تتوارى عن الساحة الفنية في صمت، لتبقى سيرتها حاضرة فقط في ذاكرة محبي الغناء السوداني الأصيل.

ومن الأصوات التي لمع نجمها سريعًا –أيضًا- عافية حسن، التي استطاعت عبر أعمال مثل "يا حنين" أن تحجز لنفسها مكانة بارزة بفضل أدائها العفوي وحضورها المحبب وتفاعلها الصادق مع الأغنية. لكن، وكما حدث مع كثير من التجارب النسائية المميزة، لم يطل حضورها الفني كما كان يتمنى جمهورها.

ولا يمكن إغفال تجربة أسرار بابكر، التي عُرفت بعدد من الأغنيات الوطنية والعاطفية، من بينها "أنا سوداني أنا"، قبل أن تخفت أضواء تجربتها تدريجيًا وتبتعد عن الساحة الفنية.

شهدت الساحة الغنائية السودانية خلال السنوات الأخيرة تحولات كبيرة، جعلت كثيرًا من الأصوات النسائية الرصينة تتراجع لصالح موجات أكثر جماهيرية وتجارية، وهو ما دفع البعض إلى التساؤل بحنين واضح: أين كانت الأغنية السودانية، وإلى أين وصلت اليوم؟

وعلى الرغم من اختلاف الأذواق وتبدل الأجيال، تبقى تلك الأصوات جزءًا أصيلًا من ذاكرة الفن السوداني، بما حملته من رهافة وصدق وجمال، يصعب تكراره بسهولة.

وفي هذا السياق، تبقى رائعة عبد الرحمن الريح "أسحار الجمال" بصوت سميرة دنيا، نموذجًا حيًّا لذلك الزمن الفني الأنيق، الذي كانت فيه الكلمة واللحن والصوت يلتقون لصناعة حالة من الطرب الخالص.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...