نيالا تحت الحصار الأمني... حوادث القتل والخطف والنهب تعود بقوة

نيالا- صوت الأمة

لم تكن مدينة نيالا "عاصمة ولاية جنوب دارفور" قد خرجت من دائرة الأسئلة الثقيلة حول فراغها الأمني، حتى عادت حوادث القتل والنهب والاغتيالات والسرقة والاختطاف مجددًا إلى واجهة القلق، في توقيت تزداد فيه المخاوف من التوتر العشائري والقبلي المتصاعد.

وشهدت مدينة نيالا العاصمة الإدارية لحكومة تحالف السودان التأسيسي "تأسيس"، مطلع العام الجديد هدوءًا نسبيًا، مع تراجع حوادث القتل بغرض النهب، والخطف، والاغتيالات، ما عزز آمالًا بإمكانية تثبيت قدر لابأس به من الاستقرار الأمني ولو بصورة هشة قابلة للاهتزاز في أية لحظة، غير أن حوادث القتل تحت تهديد السلاح، والنهب، والاغتيالات والاختطاف، إضافة إلى المشاكل الإثنية بين قبيلتي السلامات والبني هلبة، أعاد المشهد الأمني إلى واجهة الاضطرابات.

 

انفلات أمني

خلال شهر يونيو الحالي لم تهدأ حوادث العنف في محليات مدنية نيالا، حيث توالت جرائم القتل في مشاهد متفرقة الرابط بينها أنها بغرض النهب والسرقة، لترسم صورة قاتمة عن عودة الانفلات الأمني في أكثر من محلية.

في مطلع يونيو الحالي شهدت محلية بليل شرق مدينة نيالا عاصمة ولاية جنوب دارفور، ثلاثة حوادث قتل بغرض النهب، توزّعت بين أحياء المحلية التي تشهد تصاعدًا لافتًا في الفراغ الأمني.

في مطلع يونيو، هاجم مسلحون يستقلون دراجة نارية إبراهيم إسحق عبد الله الذي كان برفقة طفلة على الطريق بين مخيمين رئيسيين للنازحين، لتتحول إلى مواجهة غير متكافئة انتهت بمقتله، بعد أن تصاعد التوتر ليصل إلى استخدام السلاح ليسقط الضحية متأثرًا بجراحه.

كما أُصيبت الطفلة بكسور في القدمين واليد، بحسب خالتها التي تحدثت لـ"صوت الأمة".

وفي ذات اليوم مساءً، لقي محمد أحمد مصرعه حينما هاجمه مسلحون مجهولون يرتدون زي قوات "الدعم السريع"، ليطلقوا عليه النار بهدف السرقة ليفارق الحياة على الفور.

وبحسب سكان محليون، تشهد المحلية تصاعدًا مقلقًا في حوادث النهب المسلح والاعتداءات على الطريق الرابط بين مخيمي كلمة والسلام، في ظلِّ عجز السلطات الأمنية عن التدخل.

متطوع في محلية بليل يقول لـ"صوت الأمة"، إنه يتهم قوات "الدعم السريع" بالتواطؤ والتغاضي -أحيانًا- عن منسوبيها الذين ينفذون عمليات نهب وسلب وابتزاز للمواطنين، تستهدف ممتلكاتهم.

وأضاف "يقف أفراد عشيرتك لحمايتك والدفاع عنك بغض النظر عن موقفك القانوني أو الأخلاقي، وهو ما يعيق عمل العدالة غير المتوفرة أصلًا".

 

محلية برام... اعتراض المركبات

تعيش محلية برام الواقعة جنوب مدينة نيالا بحوالى (129) كيلو مترًا حالة من التدهور الأمني والسيولة الأمنية الشديدة.

وتكررت -في الآونة- الأخيرة عمليات اعتراض المركبات التجارية وسيارات المسافرين على الطرق الحيوية التي تربط برام بالمحليات المجاورة، ما أسفر عن سقوط قتلى وجرحى وسط المواطنين.

ففي مطلع الشهر الحالي، قُتل كلٌّ من فضل محمد أحمد المشهور بـ"أبو ليمونة"، وحافظ حامد، حينما أطلق مسلحون النار بكثافة على سيارتهما، وفق أحد أقارب الضحيتين.

وأوضح لـ"صوت الأمة"، أن المجموعة المسلحة كانت تستقل دراجات نارية وتمركزت على الطريق الرابط بين برام وقريضة.

وفي حادثة أخرى، لقى شخصان مصرعهما حينما اعترض مسلحون سيارة كانت تقلهما على طريق برام- سنقو.

وخلال الأشهر الثلاثة الماضية، قُتل ما لا يقل عن سبعة أشخاص في محلية برام وحدها، بسبب حوادث عنف ونهب مسلح، وفق ضابط في قوات "الدعم السريع".

وبشأن الحدِّ من تلك الحوادث، كشف الضباط الذي فضَّل عدم ذكر اسمه لـ"صوت الأمة"، عن تعزيزات عسكرية إلى المنطقة للحدِّ من التفلتات الأمنية وتأمين المواطنين والموسم الزراعي.

 

نيالا... تسعة طويلة

تشهد مدينة نيالا تحولًا مقلقًا في طبيعة الجرائم، حيث تطورت عمليات النهب المسلح التي كانت سائدة إلى "تسعة طويلة". حيث تقع أغلب حوادث النهب في الشوارع، ومواقف السفريات، ومقار الإنترنت ليلًا، مستغلة غياب الإضاءة.

ويكشف صاحب إنترنت فضائي "استار لينك"، عن عودة تدهور الوضع الأمني في المدينة خاصة بعد المغرب، حيث يستهدف المتفلتون ومجموعات النهب المسلح مراكز الإنترنت الفضائي لسرقة الأجهزة والهواتف الذكية.

كما أوضح بأن مراكز الإنترنت أصبحت عالية الخطورة، حيث يتعرض روادها للتفتيش الدقيق أو الاعتقال بفرية التعاون مع الجيش، وهي فرية باطلة -على حدِّ قوله-.

ويعتمد سكان مدينة نيالا على الإنترنت الفضائي بشكل أساسي للتواصل مع العالم الخارجي والداخل، بعد انقطاع شبكات الاتصال الأرضية منذ بداية الحرب في منتصف إبريل 2023م.

وتنتشر هذه الأجهزة في الأحياء والأسواق، مما يسمح للمواطنين بالبقاء على اتصال دائم مع العالم.

 

اختطاف وابتزاز

عادت ظاهرة الخطف والاختفاء القسري إلى مدينة نيالا عاصمة ولاية جنوب دارفور، ما جعل المواطن يعيش حالة هلع وخوف من وقوعه ضحية لظاهرة الخطف من قبل عصابة مسلحة تترصد التُجار، والأثرياء مقابل فِدىً مالية.

قال محمد -وهو اسم مستعار- ويعمل تاجرًا كبيرًا لـ"صوت الأمة"، إنه يتخذ أقصى درجات الحيطة والحذر لدى عودته إلى منزله من شمال المدينة إلى جنوبها خشية وقوعه في يدِّ عصابة مسلحة ظلت تخطف الأشخاص مقابل فِدية مالية لإطلاق سراحه.

أثارت حوادث الاختطاف في المدينة التي تسيطر عليها قوات "الدعم السريع" وتديرها حكومة موازية، أثارت غضب السكان. حيث تؤكد مصادر محلية، أنّ المدينة تعرضت في الآونة الأخيرة لعدد كبير من عمليات الخطف والنهب.

 

دفع الفدية

تقول بثينة -اسم مستعار- لـ"صوت الأمة": "بعد شهر من اختفاء ابني ذي الـ23 عامًا... تلقيتُ اتصالًا عبر الماسنجر من صفحته الشخصية... لم يكن المتحدث معي هو؛ بل شخصًا آخر بلهجة بدوية، وأخبرني بأن ابني محتجز لديهم بتهمة انتمائه للجيش".

وأضافت "بكيت كثيرًا، ثم قال لي: إذا كنت تريدين ابنك في البيت فعليك بتحويل مبلغ مليون جنيه... وحينما أردت لهم شرح وضعي أغلق الهاتف في وجهي... أرسلت رسالة مفادها بأنني مستعدة لدفع المبلغ... ردّ لي بمكالمة... ستحولين المبلغ في هذا الرقم...".

وأكملت "أخبرت أخي بما جرى وقام بتحويل المبلغ، ثم قالوا لي ابنك سيصلك اليوم".

قصة بثينة تُعد نقطة في بحرٍ من حالات الاختطاف والابتزاز التي ظل يمارسها عناصر تابعة لـ"الدعم السريع" في مدينة نيالا، في ظل غياب العدالة والمحاسبة.

وفي السياق نفسه، أفاد مصدر باختطاف تاجر من منزله قبل ستة أيام، بواسطة عناصر يرتدون زي "الدعم السريع"، واقتياده إلى جهة غير معلومة، قبل أن يشير إلى الإفراج عنه لاحقًا، بعد التواصل مع ذويه وطلب فدية مقابل إطلاق سراحه. وأوضح المصدر أن التاجر أفرج عنه عقب دفع 10 ملايين جنيه، دون أن تُعلن الجهة المحتجِزة عن تفاصيل الاتهام.

وقال مصدر عسكري في "الدعم السريع" لـ"صوت الأمة"، إن هناك بعض التجاوزات والبلاغات عن ظواهر الاختطاف في مدينة نيالا. لكنه أشار إلى أن الذين يقومون بمثل هذه الأفعال هم "ام باقة"، وهي ميليشيات تقاتل بجانب قوات "الدعم السريع" وتمارس عمليات النهب، والقتل، والتنكيل. وتستقل هذه الميليشيات الدراجات النارية.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...