تقرير ـــ صوت الأمة
يواجه إقليم دارفور غربي السودان واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية والصحية، حيث تتقاطع تداعيات الحرب المستمرة منذ أكثر من ثلاث سنوات مع تفشٍ متسارع للأوبئة، في ظل انهيار شبه كامل للنظام الصحي وصعوبات كبيرة تعيق وصول المساعدات الإنسانية.
ويعاني الإقليم من تدهورٍ حاد في القطاع الصحي منذ ما قبل الحرب الجارية الآن، ليزيد الوضع من صعوبة الحال ويضاعف ما يعيشه الإقليم. ومع استمرار النزاع المسلح وتفاقم الأوضاع الأمنية، أصبحت الظروف الصحية أكثر صعوبة، مما ينذر بكارثة صحية وبيئية قد تهدد حياة آلاف المواطنين.
ففي العام الماضي، شهدت أجزاء واسعة من إقليم دارفور تفشيًا لوباء "الكوليرا" الذي تسبب في مقتل مئات الأطفال وكبار السن، قبل أن يتفشى وباء "الحصبة" بين الأطفال الذين لم يخضعوا للتطعيمات الروتينية منذ بدء الحرب.
يقول مصدر طبي من مدينة نيالا بولاية جنوب دارفور، في حديثه لـ(صوت الأمة): إن تفشي مرض "الحصبة" في أجزاء واسعة من إقليم دارفور يعود إلى توقف حملات التطعيم ضد الأطفال.
وحمل المصدر، الذي فضل حجب هويته، السلطات الاتحادية المسؤولية الكاملة عن هذا التدهور الصحي المريع، بسبب توقف حملات التحصين منذ ثلاث سنوات ونيف.
وأشار إلى أن عدد الإصابات بالحصبة الذي سجلته السلطات الصحية في جنوب دارفور أقل بكثير من العدد الحقيقي للمرضى، الذين لم يتمكن غالبيتهم من الوصول إلى المستشفيات والمراكز الصحية بسبب ضيق العيش والتحديات الأمنية.
وبحسب أحدث تقرير نشرته الإدارة العامة للطوارئ الصحية ومكافحة الأوبئة في وزارة الصحة بولاية جنوب دارفور، في 26 أبريل، فإن إجمالي عدد الإصابات بـ"الحصبة" بلغ حوالي (9025) إصابة، فضلًا عن وفاة 105 حالات.
من جانبها، دعت السلطات الصحية في جنوب دارفور المواطنين إلى الالتزام بالإرشادات الصحية والتوجه إلى المراكز الصحية لتحصين الأطفال، في ظل تزايد معدلات الإصابة.
وشددت على أهمية التعاون المجتمعي للحد من انتشار المرض.
تفشٍ واسع لـ"الحصبة ":
أفاد مصدر طبي من محلية بُرام، 129 كيلومترًا جنوب مدينة نيالا، بانتشار مخيف لـ"الحصبة" في المحلية، موضحًا أن الأرقام تتضاعف باستمرار، قبل أن يشير إلى صعوبة الوصول إلى بعض الأرياف والقرى لانعدام الأمن وانقطاع الاتصالات، مؤكدًا أن الإصابات المرصودة تمثل جزءًا قليلًا من الإصابات الحقيقية في المحلية.
وأضاف المصدر لـ(صوت الأمة): "ينتشر المرض بسرعة وسط الأطفال في قرى وأرياف المحلية، لكن ليس من السهل الوصول إليها بسبب ما قال إنها تحديات أمنية".
كما تشهد مخيمات النازحين في ولاية جنوب دارفور، وعلى رأسها مخيم "كلمة" شرق مدينة نيالا، أوضاعًا إنسانية سيئة، حيث يواجه النازحون خطر الموت جوعًا بسبب نقص الغذاء وانهيار سبل العيش، وضاعفت الأوبئة، خاصة "الحصبة"، من معاناة الأطفال في مخيمات النازحين.
وقال حامد، الناشط الاجتماعي من معسكر "كلمة": إن ما ساهم في انتشار المرض هو غياب التطعيم خلال ثلاث سنوات ونيف من الحرب، حيث توقفت برامج التحصين ضد الأمراض، والتي من بينها الحصبة، الأمر الذي جعل الأطفال عرضة للمرض الذي يحصد أرواحهم اليوم.
وأشار حامد إلى شروع إدارة التحصين الموسع بوزارة الصحة بولاية جنوب دارفور في التواصل مع المتطوعين لتنفيذ حملات تطعيم للأطفال في المعسكر، موضحًا أن ذلك من شأنه أن يؤدي إلى تقليل انتشار المرض.
حين تتحول الحمى إلى فاجعة:
في معسكر "سكلي" للنازحين جنوب مدينة نيالا، لم يتوقع حامد إبراهيم أن يتحول مرض طفلته بـ"الحصبة" إلى حكم بالموت، فقد طفلته بعد أربعة أيام من إصابتها في ظل غياب الرعاية الطبية.
يقول حامد لـ(صوت الأمة): "ظننتها مجرد حمى عادية.. عالجتها بالعرديب أملًا أن تتحسن.. لم أتخيل أنني سأفتقدها بهذه السهولة".
ويؤكد مختصون أن "الحصبة"، رغم كونها مرضًا يمكن الوقاية منه باللقاحات، تُعد من أكثر الأمراض فتكًا، خاصة في البيئات الهشة التي تعاني من سوء التغذية وانعدام الخدمات الصحية، ومع توقف التطعيم لفترات طويلة بسبب الحرب المستمرة، عاد المرض ليضرب بقوة مهددًا جيلًا كاملًا من الأطفال.
الموت يسبق اللقاح
قالت تهاني من معسكر عطاش للنازحين، على بعد 5 كيلومترات شمال شرق مدينة نيالا: إن عائلات متجاورة فقدت أطفالها خلال أيام قليلة بعد انتقال العدوى بينهم.
وأضافت لـ"صوت الأمة": "لم نجد لقاحات لهم في المراكز الصحية.. حاولنا علاجهم بالوسائل البدائية.. لكن الموت كان أقرب من كل شيء".
وذكر ناشطون محليون في المعسكر أن انعدام لقاحات «الحصبة» كان حاسمًا في تفاقم الوضع. وأضافوا: "يقطع الناس مسافة 5 كيلومترات إلى مدينة نيالا بحثًا عن العلاج".
ورغم إطلاق حملة تطعيم متأخرة ضد "الحصبة" في بعض مناطق دارفور، فإنها لا تزال غير كافية لاحتواء الوباء، خاصة في المناطق الأكثر تضررًا مثل شرق دارفور وشمال دارفور.
الوباء يطارد النازحين في المخيمات:
ضاعفت "الحصبة" من وطأة النزوح والمعاناة الإنسانية بين النازحين الذين يعيشون تدهورًا مريعًا في الخدمات الأساسية ونقصًا حادًا في الغذاء منذ أكثر من عامين.
وتعاني مناطق واسعة في ولاية شمال دارفور من تفشي مرض "الحصبة" وسط الأطفال، حيث ينتشر الوباء في مناطق "كبكابية، والطويشة، وأم حوش، وأم كتكوت"، وسط غياب تام للتطعيم، مما أدى إلى سرعة الانتشار، وفق مصدر طبي في بلدة "كبكابية".
من جهتها، قالت غرفة طوارئ منطقة أم حوش، في بيان في 2 مايو الجاري: إن مركز العزل في المنطقة يشهد ضغطًا كبيرًا على الخدمات الصحية نتيجة تزايد عدد الإصابات بـ"الحصبة"، مشيرة إلى خروج الوضع عن السيطرة.
وحتى 2 مايو الجاري تم تسجيل (28) حالة جديدة، بمعدل 14 حالة يوميًا، وهو مؤشر مرتفع يستدعي التدخل العاجل، بحسب بيانها.
كما لوحظ أن معظم الحالات المسجلة تتركز وسط فئات تتراوح أعمارهم بين ثمانية عشر إلى ثلاثين عامًا، وأطفال تتراوح أعمارهم من سنة إلى 6 سنوات، الأمر الذي يعكس اتساع دائرة انتشار المرض داخل المجتمع، وفق بيان غرفة أم حوش.
وأضافت أن "المركز يعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية منذ غرة مايو الحالي، مما يشكل تحديًا كبيرًا أمام الكوادر الصحية ويهدد بتفاقم الوضع الصحي".
وناشدت الغرفة بضرورة التدخل العاجل لتوفير الأدوية والمستلزمات الطبية ودعم مركز العزل.
يقول أحمد، عضو غرفة طوارئ منطقة أم حوش، لـ(صوت الأمة): إن المركز الصحي واجه ضغوطًا كبيرة خلال أواخر شهر أبريل الماضي بسبب تزايد عدد حالات "الحصبة".
وأضاف: "نحن أمام كارثة صحية تتفاقم بسرعة كبيرة في منطقة أم حوش".
كما تعاني منطقة كبكابية ومناطق عدة في شمال دارفور، بجانب "الحصبة"، من تفشي مرض "السعال الديكي"، وهو من أمراض الطفولة الستة، وفق ما أفادت به غرفة طوارئ كبكابية.
تحذيرات وقلق من "الحصبة"
كشفت المنظمة الدولية "أنقذوا الأطفال" أن حالات الإصابة بـ"الحصبة" زادت بأكثر من 25% في مناطق النزاعات، حيث ساهمت الهجمات على الرعاية الصحية، وخفض المساعدات، وتعطيل النظم الصحية، في تفاقم الأزمة.
وحذرت المنظمة الدولية من أنه في عام 2026 تم تأكيد أكثر من 14 ألفًا و603 حالات من فيروس الحصبة القاتل في 15 دولة تواجه نزاعات.
وأوضحت أن إجمالي عدد الأطفال في الدول التي بلغت عن حالات "الحصبة" يشكل 30 بالمئة على مستوى العالم، مما يُظهر ـ بحسب المنظمة ـ كيف أن الدول التي تشهد نزاعات أكثر عرضة بشكل غير متناسب لتأثيرات تفشي "الحصبة".
وأدت ثلاث سنوات من الصراع المسلح في السودان إلى تدمير النظام الصحي وتعطيل سلاسل إمداد اللقاحات والأدوية، مما أدى إلى تفشي «الحصبة» بشكل متكرر، وتضاعفت الحالات المبلغ عنها خمس مرات بين عامي 2024 و2025 لتصل إلى «7644» حالة، مع تأكيد أكثر من «1000» حالة في الأسابيع العشرة الأولى من عام 2026 وحدها، وفق الأمم المتحدة.



التعليقات (0)
جاري التحميل...