ساره عطية- صوت الأمة
في الفصول الدراسية التي لا تزال أبوابها مفتوحة بالرغم من الحرب، يخوض آلاف المعلمين السودانيين معركة من نوع آخر، معركة تتعلّق بالقدرة على تأمين احتياجات أسرهم والوفاء بالتزاماتهم المعيشية، في ظل تراجع قيمة الرواتب وارتفاع الأسعار بصورة غير مسبوقة. وبينما يؤكد المعلمون أن الإضراب لم يكن خيارهم الأول، يرون أنه أصبح الوسيلة الأخيرة للفت الانتباه إلى أوضاع يقولون إنها وصلت إلى مرحلة لا يمكن احتمالها.
ومع اتساع الإضراب ليشمل عددًا من الولايات، تتجه ولاية الجزيرة للدخول في الإضراب اعتبارًا من اليوم الأحد، بينما أعلنت لجنة المعلمين بولاية كسلا تمديد الإضراب حتى الثامن عشر من يونيو الجاري، مؤكدة أن العودة إلى المدارس ستظل مرتبطة بالاستجابة لمطالب المعلمين المتعلقة بتعديل الأجور وصرف المتأخرات المالية.
خلفية الإضراب
ويأتي الحراك الحالي، امتدادًا لموجة احتجاجات متصاعدة يقودها المعلمون منذ أشهر للمطالبة بتحسين أوضاعهم المعيشية والمهنية. وكانت لجنة المعلمين السودانيين أعلنت في 31 مايو الماضي، دخول أعداد واسعة من معلمي ولاية الخرطوم في إضراب عن العمل احتجاجًا على تدني الأجور، وتردي الأوضاع المعيشية، وعدم التزام الدولة بسداد المتأخرات المالية من مرتبات وعلاوات ومنح وبدلات.
ويطالب المعلمون برفع الحد الأدنى للأجور من 12 ألف جنيه إلى 216 ألف جنيه، وصرف جميع المتأخرات المالية، وتنفيذ الترقيات المستحقة، ووقف سياسات الإجازات القسرية وإرغام المعلمين على مغادرة الخدمة بصورة غير عادلة، إلى جانب زيادة الإنفاق الحكومي على التعليم وعدم تحميل الأسر أعباء العملية التعليمية.
وترى لجنة المعلمين أن هذه المطالب تمثل حقوقًا أساسية وليست امتيازات إضافية، مؤكدة أن استقرار العملية التعليمية يبدأ بتحسين أوضاع المعلمين وضمان حياة كريمة لهم ولأسرهم.
الجزيرة على الخط
وقال الناطق الرسمي باسم لجنة المعلمين السودانيين، سامي الباقر، في تصريح لـ"صوت الأمة"، إن الإضراب بدأ العام الماضي بولاية كسلا، ثم امتد إلى الولاية الشمالية في المرحلة الثانوية، وولايتي النيل الأبيض والخرطوم، كما انطلق مؤخرًا في ولاية النيل الأزرق، فيما يتوقع أن تنضم ولايات أخرى إلى الإضراب خلال الفترة المقبلة.
وأشار الباقر إلى أن نسبة المشاركة في الإضراب بولاية كسلا تجاوزت 90 في المائة، فيما تشير تقارير اللجان الميدانية إلى أن نسب الاستجابة تجاوزت 95 في المائة في بعض المناطق، ووصلت إلى 100 في المائة في مواقع أخرى.
وأضاف أن لجنة المعلمين بولاية الجزيرة، رفعت مذكرة بمطالبها إلى حكومة الولاية، إلا أن مدير عام وزارة المالية ردَّ بأن هذا الوقت ليس للمطالبات المالية لأن البلاد تمر بظروف الحرب، الأمر الذي دفع المعلمين للمضي في خطواتهم التصعيدية.
وأكد الباقر أن راتب المعلم في أعلى الدرجات الوظيفية لا يتجاوز في أفضل الأحوال ما يعادل (40) دولارًا شهريًا، بينما لا يزيد راتب المعلم في أدنى الدرجات على (17) دولارًا، واصفًا أوضاع المعلمين المعيشية بأنها "مزرية".
كسلا... الإضراب مستمر
وفي أحدث خطوات التصعيد، أعلنت لجنة المعلمين بولاية كسلا، استمرار الإضراب اعتبارًا من يوم 14 يونيو وحتى 18 يونيو الجاري، على أن تعقد اللجنة العليا للإضراب اجتماعًا في 18 يونيو لتقييم الموقف وتحديد الخطوات اللاحقة، وفقًا لمدى الاستجابة للمطالب.
وقالت اللجنة إن معلمي الولاية يطالبون بسداد نسبة (60%) من استحقاقات شهري نوفمبر وديسمبر 2023م، إلى جانب صرف البديل النقدي وبدل اللبس ومنح الأعياد المتأخرة لأربع سنوات، فضلًا عن تعديل مرتبات عامي 2025م و2026م.
وأشارت إلى وجود تفاوت واضح بين مرتبات معلمي كسلا ونظرائهم في عدد من الولايات الأخرى، حيث يبلغ راتب الدرجة الأولى (156) ألف جنيه في كسلا، مقابل (220) ألف جنيه في بعض الولايات، والدرجة الثانية (142) ألف جنيه، مقابل (172) ألف جنيه، والدرجة الثالثة (128) ألف جنيه، مقابل (151) ألف جنيه، والدرجة الرابعة (117) ألف جنيه، مقابل (130) ألف جنيه، فيما يبلغ راتب الدرجة الخامسة (105) آلاف جنيه، مقابل (140) ألف جنيه في بعض الولايات الأخرى.
وأكدت اللجنة أن ضعف الرواتب وتراكم المستحقات المالية، أديا إلى انهيار الثقة بين الحكومة والمعلمين، مشيرة إلى أن كثيرًا من المعلمين باتوا عاجزين عن تغطية احتياجاتهم الأساسية، وأن راتب بعضهم لا يكفي لتكاليف المواصلات اليومية من وإلى المدرسة.
مذكرة وتصعيد
وفي إطار الحراك المطلبي، أعلنت لجان المعلمين السودانيين بمحليات ولاية الخرطوم، عبر اللجنة العليا للتصعيد، تسليم مذكرة مطالب إلى حكومة ولاية الخرطوم ووزارة التربية والتعليم، مع إرسال نسخ منها إلى وزارة المالية والاقتصاد والقوى العاملة، والمديرين التنفيذيين بالمحليات، والإدارات التعليمية.
وأكدت اللجنة أن الخطوة تأتي ضمن المسار السلمي والقانوني الذي اختاره المعلمون للمطالبة بحقوقهم، مشيرة إلى أن المذكرة تعكس حجم المعاناة التي يعيشها المعلمون، وتطالب بإجراءات عاجلة لتحسين أوضاعهم المعيشية والمهنية.
وشددت اللجنة على أن تسليم المذكرة يمثل مرحلة من مراحل التصعيد المشروع، مع احتفاظ المعلمين بحقهم في اتخاذ مزيد من الخطوات السلمية حال استمرار تجاهل مطالبهم، مؤكدة أن استقرار العملية التعليمية يبدأ من احترام حقوق المعلمين وضمان حياة كريمة لهم.
الإضراب خيار اضطراري
وقال الباقر إن الإضراب الحالي جاء نتيجة مباشرة للأوضاع المعيشية المتردية التي يعيشها العاملون في قطاع التعليم، مؤكدًا أن الهدف منه ليس تعطيل الدراسة أو الإضرار بالطلاب، وإنما المطالبة بحقوق مشروعة تضمن للمعلم حياة كريمة وتمكنه من أداء رسالته التربوية على الوجه المطلوب.
وانتقد ما وصفه بمحاولات التعامل مع مطالب المعلمين عبر الضغوط الإدارية والتهديد بالعقوبات بدلًا من معالجة جذور الأزمة، مؤكدًا أن الحل يكمن في الاستجابة الفورية لمطالب المعلمين المتعلقة بـ: "تحسين الأجور، وصرف المتأخرات المالية، ومعالجة أوضاع العاملين في قطاع التعليم".
صوت معارض للإضراب
وفي المقابل، ترى المعلمة (س. ع)، وهي إحدى معلمات المرحلة الابتدائية بولاية النيل الأبيض، أن التلاميذ لا ينبغي أن يدفعوا ثمن الأزمات التي يواجهها المعلمون، مؤكدة أنها واصلت التدريس طوال فترة الإضراب بالرغم من الانتقادات التي تعرضت لها من بعض زملائها.
وقالت إن همها الأول كان المحافظة على حقِّ التلاميذ في التعليم، خاصة بعد سنوات من الاضطرابات التي تسببت في فقدان الطلاب لأجزاء مهمة من مسيرتهم الدراسية. وأضافت أن تحسين أوضاع المعلمين مطلب عادل ومشروع، لكنها تعتقد أن العملية التعليمية يجب أن تستمر مهما بلغت التحديات، لأن مصلحة الطلاب ينبغي أن تظل في مقدمة الأولويات.
أوضاع معيشية خانقة
بالمقابل، اعتبرت المعلمة درية بابكر، أن الإضراب جاء نتيجة طبيعية لتراكم الأزمات التي يعاني منها المعلمون، وفي مقدمتها: تدني الأجور، وتردي الأوضاع المعيشية، وتأخر صرف المرتبات والمتأخرات المالية.
وأضافت أن الرواتب الحالية لم تعد قادرة على تغطية الحد الأدنى من احتياجات المعلمين وأسرهم، مؤكدة أن العاملين في قطاع التعليم ظلوا يؤدون رسالتهم بالرغم من ظروف الحرب والأزمات الاقتصادية، إلا أنهم لم يجدوا الإنصاف الذي يستحقونه، الأمر الذي دفعهم إلى اللجوء للإضراب باعتباره وسيلة مشروعة للمطالبة بحقوقهم.
وذهبت في نفس الاتجاه المعلمة رباب محمد، وأوضحت أن الأزمة لم تعد تقتصر على المعلم نفسه، بل امتدت إلى أسرته وأبنائه، إذ بات كثير من المعلمين يواجهون صعوبات في توفير تكاليف التعليم والعلاج والاحتياجات الأساسية.
وأضافت أن بعض المعلمين اضطروا إلى تأجيل تعليم أبنائهم الجامعي أو توزيع فرص الدراسة بينهم بالتناوب، بسبب ضعف الإمكانات المالية، معتبرة أن قضية المعلمين ليست قضية فئوية، وإنما قضية مجتمع بأكمله، لأن أي تدهور في أوضاع المعلم ينعكس بصورة مباشرة على جودة التعليم ومستقبل الطلاب.
ويجمع المشاركون في الإضراب، على أن معالجة أزمة التعليم في السودان لا يمكن أن تتم بمعزل عن معالجة أوضاع المعلمين أنفسهم، مؤكدين أن ضمان حقّ الطلاب في التعليم يبدأ أولًا بضمان حق المعلم في حياة كريمة تحفظ له مكانته وتمكنه من أداء رسالته التربوية.



التعليقات (0)
جاري التحميل...