تبدأ اليوم في أديس أبابا جلسات تشاورية برعاية الآلية الخماسية الدولية، تمهيداً لاجتماع يُعقد الشهر المقبل لتشكيل لجنة تحضيرية، بينما يدخل السودان عاماً جديداً من الحرب مثقلاً بالدمار والنزوح والانهيار الاقتصادي، ومحملاً بأسئلة مؤجلة حول الدولة والسلام والمستقبل.
ليست هذه هي المبادرة الأولى، ولن تكون الأخيرة إذا أخفق السودانيون في التقاط هذه اللحظة. فقد سبقتها لقاءات ومؤتمرات ومنابر تفاوضية عديدة، لكن ما يميز اجتماع اليوم أنه يأتي بعد أن أثبتت الوقائع أن الحرب لم تنتج سوى مزيد من الخسائر، وأن الرهان على الحسم العسكري الكامل لا يزال يبتعد كلما طال أمد الصراع.
المشاركون في أديس أبابا يحملون رؤى متباينة، بل ومتعارضة أحياناً، بشأن أسباب الأزمة وكيفية إنهائها. بعضهم يضع أولوية وقف الحرب وفتح الممرات الإنسانية، وآخرون يتمسكون بمسألة العدالة والمحاسبة، فيما تتواصل الخلافات حول التمثيل وحدود المشاركة. غير أن القاسم المشترك الذي يجب ألا يغيب عن الأذهان هو أن الشعب السوداني لم يعد يحتمل مزيداً من الانتظار.
إن السودانيين الذين يتابعون هذه الاجتماعات من معسكرات النزوح، ومن المدن المنهكة، ومن المنافي القريبة والبعيدة، لا ينتظرون انتصار فريق على آخر، بل ينتظرون بداية طريق يفضي إلى وقف إطلاق النار، وعودة الحياة إلى طبيعتها، وإطلاق حوار وطني حقيقي يضع أسس الدولة التي حلموا بها طويلاً.
ولذلك فإن الرسالة التي نوجهها إلى المجتمعين اليوم واضحة: لا تجعلوا من خلافات الأمس سبباً في ضياع الغد. فالأوطان لا تُبنى بالإقصاء، والسلام لا يصنعه المنتصرون وحدهم، بل تصنعه الإرادة الوطنية حين تنتصر على الحسابات الحزبية والرهانات العسكرية.
قد لا تخرج اجتماعات أديس أبابا بحل نهائي للأزمة السودانية، لكن نجاحها في بناء أرضية مشتركة وخارطة طريق واقعية سيكون خطوة مهمة في الاتجاه الصحيح. أما الفشل فلن يكون خسارة لطرف سياسي بعينه، وإنما خسارة لوطن بأكمله أنهكته الحرب وأرهقته الانقسامات.
يبقى الأمل قائماً، لأن السودان أكبر من الحرب، وأوسع من خلافات الساسة، وأحق بالحياة والسلام.



التعليقات (0)
جاري التحميل...