ترجمة: نادرة المهدي
بعد أن فقدت زوجها ووالديها وعدداً من أفراد أسرتها في الحرب الدائرة بالسودان، لم تجد سابرين خياراً سوى الفرار مع أطفالها الخمسة إلى المجهول. وتروي قصتها جانباً من معاناة ملايين السودانيين الذين أجبرتهم الحرب على مغادرة منازلهم والبحث عن حياة جديدة وسط ظروف قاسية.
ومنذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، نزح أكثر من 14 مليون شخص من السودان، بينما لجأ أكثر من 90 ألفاً إلى أوغندا طلباً للأمان، وتشكل النساء والأطفال نحو 71 في المئة من الوافدين الجدد.
تقول سابرين: «عندما غادرت السودان لم أكن أعرف ما الذي ينتظرني. كل ما كنت أفكر فيه هو كيفية حماية أطفالي والحفاظ على سلامتهم».
وتستعيد حياتها قبل الحرب قائلة:
«كانت الحياة في السودان جميلة. كنت ألتقي أصدقائي وأزور الأقارب وأشارك في المناسبات الاجتماعية. كان أطفالي يذهبون إلى المدرسة، وكانت رياض الأطفال مفتوحة، وكانت أسرتي بأكملها على قيد الحياة. كنا نعيش في منازل، لا في خيام».
ثم تضيف بحسرة: «أما الآن فقد فقدت كل شيء».
وتتابع: «فقدت والديّ وزوجي وإخوتي وأخواتي في الحرب. سقطت قذيفة على والديّ وزوجي، كما قُتل آخرون من أفراد عائلتي بالرصاص. عندها أدركت أن عليّ مغادرة السودان بحثاً عن الأمان».
وتصف رحلة النزوح بأنها كانت من أصعب ما مرت به في حياتها:
«كان الوصول إلى أوغندا بالغ الصعوبة. قطعنا جزءاً من الطريق بالقارب. أمضينا أربعة أيام بلا طعام أو ماء أو مكان للاستحمام، وسط أمطار غزيرة وبرد قارس. كنا نغطي أنفسنا بقطع من المشمع، وأصيب أحد أطفالي بالإسهال. كانت رحلة مرعبة بكل معنى الكلمة».
وبعد خمسة أيام وصلت سابرين وأطفالها إلى مدينة ملكال في جنوب السودان، حيث لم يجدوا مأوى مناسباً، وكان كثير من النازحين ينامون في العراء معرضين للأمطار والثعابين.
وتقول: «كان بعض الناس يرمون بقايا الطعام بعد تناول وجباتهم، فكنت أجمعها لأطعم أطفالي».
وبعد أسبوع استقلت الأسرة طائرة إلى جوبا، عاصمة جنوب السودان، حيث أمضت لياليها نائمة في المطار، بينما كانت سابرين تتوسل للحصول على الطعام. ومن هناك عبرت إلى أوغندا عبر إحدى البلدات الحدودية حتى وصلت إلى مركز استقبال اللاجئين في نومانزي.
وتروي لحظة وصولها قائلة: «قلت لهم إنني لاجئة من السودان، وليس لدي أحد ولا أعرف ماذا أفعل. فقالوا لي إنني جئت إلى المكان الصحيح، وإنهم سيساعدونني».
وفي مركز الاستقبال حصلت الأسرة على الغذاء والمأوى والدعم الغذائي لابنتها الصغرى، قبل أن تُنقل بعد شهر إلى مخيم كيرياندونغو للاجئين.
وتعمل منظمة «وار تشايلد» بالتعاون مع شريكها المحلي، مجلس إدارة شؤون اللاجئين والكوارث في أوغندا، على تقديم الدعم للأسر التي تحاول إعادة بناء حياتها بعد النزوح.
وتقول سابرين إن مسؤولة الحماية كارول ساعدتها في الحصول على دعم نقدي طارئ لشراء الطعام وأواني الطهي والملابس والبطانيات، كما أحالتها إلى برنامج للدعم النفسي بعد ملاحظة آثار الصدمة التي كانت تعاني منها.
وتضيف: «زودونا بأغطية بلاستيكية ووثائق وطعام ومواد استخدمناها لبناء كوخ، كما منحونا مبلغاً مالياً لشراء بعض الاحتياجات. وأعطتني كارول مصباحاً يعمل بالطاقة الشمسية، وقد ساعدني كثيراً. كنت أعيش في ظلام دامس، أما هي فقد جلبت لي النور والأمل».
وتؤكد أن جلسات الدعم النفسي والاجتماعي أحدثت تحولاً كبيراً في حياتها: «كنت أعاني من الحزن والاكتئاب والصدمة. لكن بعد ثلاثة أشهر من الدعم النفسي تغيرت نظرتي للحياة. تعلمت كيف أتعامل مع أطفالي وجيراني ومع نفسي أيضاً. كنت أعيش بتشاؤم، أما الآن فأعيش بتفاؤل».
ورغم ذلك، لا تزال آثار الحرب حاضرة في حياة أطفالها.
وتقول: «يسألونني دائماً: متى سنعود؟ متى سنلعب كما كنا من قبل؟ متى سنأكل كما كنا من قبل؟ وأحياناً تبكي ابنتي وتسأل: متى سيعود أبي؟ إنهم يفتقدونه كثيراً».
وتضيف: «لم تتوقف كارول عن زيارتي ودعمي. أنا ممتنة لها وللفريق بأكمله. لقد ساعدوني على الوقوف مجدداً ومنحوني القوة للاستمرار».
ورغم الدعم الذي تتلقاه الأسر اللاجئة، لا تزال المنظمات الإنسانية العاملة في مخيم كيرياندونغو تواجه نقصاً حاداً في التمويل، ما يحد من قدرتها على تلبية الاحتياجات المتزايدة للاجئين.
أما سابرين، فما زالت تنظر إلى المستقبل بكثير من الحذر، لكنها مصممة على توفير حياة أفضل لأطفالها.
وتقول: «لم أكن أعرف شيئاً عن الزراعة، لكنني تعلمتها. أزرع الذرة والبامية، وأعمل أحياناً في مزارع الآخرين لأكسب بعض المال. أحاول أن أوفر لأطفالي ما أستطيع».
وتختم حديثها قائلة: «كل ما أتمناه هو أن يحظى أبنائي بتعليم جيد، لأن التعليم هو مستقبلهم».
وفي اليوم العالمي للاجئين، تتجدد الدعوات إلى قادة العالم لمعالجة جذور النزاعات، ودعم جهود السلام والعمل الإنساني، ووضع الأطفال المتضررين من الحروب في صدارة الأولويات.



التعليقات (0)
جاري التحميل...