بقلم: عوض الكريم بلة الطيب
قيثارة الزمن الجميل، مدينة ود مدني "أم المدائن"، رسخت حضورها في الذاكرة السودانية مركزًا للفن والثقافة والجمال، وبيئة خصبة للإبداع خلال حقب الستينيات والسبعينيات والثمانينيات.
عرف المشهد الفني في ود مدني تداخلًا إبداعيًا بين الشاعر والملحن والموسيقي، أسهم في تشكيل الأغنية السودانية في صورتها المتكاملة، بما تحمله من إحساس وعمق وتجديد.
وقد أنجبت المدينة عددًا من الشعراء الذين تركوا بصمتهم في وجدان الأغنية السودانية، من بينهم: علي المساح، وحميدة أبو عشر، وفضل الله محمد، إلى جانب أسماء أخرى أثرت الساحة الغنائية بمضامين شعرية عميقة جمعت بين الحس الإنساني والبعد الفني.
وارتبطت هذه التجارب الشعرية بتعاونات فنية مع كبار الفنانين، وفي مقدمتهم الموسيقار محمد الأمين، الذي قدّم عبر هذه النصوص أعمالًا خالدة مثل: "أربعة سنين" و"الموعد" و"زاد الشجون"، إلى جانب أعمال شكلت علامات فارقة في مسار التجديد في الأغنية السودانية.
وعلى مستوى الموسيقى، برزت ود مدني كحاضنة لمواهب استثنائية، من أبرزها البروفيسور الفاتح حسين، الذي جمع بين التكوين الأكاديمي والإبداع الموسيقي، والموسيقار عثمان النو، أحد المجددين في الأغنية السودانية الحديثة، إلى جانب عدد كبير من العازفين الذين أسهموا في تشكيل هُوية موسيقية مميزة للمدينة في مجالات الكمان والأكورديون والساكسفون والجيتار والإيقاع.
كما يحضر اسم الفنان الراحل حسن الباشا في سياق العمل الثقافي المؤسسي في المنطقة، حيث أسهم في تأسيس اتحاد فناني الجزيرة عام 1976م، وسعى إلى إنشاء دار للفنانين، في خطوة شكلت نقلة مهمة في تنظيم الحراك الفني وتطوير بنيته المؤسسية.
وفي المحصلة، تمثل ود مدني تجربة ثقافية وفنية متفردة، شكلت فضاءً لصناعة الإبداع وتشكيل الذاكرة الفنية السودانية، بما رسخته من إرث لا يزال حاضرًا في الوجدان حتى اليوم.



التعليقات (0)
جاري التحميل...