صوت الأمة- سارة عطية

في كثير من المنازل السودانية، باتت الحمى المفاجئة والصداع الحاد وآلام المفاصل، علامات تثير الهلع لدى الأسر مع تزايد حالات الإصابة بحمى الضنك في عدد من الولايات، بعد أن تحوّلت خلال السنوات الأخيرة من مرض موسمي محدود الانتشار، إلى تهديد صحي يهدد آلاف السكان.

سارة... ضحية جديدة للضنك

فبينما كانت أسرة سارة تترقب تحسن حالتها الصحية يومًا بعد آخر، تحولت الأعراض التي بدت في البداية اعتيادية (ارتفاع درجة الحرارة وآلام المفاصل والعظام)، إلى حالة حرجة وسرعان ما تطوّرت إلى مضاعفات خطيرة انتهت بوفاتها بعد أيام من الصراع مع المرض.

وتقول منى في إفادة لـ"صوت الأمة": "في البداية كانت زوجة شقيقي (سارة) تعاني من حمى شديدة وآلام في الجسم، ثم ظهر طفح جلدي أحمر، ولم تعد قادرة على تناول الطعام أو الشراب، وكانت تتقيأ باستمرار". وتضيف: "في اليوم الخامس انخفضت درجة الحرارة فاعتقدنا أنها بدأت تتعافى، لكننا فوجئنا بحدوث نزيف من اللثة والأنف، ليتم نقلها إلى قسم الطوارئ ثم إلى العناية المكثفة".

وتوضح أن حالة زوجة شقيقها تدهورت لاحقًا نتيجة نزيف داخلي حاد وصعوبات في التنفس بسبب تجمع السوائل في الرئتين، قبل أن تفارق الحياة بعد أيام من المعاناة.

 

أرقام مقلقة

وتأتي هذه المأساة في وقت تشهد فيه الولاية الشمالية، تزايدًا ملحوظًا في حالات الإصابة بحمى الضنك. وتقول عضو اللجنة التمهيدية لنقابة أطباء السودان، دكتورة أديبة إبراهيم السيد، لـ"صوت الأمة"، إن محلية مروي سجلت نحو (159) حالة إصابة، فيما بلغ عدد الإصابات في الدبة -خاصة داخل مخيمات النازحين- نحو (250) حالة، إلى جانب أربع حالات وفاة مرتبطة بالمرض.

وأضافت أن هذه الأرقام تعكس تدهور الوضع الصحي في عدد من المناطق، خاصة مع ضعف الخدمات الصحية وتراجع برامج مكافحة النواقل والإصحاح البيئي، محذرة من انتقال المرض إلى ولايات أخرى إذا لم تُتخذ إجراءات عاجلة للحد من انتشاره.

ولا تقتصر معاناة المرض على الحالات التي تنتهي بالوفاة، إذ يروي عبد الله الشيخ (52 عامًا) من منطقة سوركتي بالولاية الشمالية، تفاصيل تجربته القاسية مع الإصابة بحمى الضنك، واصفًا الأيام العشرة التي قضاها تحت وطأة المرض بأنها من أصعب الفترات في حياته.

وقال في حديثه لـ"صوت الأمة"، إن الأعراض بدأت بارتفاع حاد في درجة الحرارة، مصحوب بصداع شديد وآلام في المفاصل والعضلات وإرهاق عام، أفقده القدرة على ممارسة حياته بصورة طبيعية.

وأضاف أن حالته الصحية تدهورت خلال الأيام الأولى بسبب تأخر التشخيص وصعوبة الوصول إلى الرعاية الصحية المناسبة، مشيرًا إلى أنه ظل طريح الفراش لأكثر من عشرة أيام، بينما اقتصر العلاج الذي تلقاه على خافضات الحرارة والمحاليل الوريدية، لتعويض السوائل ومواجهة الجفاف.

وأشار الشيخ إلى أن تجربته كشفت له حجم المعاناة التي يواجهها المرضى في المناطق الطرفية، داعيًا إلى تكثيف حملات مكافحة البعوض، وتعزيز التوعية بأهمية الوقاية والتدخل المبكر عند ظهور الأعراض.

 

أكثر من (1000) حالة ملاريا و(125) ضنك بالنيل الأبيض

وتعليقًا على ذلك، أكدت دكتورة أديبة، أن الوضع الصحي لا يقتصر على حمى الضنك وحدها، بل يشهد كذلك ارتفاعًا كبيرًا في معدلات الإصابة بالملاريا وعدد من الأمراض الوبائية الأخرى، في ظل ضعف الخدمات الصحية والنقص الحاد في الأدوية والمستهلكات الطبية، خاصة الأدوية المنقذة للحياة.

وأضافت أن انتشار الأمراض الوبائية يرتبط بصورة مباشرة بغياب النظافة العامة وتردي صحة البيئة، مشيرة إلى أن ولاية النيل الأبيض تشهد بدورها تزايدًا في الإصابات، خاصة في منطقة الملاحة والقرى المجاورة لها.

وأوضحت أن عدد الإصابات بالملاريا في الولاية تجاوز ألف حالة، بينما بلغت حالات الإصابة بحمى الضنك نحو (125) حالة، محذرة من أن استمرار هذه الأوضاع قد يؤدي إلى اتساع نطاق انتشار الأمراض الوبائية خلال الفترة المقبلة.

 

الخريف يعيد المخاوف

وفي المقابل، تؤكد وزارة الصحة الاتحادية، أن جهود المكافحة أسهمت في خفض معدلات الإصابة خلال الأشهر الماضية.

وقال وكيل وزارة الصحة الاتحادية المكلف ومدير الإدارة العامة للطوارئ ومكافحة الأوبئة، دكتور منتصر محمد عثمان، لـ"صوت الأمة"، إن حالات الإصابة بحمى الضنك انخفضت بنسبة بلغت (50%) حتى نهاية الأسبوع الماضي، نتيجة للجهود المشتركة التي نفذتها الوزارة بالتعاون مع وزارات الصحة بالولايات.

وأوضح أن هذه الجهود شملت حملات واسعة للتوعية بمخاطر المرض وطرق الوقاية منه، إلى جانب تدريب الكوادر الطبية والصحية على تشخيص الحالات والتعامل معها وعلاجها بصورة سليمة.

وأضاف أن فصل الصيف يشهد عادة انخفاضًا في كثافة البعوض الناقل للمرض، الأمر الذي يسهم في تراجع معدلات الإصابة، مشيرًا إلى أن التقارير الواردة من إدارات مكافحة النواقل، أظهرت انخفاضًا واضحًا في أعداد الحالات خلال الفترة الأخيرة.

وعلى الرغم من ذلك، حذر الوكيل من أن موسم الخريف قد يشهد زيادة كبيرة في توالد البعوض الناقل لحمى الضنك، ما قد يؤدي إلى ارتفاع معدلات الإصابة مجددًا إذا لم تُكثف التدابير الوقائية وحملات المكافحة بصورة مبكرة.

وأشار إلى أن الولايات التي لا تزال تسجل إصابات بحمى الضنك تشمل: الخرطوم والجزيرة ونهر النيل والولاية الشمالية وولاية النيل الأبيض، مؤكدًا استمرار عمليات الرصد الوبائي واتخاذ التدابير اللازمة للحد من انتشار المرض.

وبينما تتحدث السلطات الصحية، عن تراجع نسبي في معدلات الإصابة، بفضل حملات المكافحة والتوعية، تحذر الوزارة –نفسها- من أن اقتراب موسم الخريف قد يعيد حمى الضنك إلى الواجهة بقوة إذا لم تُعزز جهود مكافحة النواقل وتحسين خدمات الإصحاح البيئي والرعاية الصحية.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...