محللون :هذه الانسحابات قد تترك آثاراً مباشرة على الكفاءة القتالية للدعم السريع

التطورات  تفتح الباب أمام تنامي الشكوك الداخلية ومخاوف التخوين

الدكتور مصطفى الجميل: ظاهرة الانشقاقات داخل الحركات والتنظيمات المسلحة في السودان ليست جديدة

الجميل : انشقاق فارس النور تأثيره محدود سياسياً ولا يمتلك تأثيراً عسكرياً

مراقبون: ابتعاد شخصيات مدنية وإعلامية بارزة، مثل فارس النور يعكس تصدعاً داخل النخبة المدنية والتكنوقراطية

وليد دفع الله: استمرار الانشقاقات يمثل مؤشراً واضحاً على وجود تحديات داخلية

صوت الأمة – سارة عطية

في وقت تتواصل فيه الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع للعام الرابع، برزت خلال الأشهر الأخيرة مؤشرات متزايدة على حدوث تحولات داخل معسكر الأخير، تمثلت في خروج عدد من القادة الميدانيين والشخصيات السياسية والإعلامية التي ارتبطت بالقوات خلال مراحل مختلفة من الصراع.

وأعادت هذه التطورات إلى الواجهة تساؤلات بشأن مدى تأثير الانشقاقات المتلاحقة على تماسك الدعم السريع ومستقبله السياسي والعسكري، خاصة في ظل الضغوط الميدانية وتراجع فرص التوصل إلى تسوية سياسية شاملة.

انشقاقات متصاعدة

وخلال الأشهر الماضية، أعلن عدد من الشخصيات والقيادات مغادرة صفوف الدعم السريع، من بينهم اللواء النور أحمد آدم المعروف بـ«النور قُبّة»، والقائد الميداني علي رزق الله الشهير بـ«السافنا»، إلى جانب ابتعاد شخصيات مدنية وإعلامية كان لها حضور في الخطاب السياسي والإعلامي للقوات، مثل فارس النور.

ويرى مراقبون أن أهمية هذه التطورات لا ترتبط فقط بعدد المنشقين، وإنما بما تعكسه من تباينات داخلية بشأن إدارة الحرب وخيارات المرحلة المقبلة.

ويعزو متابعون تصاعد وتيرة الانشقاقات داخل قوات الدعم السريع إلى تحولات جوهرية شهدها مسار العمليات العسكرية خلال الفترة الأخيرة، حيث أسهمت الضغوط الاقتصادية والميدانية وتراجع القدرة على السيطرة وتأمين بعض خطوط الإمداد في خلق حالة من عدم اليقين داخل البنية القيادية للقوات.

كما تعكس هذه الانشقاقات، وفقاً لمراقبين، تبايناً في الرؤى حول جدوى الاستمرار في خيار المواجهة العسكرية الشاملة، إلى جانب تنامي الشعور لدى بعض المكونات بغياب أفق سياسي واضح للحرب.

ويرى محللون أن هذه الانسحابات قد تترك آثاراً مباشرة على الكفاءة القتالية للدعم السريع، بحكم الطبيعة التركيبية للقوات واعتمادها على شبكات الولاء والعلاقات البينية، إذ إن خروج أي قائد أو مجموعة مؤثرة قد ينعكس على تماسك سلسلة القيادة والسيطرة، ويؤثر على الروح المعنوية للمقاتلين.

كما تفتح هذه التطورات الباب أمام تنامي الشكوك الداخلية ومخاوف التخوين، الأمر الذي قد ينعكس على مستوى التنسيق العملياتي بين الوحدات المختلفة في مسارح القتال.

وينظر بعض المراقبين إلى ابتعاد شخصيات مدنية وإعلامية بارزة، مثل فارس النور، باعتباره تطوراً يتجاوز البعد الشخصي، ويعكس تصدعاً داخل النخبة المدنية والتكنوقراطية التي سعت خلال فترات سابقة إلى تقديم الدعم السريع باعتباره مشروعاً سياسياً يتجاوز البعد العسكري.

ويرى هؤلاء أن مثل هذه الخطوات قد تُفسَّر باعتبارها مؤشراً على تراجع الثقة في المسار السياسي للقوات وصعوبة الدفاع عن بعض الممارسات المرتبطة بالحرب، الأمر الذي يضعف الخطاب السياسي والإعلامي الذي استند إلى شعارات التحول الديمقراطي ومناهضة النظام السابق، ويؤثر على صورة الدعم السريع أمام الرأي العام المحلي والدولي.

بين التأثير المحدود والتصدع الداخلي

وفي ظل الجدل حول مدى تأثير هذه الانشقاقات على مستقبل الدعم السريع، تختلف تقديرات المحللين بين من يعتبرها ظاهرة مألوفة في تاريخ الحركات المسلحة السودانية، ومن يرى أنها تحمل دلالات سياسية وعسكرية تتجاوز تأثيرها المباشر.

وقال المحلل السياسي الدكتور مصطفى الجميل إن ظاهرة الانشقاقات داخل الحركات والتنظيمات المسلحة في السودان ليست جديدة، وإن التجارب السابقة تشير إلى أن تأثيرها غالباً ما يكون محدوداً على القوة الأساسية للتنظيمات.

وأوضح أن الحركة الشعبية لتحرير السودان شهدت في مراحل سابقة انشقاقات بارزة قادها رياك مشار ولام أكول وكاربينو كوانين بول وأروك طون أروك، وهم شخصيات كانت تمثل ثقلاً سياسياً واجتماعياً وعسكرياً داخل الجيش الشعبي، إلا أن الحكومة السودانية في نهاية المطاف تفاوضت مع القيادة المركزية للحركة بقيادة جون قرنق دي مابيور.

وأضاف لـ«صوت الأمة» أن المشهد تكرر مع الحركات المسلحة في دارفور، حيث انشقت مجموعة الإصلاح عن حركة العدل والمساواة بقيادة الدكتور خليل إبراهيم، كما انشقت جبهة الخلاص عن حركة تحرير السودان بقيادة مني أركو مناوي، غير أن الحكومة آنذاك تفاوضت مع القيادات المركزية لهذه الحركات رغم الانقسامات التي شهدتها صفوفها.

ويرى الجميل أن الانشقاقات الأخيرة داخل قوات الدعم السريع قد تسير وفق السيناريو نفسه، مشيراً إلى أنها لن تؤدي بالضرورة إلى إضعاف الدعم السريع أو إنهاء الأزمة إذا كان الهدف منها إحداث خلل في تماسكه العسكري والسياسي.

وتوقع أن تكون أي مفاوضات مستقبلية بين القيادة المركزية لقوات الدعم السريع ممثلة في محمد حمدان دقلو، والقيادة المركزية للقوات المسلحة السودانية ممثلة في الفريق أول عبد الفتاح البرهان، باعتبارهما الطرفين الرئيسيين في الصراع.

وأكد أن خروج بعض القادة أو الشخصيات السياسية من أي طرف لا يعني بالضرورة حدوث تأثير جوهري على مجريات العملية العسكرية أو السياسية، مبيناً أن بعض حالات الانشقاق قد تحدث ضجة إعلامية لكنها لا تترجم إلى تغيير حقيقي في موازين القوى.

وفي تعليقه على خروج فارس النور، قال الجميل إن تأثيره – بحسب تقديره – محدود سياسياً، ولا يمتلك تأثيراً عسكرياً، معتبراً أن بروزه خلال الفترة الماضية ارتبط بالدور السياسي والإعلامي أكثر من ارتباطه بمراكز القوة الميدانية، وأن تعيينه في مناصب مرتبطة بالدعم السريع جاء في إطار ما وصفه بـ«الترميز السياسي والإعلامي» أكثر من كونه تعبيراً عن نفوذ حقيقي على الأرض.

وختم بالقول إن جميع الانشقاقات لها أثر إعلامي بدرجات متفاوتة، فقد يكون تأثيرها مؤقتاً ولحظياً، وقد يستمر إذا كانت مرتبطة بقيادات عسكرية تمتلك قوات أو نفوذاً ميدانياً، بينما يكون تأثير انشقاق القيادات السياسية أقل استدامة ويضعف مع مرور الوقت وزوال أسباب الانشقاق.

تحديات داخلية وتحالفات مأزومة

في المقابل، يرى محللون آخرون أن الانشقاقات الحالية تحمل مؤشرات لا ينبغي التقليل من أهميتها، خاصة عندما تشمل شخصيات عسكرية أو سياسية لعبت أدواراً مؤثرة داخل المشروع السياسي والإعلامي المرتبط بالدعم السريع.

وفي هذا السياق، قال المحلل السياسي الدكتور وليد دفع الله إن استمرار الانشقاقات داخل قوات الدعم السريع خلال الفترة الأخيرة يمثل مؤشراً واضحاً على وجود تحديات داخلية تتعلق بطبيعة إدارة التحالفات وتباين الرؤى بين قيادات وشخصيات كانت محسوبة على المشروع السياسي والإعلامي للقوات.

وأوضح أن أي حركة مسلحة تعتمد في بقائها على التماسك الداخلي ووحدة القيادة، وبالتالي فإن تزايد حالات الابتعاد أو الانسحاب من صفوفها، سواء على المستوى العسكري أو السياسي، يترك تأثيرات مباشرة على مستوى الانضباط والثقة بين المكونات المختلفة، وقد ينعكس على الأداء الميداني، خاصة في ظل حرب طويلة تتطلب درجة عالية من التنسيق والانسجام بين القيادة والعناصر التابعة لها.

وأضاف أن ابتعاد شخصيات كانت تُعد قريبة من قائد الدعم السريع، مثل فارس النور، يمكن قراءته في إطار التحولات التي فرضتها مجريات الحرب وتغير موازين القوى، إلى جانب وجود اختلافات في التقديرات السياسية حول مسار الصراع ومستقبل التسوية.

وبيّن أن مثل هذه المواقف لا تعبر فقط عن خلافات شخصية، بل قد تعكس مراجعات سياسية أوسع داخل الدائرة المؤيدة للدعم السريع.

وأشار إلى أن خروج شخصيات بارزة من المعسكر الداعم للدعم السريع يحمل أبعاداً سياسية وإعلامية مهمة، لأنه يؤثر على الصورة التي حاولت هذه القوى تقديمها عن وحدة الموقف وتماسك الجبهة المؤيدة لها، كما يمنح خصومها مساحة أكبر للتشكيك في قدرتها على الحفاظ على تحالفاتها السياسية والإعلامية.

وختم دفع الله حديثه لـ«صوت الأمة» بالتأكيد على أن استمرار هذه الانشقاقات ومدى تأثيرها الفعلي سيظل مرتبطاً بحجم الشخصيات المنسحبة ومواقعها داخل البنية التنظيمية، ومدى قدرة قيادة الدعم السريع على احتواء الخلافات وإعادة بناء حالة التوافق داخل صفوفها خلال المرحلة المقبلة.

وبينما يصعب قياس التأثير الفوري للانشقاقات الحالية على مسار الحرب، يتفق مراقبون على أنها تعكس حراكاً متزايداً داخل البيئة السياسية والعسكرية المرتبطة بالدعم السريع.

 

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...