حكاية الشاب السوداني أحمد.. رحلة هروب انتهت خلف القضبان
محامي تقديرات حقوقية تشير إلى وجود ما بين 300 و500 شاب ومراهق سوداني داخل السجون
حالات فشل كلوي وبلهارسيا داخل سجن خانيا باليونان
127 قضية و228 متهماً سودانياً
متوسط الأحكام يتراوح غالباً بين 10 و25 عاماً
السجناء يواجهون نقصاً حاداً في التمثيل القانوني وفي خدمات الترجمة
صوت الأمة: سارة عطية
عندما غادر الشاب السوداني أحمد تاج الدين عبد الله بلاده، لم يكن يبحث عن أكثر من فرصة للنجاة من الحرب وبناء مستقبل يعين أسرته على مواجهة ظروف النزوح والفقر. لكن الرحلة التي بدأت من السودان مروراً بليبيا انتهت به داخل أحد السجون اليونانية، حيث يقضي حكماً بالسجن لمدة عشر سنوات بتهمة تقول أسرته إنه أُجبر على ارتكابها تحت التهديد.
تقول والدته لـ(صوت الأمة): "والله كان سندي بعد ربنا". وتضيف أن أحمد كان العائل الرئيسي للأسرة، كما كان يتكفل برعاية طفل من ذوي الاحتياجات الخاصة يبلغ من العمر سبع سنوات.
وتروي أن ابنها غادر السودان في ظل الحرب إلى ليبيا، مثل آلاف الشباب السودانيين الذين دفعهم النزاع وانهيار الأوضاع الاقتصادية إلى البحث عن طريق للخروج من البلاد. وتقول: "فكرتو ألحقوا بالعيال.. يا غرقنا يا طلعنا".
وبحسب إفادتها، وصل أحمد إلى اليونان في السابع من أبريل 2024، وتم احتجازه في اليوم نفسه، ومنذ ذلك التاريخ ما يزال داخل السجن.
وتوضح أن السلطات اليونانية اتهمته بقيادة القارب الذي أقلّ المهاجرين عبر البحر إلى الأراضي اليونانية. إلا أنها تنفي أن يكون ابنها مهرباً، مؤكدة أنه لا يملك أي خبرة بحرية. وتقول: "عمرو ما بعرف البحر.. ساق تحت التهديد".
وتضيف أن المحكمة أصدرت بحقه حكماً بالسجن عشر سنوات، إلا أن محاميه أبلغ الأسرة بأن هناك فرصة لتخفيض العقوبة في حال قبول الاستئناف. وتقول: "سألت المحامي عن العشر سنوات، قال لو قبلوا الاستئناف ممكن تصل إلى سنتين ونصف".
ورغم مرور أكثر من عامين على احتجازه، ظل أحمد يتواصل مع والدته بصورة منتظمة من داخل السجن. وتقول إن آخر اتصال بينهما كان قبل أيام، مضيفة أن الاستئناف قيل لهم إنه قد يُنظر فيه بعد نحو ثلاثة أشهر.
وتشير أم أحمد إلى وجود سودانيين آخرين محتجزين داخل السجون اليونانية، يتواصل بعضهم معها أو مع أسرهم بصورة دورية، من بينهم فارس عبد الله سليمان وعلاء الدين عمر خميس وعبد الله الفاتح.
قصة أحمد ليست سوى واحدة من مئات القصص التي تتكرر بين الشباب السودانيين المحتجزين في اليونان.
مئات السودانيين خلف القضبان
قال المحامي والناشط الحقوقي الصادق عمر لـ(صوت الأمة) إن تقديرات حقوقية حديثة تشير إلى وجود ما بين 300 و500 شاب ومراهق سوداني داخل السجون ومراكز الاحتجاز اليونانية، خاصة في جزيرة كريت وخانيا وفولوس.
وأوضح أن أغلب هؤلاء يواجهون تهماً تتعلق بتهريب البشر أو النقل غير القانوني لمهاجرين غير نظاميين بموجب قوانين مكافحة التهريب المعمول بها في اليونان.
وأضاف أن السلطات تعتبر أي شخص قاد القارب أو ساعد في توجيهه أو حمل أجهزة الملاحة أو شارك في مهام بسيطة أثناء الرحلة مسؤولاً جنائياً، حتى وإن كان هو نفسه لاجئاً أو طالب لجوء.
وأشار عمر إلى أن المهربين الحقيقيين غالباً لا يكونون ضمن الموقوفين، بينما يتحول اللاجئون أنفسهم إلى متهمين. وأضاف أن كثيرين أُجبروا على قيادة القوارب تحت التهديد أو مقابل تخفيض تكلفة الرحلة.
وأضاف أن أغلب المعتقلين السودانيين تتراوح أعمارهم بين 15 و21 عاماً، وبينهم أطفال وقُصّر غير مصحوبين بذويهم فروا من الحرب في السودان. وذكر أن إحدى الحالات تعود لمراهق يبلغ من العمر 16 عاماً صدر بحقه حكم بالسجن عشر سنوات.
وأوضح أن الفترة الممتدة من عام 2022 وحتى نهاية 2025 شهدت صدور أحكام بحق نحو 200 لاجئ سوداني، فيما لا يوجد رقم موحد ودقيق لعدد من ينتظرون المحاكمة بسبب استمرار الاعتقالات والتدفقات عبر مسار ليبيا – اليونان.
وأضاف أن متوسط الأحكام يتراوح غالباً بين 10 و25 عاماً، بينما صدرت في بعض القضايا أحكام وصلت إلى مئات السنين، كما وصلت بعض العقوبات إلى السجن المؤبد.
وأشار إلى صدور حكم بالسجن 365 عاماً بحق لاجئ سوداني في ديسمبر 2025، بينما صدرت أحكام بالمؤبد بحق ستة شبان في إحدى القضايا خلال مارس 2025.
محاكمات سريعة وتمثيل قانوني محدود
وبشأن أوضاع المحتجزين، قال عمر إنها تثير مخاوف قانونية كبيرة، موضحاً أن بعض المحاكمات تستغرق ما بين 10 و15 دقيقة فقط.
وأضاف أن السجناء يواجهون نقصاً حاداً في التمثيل القانوني وفي خدمات الترجمة، الأمر الذي يحرمهم من فهم التهم الموجهة إليهم أو الدفاع عن أنفسهم بصورة كافية.
وأوضح أن فترة الاحتجاز قبل المحاكمة قد تستمر عدة أشهر، بينما قد تستغرق إجراءات الاستئناف ما بين عشرة أشهر وسنة كاملة.

وأشار إلى أن منظمات عدة تنشط في متابعة هذه القضايا، من بينها متاريس اليونان ومنظمة HIAS اليونان والمجلس اليوناني للاجئين.
تحديات تواجه الأسر
بحسب عمر، تواجه أسر المعتقلين سلسلة من الصعوبات تبدأ من انقطاع الأخبار بعد مغادرة أبنائهم ليبيا أو أثناء عبور البحر. وأضاف أن كثيراً من الأسر لا تعرف مكان وجود أبنائها أو أوضاعهم الصحية لفترات طويلة.
كما يشكل غياب المترجمين داخل السجون عائقاً أمام السجناء لفهم الإجراءات القانونية أو طلب التواصل مع أسرهم.
وتواجه الأسر أيضاً أعباء مالية بسبب ارتفاع تكلفة المكالمات الدولية، فضلاً عن التعقيدات الإدارية المتعلقة بإثبات صلة القرابة، والانقطاع المتكرر للاتصالات والإنترنت داخل السودان.
وأشار المحامي إلى ضعف الدور الدبلوماسي وعدم وجود قنوات منتظمة وفعالة لتسهيل التواصل بين المعتقلين وأسرهم.
327 سجيناً في 11 سجناً
وتدعم هذه الإفادات ما ورد في تقرير أعدته مجموعتا "50 Out of Many" و"متاريس للتضامن مع السودان"، والذي وثق أوضاع السجناء السودانيين خلال الفترة من 29 أبريل وحتى 29 ديسمبر 2025.
ووفقاً للتقرير، الذي حصلت (صوت الأمة) على نسخة منه، بلغ عدد السجناء السودانيين المسجلين 327 سجيناً، بينما خضعت 102 حالة لمتابعة تفصيلية.
وأشار التقرير إلى وجود السودانيين في 11 سجناً رئيسياً هي: خانيا، فولوس، أفلونا، كوردالوس، تريكالا، مالاندرينو، دوموكوس، نيغريتا، تريبولي، أغيوس بافلوس، وأفليدوس.
وأشار التقرير إلى أن سجن خانيا يضم 140 سجيناً سودانياً، بينهم 36 حالة خضعت للمتابعة التفصيلية، بينما يضم سجن فولوس 41 سجيناً، وكوردالوس 42 سجيناً، وأفلونا 70 سجيناً.
كما رصد وجود 8 سجناء في سجن نابولي، و6 في سجن تريكالا، و5 في سجن مالاندرينو، إضافة إلى حالات أخرى في سجون مختلفة، بينها كازافيتيا.
أطفال داخل السجون
ووثق التقرير وجود 13 قاصراً تقل أعمارهم عن 18 عاماً. وتوزعت الحالات بين أربعة أطفال يبلغون 15 عاماً، وأربعة في سن 16 عاماً، وخمسة في سن 17 عاماً.
وأشار التقرير إلى أن بعض الأطفال كانت لديهم وثائق تثبت أعمارهم الحقيقية، لكن السلطات اعتمدت على فحوصات طبية لتقدير العمر. كما رصد 63 شاباً تتراوح أعمارهم بين 18 و25 عاماً، بينهم 28 شاباً تتراوح أعمارهم بين 18 و20 عاماً، و35 شاباً بين 21 و25 عاماً.
ورصد كذلك 38 بالغاً بين 26 و40 عاماً، موزعين بين 22 شخصاً تتراوح أعمارهم بين 26 و30 عاماً، و12 شخصاً بين 31 و35 عاماً، وأربعة أشخاص بين 36 و40 عاماً.
أما من تجاوزوا سن الأربعين فبلغ عددهم ثلاث حالات فقط، تراوحت أعمارهم بين 41 و46 عاماً.
أسئلة متكررة داخل التحقيقات
ويتضمن التقرير نماذج من الأسئلة التي يقول السجناء إنها تتكرر خلال التحقيقات، من بينها: "هل كنت على القارب؟"، و"هل أنت من السودان؟"، و"من كان يقود القارب؟"، و"هل قدت القارب؟". ويرى معدو التقرير أن هذه الأسئلة تشكل أساساً لعدد كبير من القضايا التي يُتهم فيها اللاجئون بالتهريب.
127 قضية و228 متهماً
ورصد التقرير 127 قضية شملت 228 متهماً سودانياً. وتنوعت التهم بين النقل غير القانوني لمواطنين من دول ثالثة إلى الأراضي اليونانية، والدخول غير القانوني للبلاد، والمساعدة في عمليات الهجرة غير الشرعية، وحيازة أجهزة الملاحة.
وأشار التقرير إلى أن السجناء يعتمدون في دفاعهم على عدة دفوع قانونية، منها الحماية التي توفرها اتفاقية جنيف للاجئين لعام 1951، وحالة الطوارئ المتعلقة بحماية الأرواح من الغرق، والإكراه من قبل المهربين، إضافة إلى غياب بعض شهود الاتهام من عناصر خفر السواحل.

محاكمات وأحكام
وفي يونيو 2025، وثق التقرير محاكمة عشرة متهمين في خانيا، انتهت بتسع اتفاقيات اعتراف وحكم واحد بالسجن عشر سنوات.
وفي يوليو من العام نفسه، شملت المحاكمات 30 متهماً، انتهت 25 قضية منها باتفاقات اعتراف وأحكام ثابتة بالسجن عشر سنوات.
وفي سبتمبر 2025، سجل التقرير حالات براءة في هيراكليون وخانيا استناداً إلى اتفاقية جنيف، بينما صدرت أحكام بالسجن 25 عاماً بحق آخرين رفضوا اتفاقات الاعتراف.
وفي أكتوبر، جرى تحويل بعض القضايا إلى محاكم الأحداث بسبب صغر السن. وفي نوفمبر، رُصدت محاكمات في نابلبيو وخانيا. أما في ديسمبر 2025، فقد وثق التقرير جلسات مكثفة، بينها جلسة واحدة في 29 ديسمبر صدر خلالها حكم بالسجن عشر سنوات بحق 25 شخصاً استناداً إلى "اتفاق المحكمة".
اتفاق الاعتراف
وأشار التقرير إلى توثيق 70 حالة لاتفاقات الاعتراف، أو ما يعرف بـ(Plea Bargain).
وقال معدو التقرير إن بعض السجناء يوقعون هذه الاتفاقات دون وجود مترجم قانوني معتمد، ما يعني عملياً الاعتراف بصفة "مهرب"، وفقدان فرص اللجوء مستقبلاً، والتنازل عن حق الاستئناف.
أحكام بمئات السنين
كما وثق التقرير صدور أحكام وصفها بالقاسية، بينها حكم بالسجن 1360 عاماً في محكمة هيراكليون، وحكم آخر بالسجن 335 عاماً في محكمة خانيا.
وبحسب التقرير، بلغ عدد حالات البراءة الموثقة 12 حالة، مقابل 70 اتفاق اعتراف و21 حكماً بالسجن لمدة 25 عاماً.
أوضاع إنسانية صعبة
وفي الجانب الإنساني، تحدث التقرير عن حالات فشل كلوي وبلهارسيا داخل سجن خانيا، إضافة إلى أمراض جلدية مرتبطة بالاكتظاظ ونقص الصابون.
كما وثق نقص الأدوية الأساسية والحرمان من الرعاية الصحية الكافية. وأشار التقرير إلى وجود 12 شخصاً داخل بعض الزنازين المخصصة لخمسة أشخاص فقط، إلى جانب شكاوى بشأن نوعية الغذاء، بينها تقديم وجبات تحتوي على لحم الخنزير لسجناء مسلمين.
ورصد التقرير إضراباً عن الطعام نفذه سجناء في سجن خانيا خلال أكتوبر 2025 احتجاجاً على تردي الخدمات الطبية.
وتحدث أيضاً عن احتجاز بعض الأشخاص الذين حصلوا على البراءة لفترات تصل إلى ثلاثة أشهر إضافية تحت بند الاحتجاز الإداري.
كما أشار إلى تشغيل سجناء في السجون الزراعية مقابل احتساب أيام تخفيض للعقوبة بدلاً من الأجر المالي، إضافة إلى منع التواصل الهاتفي مع السودان في سجن فولوس.
وخلص التقرير إلى أن الانتهاكات الموثقة، بدءاً من إجراءات التوقيف والتحقيق والمحاكمة، وصولاً إلى ظروف الاحتجاز والرعاية الصحية، تمثل، وفقاً لمعديه، نمطاً ممنهجاً في التعامل مع اللاجئين السودانيين داخل منظومة السجون والمحاكمات المرتبطة بقضايا الهجرة في اليونان.



التعليقات (0)
جاري التحميل...