صوت الأمة- متابعات
في لحظة ثقافية فارقة، أعلنت الكاتبة والمخرجة الأمريكية السودانية الأصل عبير إبراهيم، إطلاق كتابها الجديد "رسائل حب إلى السودان" من مدينة جنيف، في عمل يوثِّق ملامح البلاد عبر عيون أبنائها، ويقدِّم سردًا بصريًا وإنسانيًا يتجاوز الصور النمطية التي ظلت تلاحق السودان لعقود طويلة.
الكتاب، الذي وُصف بأنه الأول من نوعه، لا يكتفي بعرض صور فوتوغرافية، بل يمثل مشروعًا توثيقيًا متكاملًا استمر لأكثر من عشر سنوات من العمل الميداني في مختلف أنحاء السودان، حيث يجمع أكثر من 200 صورة تعكس تنوعًا ثقافيًا وإنسانيًا يمتد عبر نحو 500 مجموعة عرقية، ويستند إلى تاريخ حضاري عميق يمتد لأكثر من 7000 عام.

توثيق في زمن الانهيار
يأتي إطلاق الكتاب في وقت حرج تمر به البلاد، مع دخول السودان عامه الرابع من الحرب، في ظل واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم. فقد أدى الصراع إلى نزوح ما يقارب 14 مليون شخص، إلى جانب تدمير واسع للبنية التحتية، بما في ذلك المواقع الثقافية والتراثية التي تتلاشى تدريجيًا.
في هذا السياق، لا يبدو الكتاب مجرَّد مشروع فني، بل محاولة لإنقاذ الذاكرة من الضياع، وتوثيقًا لما يمكن توثيقه قبل أن تختفي ملامحه تحت وطأة الحرب.
تنتمي عبير إبراهيم إلى خلفية مهنية في مجال الاقتصاد والتنمية، حيث نشأت في الولايات المتحدة داخل عائلة مهتمة بالتاريخ، وكان جدها من أوائل مَنْ أسسوا مكتبة وطنية في شرق السودان. هذا الإرث الثقافي لعب دورًا مهمًا في تشكيل وعيها المبكِّر بأهمية التوثيق.

في عام 2019م، عادت إلى السودان للعمل مع اليونيسف، في فترة اتسمت بالأمل عقب سقوط نظام عمر البشير. حينها، بدأت رحلتها الفعلية في استكشاف البلاد، متنقلة بين ولاياتها الثماني عشرة، حيث اكتشفت تنوعًا مذهلًا ظل بعيدًا عن السرد الرسمي.
تقول إبراهيم، إن كثيرًا من السودانيين أنفسهم لا يعرفون سوى القليل عن بلادهم، خاصة أولئك الذين نشأوا في العاصمة الخرطوم، التي تصفها بـ"الفقاعة". ومن خلال رحلاتها، اصطدمت بواقع مختلف تمامًا، ملئ بالتنوع الجغرافي والثقافي.
من دارفور إلى كسلا، ومن كردفان إلى شمال السودان، وثّقت قصص الناس، واكتشفت تفاصيل مدهشة، مثل الشلالات في جبل مرة، وممالك تاريخية كـ"تاجالي"، إلى جانب الإرث النوبي العريق.

الحكاية السودانية: ذاكرة شفوية
واحدة من أبرز ملاحظات إبراهيم كانت اعتماد السودانيين على التاريخ الشفوي، حيث تنتقل القصص عبر الأجيال دون تدوين. خلال رحلاتها، كانت تُستقبل في المنازل، وتُدعى لشرب الشاي، وهناك تبدأ الحكايات.
وتقول إن السودانيين يمتلكون شغفًا كبيرًا بالسرد، وغالبًا ما يقودها شخص إلى آخر، أو يفتح ألبوم صور قديم، في مشهد يعكس عمق الترابط الاجتماعي والكرم الذي يميز المجتمع السوداني.
مع اندلاع الحرب في 2023م، انتقلت إبراهيم إلى جنيف، حيث بدأت تلاحظ كيف يُنظر إلى السودان من الخارج. كثير من المسؤولين ورجال الأعمال كانوا يتحدَّثون عن "سودان الأمس" بحنين، بينما يجهل الجيل الجديد تاريخه.
هذا التناقض دفعها لاتخاذ قرار بجمع كلِّ ما وثَّقته في كتاب واحد، ليكون بمثابة جسر بين الماضي والحاضر، وبين الداخل والخارج.

مشروع يتحدى السرديات السائدة
"رسائل حب إلى السودان"، محاولة لإعادة تعريف السودان في الوعي العالمي. فهو يسلِّط الضوء على بلد غني بالحضارة، يضم عددًا من الأهرامات يفوق ما هو موجود في مصر، وكان حتى عام 2011م أكبر دولة في أفريقيا.
وعلى الرغم من ذلك، لا يزال السودان غائبًا عن المناهج الدراسية العالمية، بل وحتى المحلية، حيث تهيمن سرديات محدودة على التاريخ، وهو ما تسعى إبراهيم لتغييره.
من خلال تجربتها، تطرح إبراهيم رؤية أعمق لمفهوم إعادة الإعمار، مؤكدة أن الثقافة يجب أن تُعامل كبنية تحتية أساسية، لا كقطاع ثانوي. فكلما طال أمد الحرب، زادت كُلفة استعادة ما فُقد من تراث وهُوية.
شهد حفل إطلاق الكتاب حضورًا واسعًا من أبناء الجالية السودانية في المهجر، إلى جانب دبلوماسيين ومسؤولين، ما يعكس الاهتمام المتزايد بإعادة تقديم السودان بصورة مختلفة.





التعليقات (0)
جاري التحميل...