صوت الأمة: تقرير
بينما تدخل الحرب في السودان عامها الرابع دون مؤشرات واضحة على قرب نهايتها، تتجه الأنظار إلى العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، التي تستضيف هذا الأسبوع مشاورات تمهيدية للحوار السوداني – السوداني برعاية الآلية الخماسية، في محاولة جديدة لكسر الجمود السياسي وفتح مسار نحو تسوية تنهي الصراع المستمر منذ أبريل 2023.
غير أن الاجتماعات المرتقبة، التي تنعقد في الفترة من 3 إلى 5 يونيو الجاري، تصل إلى خط البداية وسط خلافات حادة بين القوى السياسية والمدنية حول طبيعة المشاركين وحدود التمثيل وأجندة العملية السياسية نفسها، الأمر الذي يعكس حجم الانقسام الذي لا يزال يطبع المشهد السوداني رغم اتساع دائرة الدعوات لإنهاء الحرب.
وتكتسب هذه المشاورات أهمية خاصة للفرقاء السودانيين بوصفها محطة مفصلية في جهود التمهيد لحوار أوسع يجمع أطرافاً تمثل اتجاهات سياسية ومدنية متعددة، بعضها يرفض الحرب ويدعو إلى تسوية شاملة، فيما ترتبط كتل أخرى بمواقف داعمة للجيش والدعم السريع، وذلك في ظل تعثر عدة مبادرات ومسارات حوار سابقة استضافتها عواصم إقليمية ودولية، بينها أديس أبابا والقاهرة وجنيف وبرلين.
وفيما تراهن بعض القوى السياسية على أن تمثل اجتماعات أديس أبابا خطوة أولى نحو إطلاق عملية سياسية أوسع، تنظر أطراف أخرى إليها باعتبارها محاولة لإعادة إنتاج مبادرات سابقة لم تحقق اختراقاً حقيقياً في الأزمة، الأمر الذي يضع المشاورات أمام اختبار صعب يتعلق بقدرتها على بناء حد أدنى من التوافق بين مكونات المشهد السوداني المتنازعة.
(تأسيس): أولوية وقف الحرب وإعادة بناء الدولة
وفي خضم هذا الجدل، تتمسك بعض القوى المشاركة في المشاورات بضرورة المضي في مسار الحوار باعتباره الخيار الأكثر واقعية لإنهاء الحرب.
وقال عضو اللجنة التنفيذية لتحالف (تأسيس) محمد عصمت يحيى إن مشاركة التحالف في المشاورات تنطلق من قناعة بضرورة إعطاء الأولوية لوقف الحرب وإنهاء معاناة المدنيين، إلى جانب معالجة ما وصفه بالاختلالات البنيوية التي ظلت تعاني منها الدولة السودانية لعقود.
وأوضح يحيى لـ(صوت الأمة) أن التحالف يستند في رؤيته إلى المبادئ التي تضمنتها مبادرة الآلية الرباعية وبيانها الصادر في سبتمبر الماضي، والتي تشمل وقف إطلاق النار، وفتح الممرات الإنسانية، وإطلاق عملية سياسية لا تشارك فيها الحركة الإسلامية أو حزب المؤتمر الوطني وواجهاته المختلفة.
وأضاف أن التحالف يرى أن التطورات الحالية تجاوزت مرحلة الحديث عن الإصلاح الأمني والعسكري بالصيغة التقليدية، مشيراً إلى أن رؤيتهم تقوم على تأسيس جيش وطني جديد ومهني يعكس التنوع السوداني ويستند إلى معايير قومية بعيداً عن الانتماءات السياسية والجهوية.
وبينما ركز تحالف (تأسيس) على أولوية وقف الحرب وإعادة بناء مؤسسات الدولة، برزت لدى قوى سياسية أخرى مخاوف تتعلق بكيفية إدارة العملية السياسية وتحديد الأطراف المشاركة فيها.
وفي هذا الإطار، اعتبر رئيس دائرة العلاقات الخارجية بالمكتب التنفيذي المكلف لحزب التحالف الوطني السوداني شهاب إبراهيم الطيب أن القضية الأكثر حساسية في أي عملية سياسية تتمثل في كيفية تحديد الأطراف المشاركة فيها.
وقال الطيب في حديثه مع (صوت الأمة) إن نجاح أي حوار يتطلب إشراك جميع القوى ذات الصلة بالأزمة، بما في ذلك الجهات الإقليمية الداعمة لطرفي الحرب، مع تشكيل لجنة تحضيرية تمثل مختلف المكونات السياسية والمدنية للإعداد لحوار سوداني يملكه السودانيون أنفسهم.
ورأى أن محاولات الدفع بواجهات جديدة مرتبطة بالحركة الإسلامية لإرباك العملية السياسية أصبحت معروفة ومكشوفة، معتبراً أن التنافس بين القوى المدنية المختلفة يمكن أن يسهم في تقريب وجهات النظر إذا ما توافرت الإرادة السياسية اللازمة.
وتتقاطع هذه المخاوف مع تحفظات أخرى أبدتها قوى محسوبة على معسكر الرافضين للحرب، حيث حذر حزب المؤتمر الشعبي – تيار علي الحاج – من محاولات لإدراج شخصيات وقوى محسوبة على المؤتمر الوطني المحلول ضمن المشاركين في الاجتماع التحضيري للحوار السوداني – السوداني، ملوحاً بمقاطعة العملية السياسية إذا مضت هذه الترتيبات قدماً.
واعتبر الحزب، في بيان، أن أي تعديلات على قوائم المشاركين خارج التوافقات المعلنة من شأنها تعميق الانقسامات بين القوى السياسية وإضعاف فرص الوصول إلى تسوية شاملة، محملاً الآلية الخماسية مسؤولية أي تداعيات قد تنجم عن ذلك أو تؤدي إلى إبطاء جهود معالجة الأزمة السودانية.
(صمود): ثلاثة مسارات لإنهاء الحرب
وإذا كانت الخلافات حول التمثيل تشكل أحد أبرز التحديات أمام المشاورات المرتقبة، فإن تباين الرؤى بشأن المسار الأمثل لإنهاء الحرب يظل بدوره حاضراً بقوة في مواقف القوى السياسية المختلفة.
وأكد الناطق باسم تحالف (صمود) جعفر حسن أن رؤية التحالف منذ اندلاع النزاع تقوم على العمل عبر ثلاثة مسارات متوازية تشمل المسار العسكري التفاوضي، والمسار الإنساني، ثم المسار السياسي.
وأوضح أن أي عملية سياسية جادة لا بد أن تستوعب القوى الداعمة للقوات المسلحة، والقوى الداعمة لقوات الدعم السريع، إلى جانب القوى الرافضة للحرب، مشيراً إلى أن الاجتماعات الحالية تنسجم مع الرؤية التي طرحها التحالف منذ بداية الصراع.
وأضاف أن "صمود" ستعمل على دعم أي جهود من شأنها التمهيد لتسوية سياسية شاملة تنهي الحرب وتؤسس لمرحلة انتقالية جديدة.

الكتلة بين المشاركة والتحفظ
الخلافات حول المشاركين في مشاورات أديس أبابا لا تقتصر على القوى الرافضة للحرب أو الداعمة لها، بل تمتد أيضاً إلى مكونات المعسكر المؤيد للجيش، حيث برزت تباينات داخل الكتلة الديمقراطية نفسها بشأن جدوى المشاركة في الاجتماعات وطبيعة الأطراف المدعوة إليها.
وقال القيادي بالكتلة الديمقراطية محمد وداعة إنهم لم يتلقوا دعوة للمشاركة في الاجتماعات، مؤكداً أنهم كانوا سيعتذرون عن الحضور حتى في حال تلقي دعوة رسمية، بسبب رفضهم لأي عملية تشارك فيها قوات الدعم السريع أو تحالف "تأسيس" بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
ووصف وداعة الاجتماعات بأنها محاولة لإضفاء شرعية على أطراف متهمة بارتكاب انتهاكات خلال الحرب، معتبراً أن فرص نجاحها محدودة في ظل تركيبتها الحالية.
وفي المقابل، برز داخل الكتلة الديمقراطية نفسها اتجاه أكثر انفتاحاً على المشاركة، عبّر عنه حاكم إقليم دارفور والقيادي بالكتلة مني أركو مناوي، الذي أعلن موافقة التحالف على المشاركة في الاجتماع التشاوري الذي دعت إليه الآلية الخماسية.
وقال مناوي في تدوينة على صفحته في فيسبوك إن الكتلة الديمقراطية ترى أن تحقيق السلام يجب ألا يكون على حساب العدالة، مشدداً على رفض أي ترتيبات تمنح امتيازات خاصة لقوات الدعم السريع.
وأكد أن حقوق الضحايا ومحاسبة المتورطين في الانتهاكات يجب أن تظل جزءاً أساسياً من أي تسوية سياسية مقبلة، معتبراً أن السلام المستدام لا يمكن أن يتحقق من دون عدالة تضمن إنصاف المتضررين من الحرب.
والتطور اللافت كان الانقسام الحاد داخل الكتلة الديمقراطية بشأن المشاركة في اجتماعات أديس أبابا، بعد إعلان أطراف داخل الكتلة المشاركة، وعلى رأسهم مني أركو مناوي. إلا أن تياراً تقوده حركة العدل والمساواة بزعامة جبريل إبراهيم تبنى موقفاً داعماً لاستمرار العمليات العسكرية، وتراجع عن المشاركة الحضورية المقررة مسبقاً.
وأصدر القطاع الإعلامي للكتلة الديمقراطية بياناً توضيحياً بتوقيع الأمين داؤود، أكد فيه أن الوفد الموجود حالياً في أديس أبابا هو الممثل الشرعي والوحيد للكتلة، مشيراً إلى وجود مستجدات مفاجئة دفعت أطرافاً إلى التراجع عن مواقفها ومحاولة عقد اجتماعات موازية عبر تطبيق «زووم»، وهو ما اعتبره البيان تصرفاً لا يمثل المؤسسة الرسمية، بل يعبر عن مواقف أصحابه الشخصية فقط.
وبينما تتجه الوفود إلى أديس أبابا حاملة رؤى متباينة لمستقبل البلاد، يبقى السؤال الأبرز: هل تنجح هذه الجولة في تقريب المسافات بين الفرقاء السودانيين، أم تنضم إلى قائمة المبادرات التي اصطدمت بخلافات السياسة والحرب؟



التعليقات (0)
جاري التحميل...