خاص- صوت الأمة

تواجه مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، أوضاعًا إنسانية وخدمية متدهورة في ظل أزمة مياه خانقة وانقطاع متواصل للكهرباء وتراجع الخدمات الصحية، بالتزامن مع تصاعد هجمات الطائرات المُسيّرة المنسوبة لقوات الدعم السريع، ما يضع مئات الآلاف من السكان أمام تحديات متزايدة للبقاء في واحدة من أكثر المدن السودانية تأثرًا بتداعيات الحرب.

وأفاد شهود عيان من المدينة لـ"صوت الأمة"، أن أزمة مياه الشرب أصبحت جزءاً من الحياة اليومية للسكان، في وقت تعرضت فيه مصادر المياه في المناطق الشمالية لأضرار كبيرة، فيما تسيطر قوات الدعم السريع على أجزاء من تلك المناطق.

العطش يهدد السكان

وأعرب عدد من سكان مدينة الأبيض عن مخاوفهم من حدوث ندرة في السلع الغذائية أو تضاعف أسعارها إلى مستويات غير مسبوقة خلال الفترة المقبلة.

وقال مواطنون تحدثوا لـ"صوت الأمة"، إن الحياة داخل المدينة لم تتوقف بالكامل، إلا أن الظروف الحالية تجعل السكان يشعرون بأنهم يعيشون في وضع يشبه الحصار.

وأضافوا: "على الرغم من أن الحياة مستمرة، فإن ما تمر به المدينة يشبه الحصار إلى حدٍّ بعيد، والناس في حاجة إلى تدخل عاجل اليوم قبل الغد".

وبحسب إفادات الشهود، فإن الوضع الصحي يشهد تدهورًا متسارعًا نتيجة الانقطاع المستمر للتيار الكهربائي، الأمر الذي أثر على المرافق الصحية والخدمية، وأدى إلى تفاقم معاناة المواطنين.

هجمات مُسيّرة تستهدف البنية التحتية

ومنذ نحو أسبوعين، تتعرض مدينة الأبيض لسلسلة من الهجمات بالطائرات المُسيّرة، استهدفت محطة الكهرباء الرئيسة ومحطات الوقود ومواقع مدنية أخرى، ما أسفر عن سقوط قتلى وجرحى، وتسبب في أضرار واسعة بالبنية التحتية.

ولم تصدر قوات الدعم السريع أي تعليق رسمي بشأن الاتهامات المتعلقة باستهداف المدينة.

كما أدت الهجمات الأخيرة إلى انقطاع كامل للتيار الكهربائي وتراجع إمدادات المياه، بعد استهداف منشآت حيوية ومحطات كهرباء رئيسة وطلمبات الوقود.

مناشدات متكررة بلا استجابة

في الأثناء، تتصاعد أصوات المواطنين والناشطين في المدينة للمطالبة بتدخل عاجل لمعالجة الأوضاع الإنسانية والخدمية المتدهورة.

وقال ناشط في العمل الإنساني بمدينة الأبيض، فضل حجب هويته لـ"صوت الأمة": "الجميع متخوف من تكرار سيناريو الفاشر قبل سقوطها. يشعر الناس بأنهم يتجهون إلى مرحلة خطيرة بعد ما جرى في عاصمة شمال دارفور. الوضع وصل إلى درجة من الفوضى تتطلب التعامل معه بمنتهى المسؤولية".

وأضاف: "أطلقنا الكثير من المناشدات بشأن الوضع في الأبيض. الجيش يقول إن الأوضاع تحت السيطرة وإن الخدمات ستعود، لكن الواقع مختلف. المُسيّرات تقصف بصورة شبه يومية، فيما يشهد الوضع الصحي والخدمي والمعيشي انهيارًا كاملًا".

ضحايا مدنيون داخل مراكز الإيواء

وأعلنت شبكة أطباء السودان، الإثنين، مقتل شخصين وإصابة (19) آخرين، بينهم تسعة أطفال وثلاث نساء، جراء استهداف طائرات مُسيّرة قالت إنها تتبع لقوات الدعم السريع لمعسكر إيواء للنازحين بمدينة الأبيض.

وقالت الشبكة في بيان إن "استهداف معسكر الإيواء الموحد بمدينة الأبيض أسفر عن مقتل اثنين من النازحين وإصابة (19) آخرين، بينهم أطفال ونساء، في حادثة جديدة تطال المدنيين داخل المدينة".

تحذيرات أممية متصاعدة

وتزامنًا مع تدهور الأوضاع الميدانية، حذرت الأمم المتحدة من تصاعد الهجمات بالطائرات المُسيّرة في إقليم كردفان، مشيرة إلى أن هذه الهجمات تسببت في مقتل ما لا يقل عن (880) مدنيًا خلال الفترة الممتدة بين يناير (كانون الثاني) وأبريل (نيسان) 2026م.

كما حذرت المنظمة الدولية، الخميس، من خطر اندلاع موجة جديدة من العنف واسع النطاق في مدينة الأبيض، وسط تقارير عن حشود عسكرية كبيرة لقوات الدعم السريع، وتصاعد هجمات المُسيّرات والقصف المدفعي.

قلق أمريكي ودعوات دولية لوقف الهجوم

وأعربت الولايات المتحدة، الإثنين، عن قلقها البالغ إزاء التقارير التي تفيد بحشد قوات الدعم السريع وحلفائها قواتهم حول مدينة الأبيض.

وقالت وزارة الخارجية الأمريكية في بيان إن هذه التحركات "تزيد بشكل كبير من خطر العنف ضد المدنيين، بما في ذلك الهجمات على الأعيان المدنية".

وفي السياق ذاته، دعت (29) دولة، الخميس، قوات الدعم السريع إلى وقف أي هجوم محتمل على المدينة، محذرة من تداعيات إنسانية كارثية قد تطال مئات الآلاف من المدنيين.

الدعم السريع تلتزم الصمت وتلوّح بالتصعيد

تلتزم قوات الدعم السريع الصمت إزاء التحذيرات الدولية والأممية المتزايدة بشأن الأوضاع في مدينة الأبيض، غير أن تقارير ميدانية متطابقة تتحدث عن حشود عسكرية وانتشار مكثف لقواتها في محيط المدينة.

وعلى الرغم من غياب أي إعلان رسمي من جانب الدعم السريع بشأن نياتها العسكرية تجاه الأبيض، فإن مقاطع فيديو تبثها عبر قنواتها على تطبيق "تيليغرام" ويتداولها عناصرها على منصات التواصل الاجتماعي، تظهر مقاتلين يتوعدون باجتياح المدينة والسيطرة عليها.

كما تظهر تلك المقاطع أرتالًا من المركبات القتالية التابعة للقوات وهي تتحرك باتجاه مدينة الأبيض، فيما يؤكد متحدثون ظهروا في التسجيلات أن الهدف من هذه التحركات هو طرد قوات الجيش من المدينة وبسط السيطرة عليها.

مدينة بين نيران الحرب وأزمة البقاء

ومع استمرار الهجمات على المنشآت الحيوية وتراجع الخدمات الأساسية وتزايد المخاوف من اتساع رقعة المواجهات العسكرية، تبدو مدينة الأبيض أمام اختبار إنساني صعب، وسط مطالب متزايدة بتدخل عاجل لتأمين الخدمات الأساسية وحماية المدنيين ومنع انزلاق الأوضاع إلى مرحلة أكثر خطورة.

 

 

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...