صوت الأمة: تقرير

أثار إعلان قائد كتائب البراء بن مالك، المصباح أبو زيد طلحة، عزمه زيارة اللاجئين السودانيين في معسكر كيرياندونغو بأوغندا موجة واسعة من الجدل والرفض وسط اللاجئين ومنظمات حقوقية، انتهت بإلغاء الزيارة ومغادرته كمبالا إلى المملكة العربية السعودية قبل أن يتوجه لاحقاً إلى جوبا، بحسب ما نشره في صفحاته على مواقع التواصل الاجتماعي.

وكان المصباح قد نشر قبل أيام مقطع فيديو أعلن فيه عزمه زيارة اللاجئين السودانيين في معسكر كيرياندونغو، موضحاً أن الهدف من الزيارة تفقد أوضاعهم والوقوف على احتياجاتهم وتقديم المساعدة لهم، وذلك ضمن جولة أفريقية شملت تنزانيا ورواندا وكينيا وأوغندا.

شخصية مثيرة للجدل

ويُعد المصباح أبو زيد طلحة من أبرز الوجوه المرتبطة بكتائب البراء بن مالك، وهي مجموعة مسلحة تقاتل إلى جانب الجيش في الحرب الدائرة ضد قوات الدعم السريع منذ أبريل 2023. وبرز اسمه خلال السنوات الأخيرة من خلال حضوره الإعلامي ومشاركته في عدد من المعارك والأنشطة المرتبطة بالكتائب، ما جعله شخصية مثيرة للجدل وسط قطاعات من السودانيين، لا سيما بين المتضررين من الحرب والنازحين واللاجئين.

وربما لهذا السبب قوبل إعلان الزيارة برفض سريع من قيادات مجتمع اللاجئين السودانيين في كيرياندونغو، الذين رأوا أن وجود شخصية عسكرية مرتبطة بأحد أطراف النزاع داخل المعسكر قد يهدد حالة الحياد التي تسعى مجتمعات اللاجئين للحفاظ عليها منذ وصولها إلى أوغندا.

رفض من مجتمع اللاجئين

وقال الناطق الرسمي باسم المكتب القيادي لمجتمع اللاجئين السودانيين في كيرياندونغو، عثمان آدم، لـ(صوت الأمة) إن اللاجئين السودانيين بالمخيم وصلوا إلى أوغندا بعد أن فقدوا كل شيء بسبب الحرب، ولم يتبق لهم سوى هويتهم الوطنية السودانية، لذلك اختاروا الابتعاد عن أجواء الصراع وأطرافه بحثاً عن حياة جديدة يسودها الأمن والأمان والاستقرار.

وأضاف أن الزيارة، حتى وإن كانت تحمل دوافع إنسانية كما أعلن المصباح، فإنها تظل مضرة بمجتمع اللاجئين وباستقرارهم، لأن الزائر وتنظيمه المسلح يعدان من الأطراف الفاعلة في الحرب التي أدت إلى تشريد السودانيين وفقدانهم لمنازلهم وأقاربهم ومصادر رزقهم.

وأشار آدم إلى أن مثل هذه الزيارة لا تراعي مشاعر الأسر التي فقدت أبناءها وأقاربها خلال الحرب، ولا أوضاع الأطفال الذين فقدوا ذويهم والنساء اللاتي ترملن بسبب النزاع، مؤكداً أن اللاجئين لا يريدون أن تلاحقهم الأطراف المسلحة إلى أماكن اللجوء التي قصدوها طلباً للأمان.

وقال إن المكتب القيادي يعتبر الزيارة غير مرحب بها، داعياً المصباح إلى العدول عنها إذا كان حريصاً بالفعل على أمن واستقرار اللاجئين السودانيين الذين اضطروا إلى مغادرة بلادهم وترك ممتلكاتهم خلفهم بسبب الحرب.

وأوضح أن القوانين واللوائح المنظمة لمعسكرات اللاجئين تمنع ممارسة الأنشطة السياسية داخل المعسكرات، لأن مثل هذه الأنشطة قد تعرض مجتمع اللاجئين للخطر أو للمساءلة من الجهات المختصة، مشيراً إلى أن اللاجئين السودانيين في كيرياندونغو ينتمون إلى خلفيات سياسية واجتماعية ومناطقية متعددة، وأن الحفاظ على التعايش والاستقرار داخل المعسكر يتطلب إبعاد المعسكرات عن الاستقطاب السياسي والعسكري.

وأضاف أن المكتب القيادي دعا اللاجئين إلى عدم الانخراط في أي أنشطة سياسية أو عسكرية والتركيز على قضاياهم الإنسانية والمعيشية، مؤكداً أن الأولوية بالنسبة للاجئين تتمثل في الأمن والتعليم والصحة والحصول على الخدمات الأساسية وليس الانخراط في صراعات سياسية مرتبطة بالحرب.

ويأتي موقف المكتب القيادي في ظل حساسية متزايدة تحيط بمعسكرات اللاجئين السودانيين في أوغندا، التي تستضيف آلاف الفارين من الحرب. ويخشى كثير من اللاجئين من انتقال حالة الاستقطاب السياسي والعسكري إلى مجتمعات اللجوء، الأمر الذي قد يؤثر على تماسكها الاجتماعي أو يخلق توترات بين المجموعات المختلفة داخل المعسكرات.

كما حمّل آدم الجهات الرسمية المعنية بشؤون اللاجئين، بما في ذلك مكتب رئيس الوزراء الأوغندي والمفوضية السامية لشؤون اللاجئين، مسؤولية أي تداعيات قد تنجم عن الزيارة المعلنة، مطالباً باحترام إرادة مجتمع اللاجئين والحفاظ على الطبيعة المدنية والإنسانية للمعسكرات.

تحذيرات حقوقية

وفي السياق نفسه، انضمت منظمات حقوقية إلى الأصوات الرافضة للزيارة. وقال المدير العام لمرصد جبال النوبة لحقوق الإنسان، الدكتور الفاضل سنهوري، لـ(صوت الأمة) إن المرصد يرفض بصورة قاطعة زيارة المصباح أبو زيد طلحة إلى معسكرات اللاجئين السودانيين في أوغندا، مطالباً السلطات الأوغندية والمفوضية السامية لشؤون اللاجئين بمنعه من دخول المعسكر وترحيله.

وأضاف سنهوري أن الزيارة تمثل استفزازاً مباشراً لآلاف اللاجئين السودانيين الذين فروا من الحرب والعنف والانتهاكات بحثاً عن الحماية والأمان، معتبراً أن وجود شخصية عسكرية مثيرة للجدل داخل أحد أكبر تجمعات اللاجئين السودانيين في المنطقة يشكل تهديداً لسلامتهم ويقوض المبادئ الإنسانية التي تقوم عليها الحماية الدولية للاجئين.

وقال إن اللاجئين الذين أجبرتهم الحرب على مغادرة بلادهم بحثاً عن الأمان لا ينبغي أن يواجهوا في أماكن لجوئهم شخصيات ارتبطت، بحسب المرصد، بأحداث دامية وانتهاكات خلال سنوات الصراع، مضيفاً أن معسكر كيرياندونغو يضم أعداداً كبيرة من السودانيين الفارين من مناطق الحرب وأن أي محاولة لاستغلال أوضاعهم لأغراض سياسية أو تنظيمية تتعارض مع مبادئ القانون الدولي الإنساني وحماية اللاجئين.

 

وأكد سنهوري أن معسكرات اللاجئين يجب أن تبقى مناطق آمنة ومحايدة لا تخضع للاستقطاب السياسي أو العسكري، مشيراً إلى أن المجتمع الدولي أنشأ منظومة حماية اللاجئين لضمان توفير الأمن والكرامة للمدنيين الذين أجبروا على الفرار من النزاعات المسلحة.

وأوضح أن السماح بمثل هذه الزيارات قد يثير مخاوف واسعة وسط اللاجئين ويبعث برسائل سلبية تتعارض مع الالتزامات الدولية الخاصة بحماية المدنيين وضحايا الحروب، داعياً الحكومة الأوغندية إلى الحفاظ على دورها كملاذ آمن لعشرات الآلاف من السودانيين الذين لجأوا إليها هرباً من النزاع.

مغادرة دون زيارة

ولا يقتصر الاعتراض على مجتمع اللاجئين ومنظمات حقوق الإنسان وحدها، إذ أثار إعلان الزيارة نقاشاً واسعاً بين السودانيين داخل أوغندا وعلى منصات التواصل الاجتماعي، حيث رأى معارضو الزيارة أن معسكرات اللاجئين يجب أن تبقى بعيدة عن الاستقطابات السياسية والعسكرية، بينما اعتبر آخرون أن أي مبادرات إنسانية يمكن تقييمها وفق طبيعتها وأهدافها بعيداً عن الانتماءات السياسية.

وبينما لم تصدر السلطات الأوغندية أو المفوضية السامية لشؤون اللاجئين بياناً رسمياً بشأن الزيارة المعلنة، انتهى الجدل عملياً بعد مغادرة المصباح أوغندا دون تنفيذ الزيارة التي أعلن عنها، لتبقى القضية مؤشراً على حساسية العلاقة بين مجتمعات اللاجئين السودانيين والأطراف المرتبطة بالحرب، وعلى حرص اللاجئين على إبقاء أماكن لجوئهم بعيدة عن الصراع

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...