مطالبات بتعليق العمل بشرط الضمان العيني

مستوردو المشتقات البترولية: القرار يعيد السوق إلى دائرة الاحتكار

وليد دليل: استمرار نهج معالجة الأزمات بإجراءات إدارية فوقية

أبو عبيدة أحمد: بدلًا من أن يكون الوقود مصدرًا للعملة الصعبة كما في السابق، أصبح اليوم أحد أكبر بنود استهلاك الدولار

صوت الأمة – ناهد محمد

 

لم يكد قرار مجلس الوزراء القاضي بدخول الدولة في عمليات استيراد المشتقات البترولية يجف حبره، حتى صدر توجيه جديد من بنك السودان المركزي إلى وزارة الطاقة والنفط، يقضي بربط منح شهادة عدم الممانعة لشركات استيراد المنتجات البترولية بإيداع ضمان عيني من الذهب عيار (21) لدى مصفاة السودان للذهب.

ويهدف القرار، وفق البنك المركزي، إلى إحكام الضوابط المنظمة لعمليات الاستيراد وضمان التزام الشركات العاملة في القطاع، غير أن التباين بين القرارات الصادرة عن مؤسسات الدولة المختلفة، يعكس استمرار حالة الارتباك في إدارة أحد أكثر الملفات الاقتصادية حساسية؟

 

أزمة النفط السوداني:

كان النفط في السابق يمثل مصدرًا مهمًا للنقد الأجنبي في السودان، إذ بلغت قيمة صادراته نحو (417) مليون دولار خلال عام 2017م، قبل أن ترتفع إلى حوالى (520) مليون دولار في عام 2018م، ثم تستقر عند مستوى يقارب (532) مليون دولار في عام 2019م.

إلا أن هذا القطاع شهد تراجعًا حادًا بعد ذلك. ويشير الخبير الاقتصادي أبو عبيدة أحمد سعيد، إلى أن صادرات النفط هبطت إلى نحو (65) مليون دولار في عام 2020م، ثم إلى (36) مليون دولار في عام 2021م، قبل أن تتراجع بصورة شبه كاملة إلى (1.2) مليون دولار فقط في عام 2022م، لتصل فعليًا إلى الصفر خلال عامي (2023م و2024م).

ووصف سعيد هذا التحول بأنه انتقال السودان خلال أقل من خمس سنوات، من دولة تصدر النفط بمئات الملايين من الدولارات، إلى دولة فقدت هذا المصدر بالكامل، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على ميزان النقد الأجنبي، وزاد من الضغوط على الاقتصاد الوطني.

 

تراجع الصادرات الكلية:

أظهر الخبير الاقتصادي أبو عبيدة أحمد سعيد، أن تأثير انهيار قطاع النفط لم يقتصر على فقدان عائداته المباشرة، بل امتد ليشمل الأداء العام للصادرات السودانية، فقد تراجعت قيمة الصادرات الكلية من نحو (5.9) مليار دولار في عام 2021م إلى (4.3) مليار دولار في عام 2022م، ثم إلى (3.6) مليار دولار في عام 2023م، لتصل إلى حوالى (3.1) مليار دولار في عام 2024م.

وأشار إلى أن المفارقة تكمن في أن أعلى مستويات الصادرات خلال هذه الفترة لم تكن مدفوعة بالنفط، وإنما بارتفاع مؤقت في بعض الصادرات غير النفطية، وهو ما يعكس تحول الاقتصاد من الاعتماد على قطاع رئيسي قوي، إلى الاعتماد على مزيج من القطاعات الهشَّة التي تتعرض للتراجع المستمر.

كما أن التحول الأكثر خطورة يتمثل في أن الوقود لم يعد مصدرًا للعملة الأجنبية كما كان في السابق، بل أصبح أحد أكبر البنود المستنزفة للدولار، مما زاد من الضغوط على موارد النقد الأجنبي في البلاد.

 

فاتورة استيراد الوقود:

شهدت فاتورة استيراد الوقود في السودان، ارتفاعًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، حيث بلغت نحو (991) مليون دولار في عام 2018م، قبل أن تقفز إلى (1.79) مليار دولار في عام 2019م.

وعلى الرغم من تراجعها إلى (1.25) مليار دولار في عام 2020م، فإنها عاودت الارتفاع لتصل إلى (2.24) مليار دولار في عام 2021م، مسجلة ذروتها عند نحو (2.87) مليار دولار في عام 2022م.

إلا أن السنوات اللاحقة شهدت انخفاضًا حادًا في قيمة واردات الوقود، لتتراجع إلى حوالى (890) مليون دولار في عام 2024م و(807) ملايين دولار في عام 2025م، غير أن هذا التراجع لا يعكس بالضرورة تحسنًا في أداء الاقتصاد أو انخفاضًا في الحاجة إلى الوقود، لكن يرجح أنه نتج عن تراجع القدرة على الاستيراد، بسبب شح النقد الأجنبي وتداعيات الحرب، الأمر الذي جعل الوقود يتحوّل من مصدر للعملات الصعبة إلى أحد أكبر البنود المستنزفة لها.

 

تساؤلات ومخاوف بشأن الضمان الذهبي:

حذرت الغرفة القومية لمستوردي المنتجات البترولية، من التداعيات المحتملة لتطبيق منشور بنك السودان المركزي الخاص باشتراط تقديم ضمان عيني من الذهب لاستيراد الوقود، معتبرة أن هذه الخطوة قد تؤدي إلى زيادة الطلب المحلي على الذهب ورفع أسعاره فوق المستويات العالمية، بما يخلق تشوهات في كُلفة سلعة تسعَّر أساسًا بالعملات الحرة.

وأشارت الغرفة إلى أن المنشور أثار عددًا من التساؤلات الجوهرية التي لم تجد إجابات واضحة حتى الآن، من بينها ما إذا كان الضمان مطلوبًا لكل شحنة أم لمرة واحدة فقط، وآلية تقييم الذهب، والأساس الذي سيتم وفقه احتساب قيمته، سواء بالسعر الرسمي أو السائد في السوق، فضلًا عن مدة الاحتفاظ بالضمان وكيفية استرداده، وما إذا كان سيعاد عينًا أم نقدًا، إضافة إلى الجهة التي ستتحمل مخاطر تقلبات أسعار الذهب.

وأكدت الغرفة أن غياب الوضوح بشأن هذه القضايا، يخلق حالة من عدم اليقين القانوني والمالي، ويرفع من المخاطر التشغيلية التي تواجه الشركات المستوردة.

ورأت أن اشتراط توفير كميات كبيرة من الذهب كضمان مسبق سيؤدي عمليًا إلى تقليص عدد الشركات القادرة على ممارسة نشاط الاستيراد، بما يحدُّ من المنافسة ويهدد بعودة الاحتكار إلى القطاع.

وأبدت مخاوفها من أن تفضي هذه الإجراءات، إلى تركيز سوق الاستيراد في أيدي عدد محدود من الشركات، الأمر الذي يتعارض مع مبادئ المنافسة العادلة وتكافؤ الفرص، وقد ينعكس سلبًا على السوق والاقتصاد الوطني.

وكان المنشور قد اشترط كذلك، اعتماد الربط الإلكتروني والتنسيق المباشر بين وزارة الطاقة والنفط ومصفاة السودان للذهب للتحقق الفوري من استيفاء شرط الضمان الذهبي قبل منح شهادات الاستيراد، ويضع هذا التحول المفاجئ في شروط استيراد الطاقة الشركات أمام تحديات كبيرة لتوفير غطاء مالي ثقيل من الذهب، وسط مخاوف متزايدة بشأن قدرتها التشغيلية وتأثير ذلك على استقرار إمدادات الوقود في الأسواق السودانية خلال الفترة المقبلة.

 

مطالب القطاع الخاص وحلول مقترحة:

ترى الغرفة القومية لمستوردي المشتقات البترولية، أن الأزمة الراهنة ليست ناتجة عن نشاط شركات استيراد الوقود، بل تعود في جوهرها إلى اختلالات هيكلية في تدفقات النقد الأجنبي وميزان المدفوعات.

وفي هذا الإطار، دعت الغرفة إلى الاستمرار في العمل بنظام المجموعات حتى نهاية عام 2026م، وفق البرنامج المعتمد مسبقًا، مع إخضاع التجربة لتقييم فني واقتصادي مستقل قبل اتخاذ أي قرار بشأن إلغائها.

وطالبت بتعليق العمل بشرط الضمان العيني من الذهب إلى حين استكمال المشاورات مع جميع أصحاب المصلحة، وتوضيح الجوانب القانونية والفنية والمالية المرتبطة بتطبيقه، بما يضمن وضوح الإجراءات ويحدُّ من المخاطر التي قد تواجه الشركات المستوردة.

وأكدت الغرفة أهمية تجنب أي سياسات أو إجراءات من شأنها إعادة تركيز نشاط الاستيراد في أيدي عدد محدود من الشركات، محذرة من انعكاسات ذلك على المنافسة وفاعلية السوق، وشددت كذلك على ضرورة إشراك القطاع الخاص في صياغة السياسات والضوابط المنظمة للقطاع، باعتباره شريكًا رئيسيًا في تأمين الإمدادات البترولية والحفاظ على استقرار الأسواق، بما يسهم في تحقيق التوازن بين المتطلبات التنظيمية واحتياجات النشاط الاقتصادي.

 

مخاوف من تغذية السوق الموازي:

يرى الخبير المصرفي وليد دليل، أن قرار بنك السودان المركزي يحمل عدة مفارقات تستدعي التوقف عندها، إذ يبدو أن الهدف منه يتمثل في توظيف عائدات الذهب، أو جزء منها، كغطاء يدعم الاحتياطي الرسمي ويساعد في ضبط حركة النقد الأجنبي المرتبطة بقطاع الطاقة.

ويشير دليل إلى أن هذا التوجه، يصطدم بطبيعة قطاع الوقود الذي يعتمد على السرعة والانسياب في الإجراءات، ولا يحتمل المزيد من التعقيدات الإدارية، فالسودان يواجه منذ أشهر أزمة وقود تنعكس بصورة مباشرة على قطاعات حيوية مثل الكهرباء والمواصلات وإنتاج الخبز، ما يجعل أي اشتراطات إضافية قد تؤدي إلى إبطاء إصدار الموافقات وتأخير وصول الشحنات، وبالتالي تفاقم أزمة الإمدادات.

وذكر أن المفارقة الأعمق تكمن في أن شركات استيراد المشتقات البترولية هي شركات تجارية ولوجستية في المقام الأول، ولا تمتلك عادةً احتياطيات من الذهب تمكنها من الوفاء بهذا الشرط بسهولة، وبناء على ذلك، ستضطر هذه الشركات إلى البحث عن الذهب وشرائه من السوق المحلية، الأمر الذي قد يؤدي إلى زيادة الطلب على المعدن النفيس في سوق يعاني أصلًا من الاضطراب وارتباطه بشبكات التهريب.

وحذر دليل من أن النتيجة المرجّحة لهذا الوضع قد تكون تنشيط السوق الموازي للذهب بدلًا من الحدِّ منه، بما يتعارض مع الأهداف المعلنة للقرار.

ولفت إلى أن الشركات الكبرى أو الجهات التي تمتلك علاقات مباشرة مع شبكات التعدين والتجارة، ستكون الأقدر على توفير الضمان المطلوب، الأمر الذي قد يؤدي إلى تركز سوق الاستيراد في أيدي عدد محدود من الفاعلين، وإقصاء الشركات الصغيرة والمتوسطة من المنافسة، بما يحمله ذلك من آثار سلبية على كفاءة السوق وتنوعه.

 

اشكاليات استرداد الضمان وتعقيدات التنفيذ:

أوضح الخبير المصرفي وليد دليل، أن قرار بنك السودان المركزي لم يوضح بصورة دقيقة آلية استرداد "الضمان العيني" من الذهب، ولا كيفية تسعيره ولا الجدول الزمني للإفراج عنه، وهو ما يثير حالة من الغموض حول الجوانب التنفيذية للقرار.

ويرى أنه في ظل غياب أي حوافز سعرية أو إعفاءات تجعل الالتزام بهذا الشرط مجديًا اقتصاديًا، فإن الشركات قد تلجأ إلى التحايل على الاشتراطات أو تحميل الكلفة النهائية للمستهلك عبر رفع أسعار الوقود، بما ينعكس سلبًا على السوق المحلي.

واعتبر أن هذا النهج يعكس نمطًا متكررًا في تعاميم البنك المركزي المتعلقة بالذهب والتجارة الخارجية، حيث تغيب آليات تسعير واضحة وعادلة تضمن قابلية التطبيق العملي، وتبقي القرارات في إطارها الإداري دون معالجة حقيقية للواقع الاقتصادي.

وأضاف أن الربط الإلكتروني المقترح بين وزارة الطاقة والنفط ومصفاة السودان للذهب، بالرغم من أهميته من حيث المبدأ، قد يتحول في بيئة تعاني من ضعف البنية التحتية للاتصالات والكهرباء وتشتت المؤسسات، إلى نقطة اختناق جديدة تؤدي إلى إطالة زمن الإجراءات بدلًا من تسريعها.

ونوه دليل، إلى أن القرار يعكس استمرار نهج معالجة الأزمات عبر إجراءات إدارية فوقية، بدل معالجة الأسباب البنيوية العميقة، وعلى رأسها تهريب الذهب وتعدد أسعار الصرف، وهي عوامل يرى أنها تمثل جوهر الأزمة الاقتصادية الراهنة.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...