الصحة العالمية: الأزمة الصحية في السودان بلغت مرحلة حرجة

 واقع المستشفيات في عدد من الولايات، يعكس التدهور المتسارع في القطاع الصحي

اللجنة التمهيدية لنقابة الأطباء السودانيين: الحرب خلفت خسائر فادحة في صفوف الكوادر الطبية

طبيبة: الحرب أسفرت عن تسجيل أكثر من 600 طبيب وكادر صحي بين قتيل وجريح

مستشفيات تعمل في ظروف بالغة الصعوبة وسط نقص حاد في المعدات الطبية والأدوية

صوت الأمة- نادرة محمد

في مشهد موجع يعكس عمق الأزمة الصحية في السودان، وثّقت مقاطع متداولة على وسائل التواصل

 

 الاجتماعي، لحظات وداع أبٍ لرضيعه الذي لم يعش سوى ساعات قليلة، بعد أن ولد في مدينة الدندر بولاية سنار، قبل أن توافيه المنية وسط ظروف وُصفت بالقاسية.

وبحسب روايات متداولة، فإن الأسرة أمضت ساعات في محاولة العثور على كادر تمريض داخل المستشفى من أجل تركيب "فراشة" للمحاليل الوريدية للطفل ولم تجد في المرة الأولى.

وتشير الإفادات إلى أن الأسرة لم تجد في البداية من يقدم الخدمة، فعادت الأم بالطفل إلى المنزل، بينما واصل الأب محاولاته ووجد كادر تمريض الذي  طلب منهم إحضار الطفل بسرعة خشية مغادرته المستشفى في وقت يعاني فيه المرفق الصحي من نقص واضح في الكوادر والإمكانات.

وتظهر المقاطع لحظة قيام الأب بحمل طفله في مشهد مؤلم، أثار موجة واسعة من التعاطف والغضب على منصات التواصل الاجتماعي، حيث طالب ناشطون بفتح تحقيق عاجل في ملابسات ما جرى، ومساءلة المسؤولين عن أي تقصير محتمل.

الحادثة، التي أعادت إلى الواجهة واقع المستشفيات في عدد من الولايات، يعكس التدهور المتسارع في القطاع الصحي.

وعلى الرغم من تفاوت حجم الأزمة بين الولايات، فإن التقديرات الصادرة عن الجهات الصحية والمراقبين، تشير إلى أن النظام الصحي يواجه ضغوطًا غير مسبوقة تهدد قدرته على الاستمرار في تقديم الخدمات الأساسية. وبين نزوح العاملين في القطاع الصحي، وتراجع إمكانات المستشفيات والمراكز العلاجية، تتواصل محاولات الصمود للحفاظ على الحد الأدنى من الرعاية الصحية لملايين السودانيين.

مساعدات إنسانية عاجلة لاحتواء الانهيار الصحي

تؤكد المؤشرات الصادرة عن منظمة الصحة العالمية، أن الأزمة الصحية في السودان بلغت مرحلة حرجة، مع تزايد الاحتياجات الإنسانية وتراجع قدرة المرافق الطبية على تقديم الخدمات الأساسية للسكان.

وتشير التقديرات إلى أن أكثر من 33 مليون شخص باتوا بحاجة إلى مساعدات إنسانية عاجلة، فيما يحتاج نحو 21 مليونًا إلى خدمات صحية أساسية. كما خرجت قرابة 37 في المائة من المرافق الصحية عن الخدمة، في حين تعرض أكثر من 70 في المائة من المنشآت الصحية الواقعة في مناطق النزاع لأضرار جزئية أو كلية.

وزادت الاعتداءات على القطاع الصحي من تعقيد المشهد، إذ تم تسجيل أكثر من 600 هجوم على المرافق الصحية منذ اندلاع الحرب، ما أسفر عن مقتل وإصابة مئات من العاملين في المجال الطبي. كما أدى نزوح ملايين السودانيين داخل البلاد وخارجها إلى ضغوط إضافية على الخدمات الصحية المحدودة أصلًا.

وفي موازاة ذلك، تشهد البلاد تفشيًا لعدد من الأمراض الوبائية، من بينها الملاريا والكوليرا والحصبة وحمى الضنك والتهاب الكبد الوبائي، الأمر الذي يفاقم التحديات أمام السلطات الصحية والمنظمات الإنسانية.

نزيف الكوادر... الخطر الذي يهدد بقاء النظام الصحي

تؤكد  اللجنة التمهيدية لنقابة الأطباء السودانيين المنتخبة، أن الحرب خلفت خسائر فادحة في صفوف الكوادر الطبية، في وقت تعاني فيه المؤسسات الصحية من نقص متزايد في الموارد البشرية اللازمة لتقديم الخدمات الأساسية.

وبحسب اللجنة، قُتل وأصيب مئات الأطباء والعاملين في القطاع الصحي منذ اندلاع النزاع، فيما أجبر تدهور الأوضاع الأمنية والإنسانية أعدادًا كبيرة من الكوادر الطبية على النزوح داخل السودان أو مغادرته إلى الخارج.

قالت الدكتورة عُديبة إبراهيم السعيد لـ"صوت الأمة": إن الوضع الصحي في السودان بلغ مرحلة بالغة الخطورة، مشيرة إلى أن الحرب أسفرت عن تسجيل أكثر من 600 طبيب وكادر صحي بين قتيل وجريح منذ اندلاعها.

وأضافت أن الإحصاءات المتوافرة تشير إلى مقتل نحو 222 طبيبًا أثناء أداء عملهم، إلى جانب أكثر من 378 إصابة بين أفراد الطواقم الطبية، فضلًا عن حالات اختفاء واعتقالات ونزوح واسعة طالت العاملين في القطاع الصحي".

وأوضحت السعيد أن نسبة كبيرة من المستشفيات خرجت عن الخدمة كليًا أو تعمل بقدرات محدودة، فيما أدى النقص الحاد في الكوادر إلى زيادة الأعباء على المنشآت الصحية العاملة.

شهادات ميدانية... جهود إنسانية في مواجهة الانهيار

تعكس إفادات العاملين في المجال الإنساني والطبي حجم التحديات التي يواجهها القطاع الصحي السوداني، في ظل استمرار الحرب واتساع رقعة الاحتياجات الصحية والإنسانية.

يقول الدكتور جافيد عبد المنعم من منظمة أطباء بلا حدود، إن الوضع الصحي في السودان يعكس "انهيارًا كبيرًا في النظام الطبي تحت ضغط الحرب"، مشيراً إلى أن العديد من المستشفيات تواصل العمل في ظروف بالغة الصعوبة وسط نقص حاد في المعدات الطبية والأدوية والإمدادات الأساسية.

من جانبه، أكد الدكتور شبل صحباني، ممثل منظمة الصحة العالمية في السودان، أن المنظمة تعمل على توسيع نطاق تدخلاتها الصحية مع تحسن إمكانية الوصول إلى بعض المناطق المتضررة.

وقال صحباني: "مع استمرار الوصول التدريجي لبعض المناطق، نقوم بتوسيع الدعم الصحي وإعادة تأهيل النظام الصحي تدريجيًا"، لافتاً إلى أن جهود المنظمة تركز على إرسال الإمدادات الطبية، ودعم المختبرات، وتشغيل العيادات المتنقلة للوصول إلى المجتمعات المتضررة وتوفير الخدمات الأساسية.

فيما تؤكد منظمات طبية وإنسانية دولية، أن تداعيات الأزمة تجاوزت الإصابات المباشرة الناجمة عن الحرب، لتشمل تراجع خدمات الرعاية الصحية الأساسية وانتشار الأمراض المرتبطة بسوء التغذية وتدهور الأوضاع البيئية والصحية.

إعادة هيكلة القطاع الصحي... محاولات لاستعادة الخدمات

وعلى الرغم من التحديات التي فرضتها الحرب على المنظومة الصحية، تتواصل في بعض المناطق جهود إعادة تشغيل وتأهيل المؤسسات الطبية الحكومية للحفاظ على استمرارية الخدمات العلاجية.

تقول الدكتورة منى المبارك لـ"صوت الأمة" إن مدينة أم درمان تشهد محاولات متواصلة لإعادة تشغيل وتطوير المستشفيات الحكومية، بهدف تعزيز قدرة القطاع الصحي على تلبية الاحتياجات المتزايدة للسكان.

وأوضحت أن عددًا من المؤسسات الصحية لا يزال يواصل تقديم خدماته بدرجات متفاوتة، من بينها مستشفى أم درمان التعليمي ومستشفى النو ومستشفى الأطفال والسلاح الطبي والمستشفى السعودي للولادة، إلى جانب مستشفى الدايات ومستشفى جايكا ومستشفى بشائر والمستشفى التركي ومركز أحمد قاسم ومستشفى المناطق الحارة.

وأضافت المبارك أن استمرار عمل هذه المؤسسات، بالرغم من شح الموارد والضغوط المتزايدة، يمثل ركيزة أساسية في جهود إعادة بناء الخدمات الصحية، مؤكدة أن إعادة تأهيل المستشفيات وتوفير الكوادر والإمدادات الطبية، تظل من أبرز الأولويات لضمان استعادة النظام الصحي لعافيته تدريجيًا.

من جانبها، ترى الدكتورة أميرة عبد الرحمن أخصائي إدارة الصحة، أن الحرب تسببت في تراجع حاد للخدمات الصحية في مختلف أنحاء السودان، وأدت إلى انهيار واسع في أداء العديد من المؤسسات الطبية، ولا سيما المراكز الصحية الحكومية التي تحملت العبء الأكبر في تقديم الخدمات للمواطنين خلال فترة النزاع.

وقالت عبد الرحمن لـ"صوت الأمة" إن كثيرًا من المرافق الصحية الحكومية كانت مهددة بالتوقف الكامل عن العمل، مشيرة إلى أن استمرار بعضها في تقديم الخدمات يعود إلى الجهود الاستثنائية التي بذلتها الكوادر الطبية والإدارية والعاملون في القطاع الصحي، بالرغم من الظروف المعقدة وشح الإمكانات.

وأكدت عبد الرحمن أن الأزمة الراهنة كشفت عن الحاجة الملحة إلى إعادة هيكلة القطاع الصحي بصورة شاملة، بما يضمن تعزيز كفاءة المؤسسات الصحية ورفع قدرتها على مواجهة الأزمات والطوارئ. كما شددت على أهمية تطوير آليات التشغيل والإدارة.

رؤية لإصلاح القطاع الصحي

يؤكد الدكتور حسن أبو ضلع المختص في الجودة ومكافحة العدوى، أن الأزمة الحالية تفرض ضرورة النظر إلى القطاع الصحي من منظور استراتيجي يتجاوز الاستجابة الطارئة إلى بناء نظام صحي أكثر قدرة على الاستمرار والتكيف مع التحديات.

ويشير أبو ضلع في حديثه لـ"صوت الأمة"، إلى أن النظام الصحي لا يقتصر على المستشفيات والمراكز العلاجية فحسب، بل يشمل منظومة متكاملة من المؤسسات والهياكل والسياسات والموارد البشرية التي تعمل على تقديم الرعاية الصحية للمجتمعات. وتضم هذه المنظومة الأطباء والممرضين واختصاصيي المختبرات والتخدير والأشعة والصحة والسلامة المهنية... وغيرهم من الكوادر التي تشكل العمود الفقري للخدمات الطبية.

ويرى أبو ضلع أن تطوير النظام الصحي يتطلب حزمة من الإجراءات، تبدأ بتعزيز البنية التحتية عبر إعادة تأهيل المستشفيات والمراكز الصحية وإنشاء مرافق جديدة، إلى جانب الاستثمار في تدريب وتأهيل الكوادر الطبية ورفع كفاءتها المهنية.

ويضيف أن الوقاية من الأمراض يجب أن تحتل موقعًا محوريًا في خطط الإصلاح من خلال دعم برامج التطعيم والفحص المبكر، بالتوازي مع تطبيق معايير الجودة والسلامة لتحسين مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين. كما يدعو إلى زيادة التمويل المخصص للقطاع الصحي وتعزيز الشراكات بين القطاعين العام والخاص، فضلًا عن توسيع استخدام التقنيات الحديثة والنظم الصحية الإلكترونية، بما يسهم في رفع كفاءة الإدارة وتطوير الخدمات.

ويؤكد أبو ضلع أن نجاح أية عملية إصلاح صحي يرتبط بتبني استراتيجية وطنية تستند إلى تقييم علمي دقيق للواقع الصحي، والعمل وفق منهجية مؤسسية تقوم على التنسيق وتكامل الأدوار بين مختلف الجهات المعنية. كما يشدد على أهمية دعم المؤسسات الصحية الحكومية بوصفها مؤسسات خدمية تضطلع بدور أساسي في توفير الرعاية الصحية للمواطنين، مع وضع أطر واضحة لتنظيم العلاقة بينها وبين القطاع الخاص وتوحيد السياسات الصحية بما يضمن تقديم الخدمات الطبية بصورة أكثر عدالة ويسرًا، خصوصًا في ظل الظروف الاستثنائية التي فرضتها الحرب.

أزمة مركبة تتجاوز الاستجابة الطارئة

تؤكد الدكتورة أميرة عبد الرحمن، أن الحرب تسببت في انهيار واسع للخدمات الصحية، لا سيما في المراكز الحكومية التي تحملت العبء الأكبر في تقديم الرعاية للمواطنين خلال فترة النزاع. وتقول إن هذه المؤسسات كانت ستخرج عن الخدمة بصورة كاملة لولا الجهود الاستثنائية التي بذلتها الكوادر الطبية والإدارية، للحفاظ على الحد الأدنى من الخدمات الصحية.

وتشدد عبد الرحمن على أن المرحلة المقبلة تتطلب إعادة هيكلة شاملة للقطاع الصحي وتطوير آليات إدارته وتشغيله، بما يضمن رفع كفاءة المؤسسات الصحية وتعزيز قدرتها على مواجهة الأزمات وتلبية الاحتياجات المتزايدة للسكان.

ويرى مختصون أن تجاوز هذه الأزمة لا يمكن أن يقتصر على المساعدات والإجراءات الإسعافية العاجلة، بل يتطلب رؤية طويلة المدى لإعادة بناء القطاع الصحي على أسس أكثر متانة واستدامة. وتشمل هذه الرؤية إعادة تأهيل البنية التحتية، واستعادة الكوادر الطبية، وتعزيز التمويل الصحي، وتوسيع نطاق الخدمات الأساسية، بما يضمن حماية حياة ملايين المدنيين وتأمين حقهم في الحصول على الرعاية الصحية في ظل استمرار الحرب وتداعياتها الإنسانية المتفاقمة.

وفي وقت تتواصل فيه الجهود المحلية والدولية للحد من آثار الأزمة، يبقى مستقبل النظام الصحي السوداني مرتبطًا بقدرته على الانتقال من مرحلة الصمود أمام الانهيار إلى مرحلة التعافي وإعادة البناء، وهي مهمة تبدو شاقة لكنها تظل ضرورة ملحة لضمان استقرار القطاع وحماية الصحة العامة في البلاد.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...