مراسلون دارفور- صوت الأمة
في أقصى غرب السودان، ما عادت المستشفيات ملاذًا للحياة في زمن الحرب، وكل يوم يمر يتحول القطاع الصحي في إقليم دارفور إلى خط دفاع هشّ يوشك على الانهيار. فمع استمرار النزاع المسلح وتفاقم نقص الإمدادات الطبية وتدمير البنية التحتية، تتراجع قدرة النظام الصحي يوما بعد يوم، في مشهد يعكس واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية تعقيدا في العالم اليوم..
وبينما تتسع رقعة الاحتياجات الإنسانية، تشير بيانات الأمم المتحدة لعام 2026 إلى أن أكثر من ستة ملايين شخص في دارفور باتوا بحاجة ماسة إلى مساعدات غذائية وصحية عاجلة. وفي المقابل، لا يعمل سوى نحو 10% من المرافق الصحية، وغالبها يعمل بقدرات محدودة للغاية، في ظل نقص حاد في الأدوية والمعدات واعتماد متزايد على دعم المنظمات الدولية لإبقاء ما تبقى من النظام الصحي قائمًا.
وتعاني مناطق عدة في إقليم دارفور من انتشار متزايد للأوبئة، مثل حمى الضنك والملاريا والكوليرا، في ظل تدهور الأوضاع الصحية ونقص الإمدادات الطبية وصعوبة وصول المساعدات الإنسانية إلى المتضررين. ويأتي ذلك مع استمرار الظروف الإنسانية الصعبة التي يشهدها الإقليم بفعل النزاع المسلح.
وقد أطلقت منظمة الصحة العالمية والأمم المتحدة ومنظمة أطباء بلا حدود تحذيرات متكررة من التدهور الحاد في الوضع الصحي، محذّرة من اتساع رقعة انتشار الأمراض وارتفاع المخاطر على حياة المدنيين، خصوصًا في مناطق النزوح والمخيمات التي تعاني هشاشة شديدة في الخدمات الأساسية.
كما تتفاقم الكارثة الصحية داخل مخيمات النزوح في دارفور، حيث تتحول الحياة اليومية إلى صراع صامت مع المرض والجوع وانعدام الرعاية الطبية. في خيام مكتظة تفتقر لأبسط مقومات النظافة، يتكدس الأطفال والنساء وكبار السن في ظروف قاسية، بينما تغيب الأدوية الأساسية وتندر الخدمات الصحية الأولية، ما يجعل حتى الأمراض البسيطة تهديدًا مباشرًا للحياة.
وفي هذه المخيمات التي يفترض أن تكون ملاذا مؤقتا، تمتد طوابير المرضى لساعات طويلة أمام نقاط طبية محدودة الإمكانات، يديرها متطوعون أو كوادر منهكة تعمل بما توفر من أدوات شحيحة. وتتحول المعاناة اليومية إلى مشهد إنساني ثقيل، حيث يختلط الألم بالأمل في انتظار دعم قد لا يصل بالسرعة الكافية لإنقاذ الأرواح.
نيالا .. نظام صحي شبه منهار
في قلب الأزمة الصحية والإنسانية التي تعصف بثالث أكبر بلد أفريقي للعام الرابع على التوالي بسبب الحرب المستعرة بين الجيش وقوات «الدعم السريع» ، تمثل مدينة نيالا عاصمة ولاية جنوب دارفور ومقر الحكومة الموازية التي شكلتها قوات «الدعم السريع» نموذج صارخ لإنهيار شبه كامل للنظام الصحي.
فمن بين العديد من المرافق الطبية التي كانت تخدم سكان المدينة قبل الحرب ، لم يتبقى سوى ثلاثة تعمل بامكانيات محدودة ؛ وهي «المستشفي التعليمي» و «التركي» و «نيالا التخصصي». فالمرفقان الطبيان الأخيران تدعمهما وتديرهما «الدعم السريع» من حيث التمويل والاشراف والتخطيط. كما تمنح منسوبيها الأولوية في العلاج مما خلص فرص المدنيين الحصول على العلاج.
ويواجه المستشفي التعليمي نقصًا حادًا في المعدات والأدوية وإنعدام الحد الادني من متطلبات التشغيل وانعدام الاجور وعدم وجود ضمانات لتحسين الأوضاع ، لجأ العاملون والأطباء في المستشفي إلى الاضراب ، والبعض ترك العمل وإلتحق بالمراكز الخاصة بحسب مصدرين طبيين تحدثا لـ«صوت الأمة»
من جهته ، قال مسؤول في حكومة تحالف السودان التأسيسي «تأسيس» إن المشكلة التي تعاني منها مستشفي نيالا التعليمي مالية بحتة. مضيفًا «قوات الدعم السريع لم تمول المستشفي التعليمي ولم تستطيع دفع أجور الاطباء والعاملين الذين كانوا يعملون في ظل ظروف سيئة»
دعم أقسام معينة ينقذ آلاف المرضى
تدعم منظمة أطباء بلاحدود قسم النساء والحوامل ، وقسم الامومة (النساء والتوليد). وقسم الجرحة. كما قامت بتأهيل قسم الأطفال.
وبحسب مصدر طبي يجرى قسم الأمومة عمليات الولادة القيصرية الطارئة مجانًا وتشمل الإجهاض ، حالات النزيف ، وتعثر الولادة الطبيعية بالإضافة إلى الولادة الطبيعية.
وأوضح المصدر الطبي أن مقابلة الطبيب في قسم الجراحة بمستشفي نيالا التعليمي مجانًا بالإضافة إلى الأدوية. كما تتم مقابلة الطبيب مجانيًا للأطفال.
وقال مصدر طبي أن المواطنين يعانون خطر المجاعة والموت الذي يشكله سوء التغذية في الولاية والمخيمات ، مشيرًا إلى أن النساء والأطفال والحوامل والمرضعات يعانين من سوء التغذية الحاد الشديد.
ولفت إلى أن عدم الاستجابة الكافية من جانب المنظمات الدولية ترك المواطنين في أجزاء واسعة من دارفور في وضع إنساني وصحي سيئ للغاية.

وفيات
تسبب إغلاق مركز غسيل الكلي بالمستشفي التخصصي بمدينة نيالا عاصمة ولاية جنوب دارفور بوفاة ثلاثة حالات خلال أيام عيد الأضحى في ظل تجاهل الحكومة الموازية بحسب مصدر طبي تحدث لـ«صوت الأمة»
وقال المصدر إنه تم إغلاق غسيل الكلي بمستشفي نيالا التخصصي أيام العيد دون أو يوضح السبب.
ويواجه المستشفي نقصًا حادًا في الأدوية والمستلزمات الطبية والمعدات الخاصة بالغسيل نتيجة لعدم توفر الجهات المعنية لميزانية للمركز.
ويعاني المركز من تهالك الأجهزة وانعدام الصيانة ، ممازاد من المخاطر الصحية للمرضى الذين أصبحوا يواجهون الموت بحسب مسؤولة في المركز تحدثت لـ«صوت الأمة»
وأفاد مصدر طبي إن أسباب الوفاة تعود إلى تراكم الفضلات السامة والسوائل في دم المريض مما يؤدي إلى مضاعفات مميتة والموت لاحقًا
ويستقبل مركز غسيل الكلي في المستشفي أكثر من عشرات المرضى يوميًا من مختلف محليات جنوب دارفور ، ممايجعل توقفه كارثة إنسانية غير مسبوقة تهدد حياة عشرات المرضي الذين يعتمدون عليه للبقاء على قيد الحياة.
الضعين .. أزمة صحية بعد تعطل مستشفي المدينة
في 20 مارس 2026 ، تسبب قصف جوي بطائرة مسيرة تابعة للجيش السوداني على مستشفي الضعين التخصصي بولاية شرق دارفور في خروجه عن الخدمة تمامًا.
كما أسفر القصف عن سقوط مالايقل عن 70 شخصًا. وبحسب مصادرأهلية فان المستشفي كان يخدم آلاف المواطنين.
مراكز بديلة
بعد خروج مستشفي الضعين التعليمي عن الخدمة ، أنشأ متطوعين أقسام صحية بديلة مزوعة في مناطق عدة في مدينة الضعين.
حيث تم تحويل عنبرالولادة إلى مركز حي العرب ، وقسم الأطفال إلى الميناء البري ، وقسم سوء التغذية للنساء وكبار السن والحوامل إلى حي القبة ، إضافة إلى تحويل عنبر الجراحة إلى مجمع التضامن الطبي.
ووصف الإعلامي أبوعلامة الخطوة بأنها إنقاذية بالغة الأهمية لسد الفراغ الكبير في الرعاية الطبية خاصة في ظل هذا الوضع.
أزمة دواء
تشهد ولايات دارفور تدهورًا إنسانيًا كارثيًا نتيجة تفاقم أزمة الدواء والمستلزمات الطبية المنقذة للحياة. حيث أدى إستمرار القتال بين الجيش وقوات «الدعم السريع» للعام الرابع على التوالي إلى توقف سلاسل الإمداد الرسمية. كما تعرض مخازن ومستودعات الامدادات الطبية في مدينة نيالا للحرق والنهب والتدمير في بدايات الحرب.
الفراغ الذي خلفه غياب الإمداد الدوائي الرسمي سُد بواسطة تجار عادين ، ونافذين في «الدعم السريع» وبعض الوكلاء الذين يقومون بجلب الأدوية بطرق تجارية وعبر شبكات تهريب.
«الدواء متوفر في المدينة .. لكن الأدوية الشرقية منعدمة .. الأدوية المتوفرة غير مسجلة لدى وزارة الصحة .. لاغيار أمامنا غير التعامل بها» يتحدث صاحب صيدلية في السوق الشعبي مدينة نيالا بجنوب دارفور الخاضعة لسيطرة قوات «الدعم السريع»
ويضيف «بعض الأدوية تفقد صلاحياتها ، خاصةً التي تحتاج إلى تبريد كالقطرات والحقن التي تصل وهي فاقدة الصلاحية»
وأضحت تجارة الأدوية المهربة نشاط دائم في ولايات دارفور الذي يهيمن عليه نافذين وقادة في «الدعم السريع» مستغلين نفوذهم العسكري بحسب طبيب فضل عدم ذكر إسمه.
تُشير التقارير الطبية المحلية إلى أن مايقارب 90 بالمئة من الأدوية المتداولة في مناطق سيطرة «الدعم السريع» بمافي مدينة نيالا هي أدوية مهربة تتدفق عبر شبكة تهريب على الحدود المفتوحة مع دول الجوار ليبيا ، جنوب السودان ، تشاد ، إفريقيا الوسطي.
وقال مصدر عسكري لـ«صوت الأمة» إن ارباح عائدات تجارة الدواء يستخدم لتمويل حراسة المسارات ومجموعات مسلحة تسهل عمليات التهريب.



التعليقات (0)
جاري التحميل...