لم تكن اجتماعات أديس أبابا مجرد محطة جديدة في رحلة البحث عن مخرج للحرب السودانية، بل كشفت أيضًا عن أزمة أعمق تضرب القوى السياسية التي يفترض أنها تشكل سندًا لأي مشروع للاستقرار أو الانتقال السياسي. فما جرى داخل الكتلة الديمقراطية، أكبر الحلفاء السياسيين للجيش، لا يمكن النظر إليه باعتباره خلافًا عابرًا حول المشاركة في اجتماع أو التوقيع على وثيقة، وإنما هو مؤشر جديد على حالة التفتت التي أصبحت السمة الغالبة للمشهد السوداني.

منذ اندلاع الحرب، ظلت الكتلة الديمقراطية تقدم نفسها باعتبارها مظلة سياسية موحدة للقوى المتحالفة مع الجيش، وبالرغم من التباينات الفكرية والتنظيمية بين مكوناتها، نجحت لفترة في إدارة خلافاتها تحت سقف التوافق، غير أن ما حدث في أديس أبابا أظهر أن الخلافات القديمة لم تختفِ، بل كانت مؤجلة تنتظر اللحظة المناسبة للخروج إلى العلن.

الأخطر من ذلك، أن الاتهامات المتبادلة داخل الكتلة، والحديث عن محاولات للإخضاع أو التفتيت، تعكس حجم أزمة الثقة بين الحلفاء أنفسهم. وهي أزمة لا تقتصر على هذا التحالف وحده، بل تكاد تشمل معظم التكوينات السياسية السودانية التي فشلت حتى الآن في بناء مؤسسات قادرة على إدارة الخلافات بصورة ديمقراطية ومستدامة.

السودان الذي يدخل عامه الرابع في أتون الحرب لا يحتمل المزيد من الانقسامات، فكل انشطار جديد داخل القوى السياسية يضيف تعقيدات جديدة إلى مشهد بالغ التعقيد أصلًا، ويضعف فرص الوصول إلى توافق وطني ينهي الحرب ويؤسس لسلام دائم. كما أن تعدد المنصات وتضارب المبادرات وتنازع مراكز القرار السياسية، لا يخدم سوى استمرار الأزمة وإطالة أمد المعاناة الإنسانية.

لقد أثبتت التجربة أن الحرب لا تنتج سوى المزيد من التفتيت، وأن القوى السياسية مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى بتغليب المصلحة الوطنية على الحسابات الفئوية والتنظيمية الضيقة. فالسودانيون الذين دفعوا أثمانًا باهظة خلال السنوات الماضية ينتظرون من قادتهم مشروعًا يوحّد البلاد، لا صراعات جديدة تعيد إنتاج الأزمة بأشكال مختلفة.

وما لم تدرك النخب السياسية خطورة اللحظة، فإن طريق التشظي الذي بدأت ملامحه تتسع قد يقود الجميع إلى واقع أكثر تعقيدًا وخطورة مما هو قائم اليوم.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...