عملية ما زالت تداعياتها السياسية والقانونية والإنسانية تلقي بظلالها على المشهد السوداني
رغم الاتهامات والوقائع المؤسسة العسكرية والأمنية تنفي مسؤوليتها عن فض الاعتصام
قانونيون وحقوقيون: العدالة لا تقتصر على المحاكمات بل تشمل كشف الحقيقة وجبر الضرر
الد الشهيد محمد هاشم مطر: الاعتصام مثّل أملاً في بناء دولة جديدة
صوت الأمة - نادرة المهدي
في أبريل عام 2019، تحولت الساحة المقابلة للقيادة العامة للقوات المسلحة في الخرطوم إلى مركز للحراك الشعبي السوداني. هناك تجمّع آلاف المعتصمين من مختلف الفئات والأعمار مطالبين بانتقال سياسي يقود إلى حكم مدني، بعد أشهر من الاحتجاجات التي انتهت بسقوط نظام الرئيس المخلوع عمر البشير.
تجاوز الاعتصام كونه مساحة للاحتجاج السياسي، وشكّل بالنسبة إلى كثيرين نموذجاً مصغراً لما يتطلعون إليه في مستقبل بلادهم. فقد امتلأت الساحة بالنقاشات حول الدولة المدنية والسلام والعدالة، بينما تحولت الخيام إلى فضاءات للنشاط الثقافي والفني والسياسي.
غير أن ذلك المشهد انتهى بصورة دراماتيكية في الثالث من يونيو 2019، عندما فُضّ الاعتصام في عملية ما زالت تداعياتها السياسية والقانونية والإنسانية تلقي بظلالها على المشهد السوداني حتى اليوم.
ذكرى لا تغادر المشهد السوداني
بعد مرور سنوات على فض الاعتصام، لا تزال القضية حاضرة في النقاش العام باعتبارها واحدة من أكثر محطات المرحلة الانتقالية إثارة للجدل. فبالنسبة إلى أسر الضحايا والناجين من الأحداث، لم تتحول الذكرى إلى مجرد محطة تاريخية، بل ظلت مرتبطة بمطالب كشف الحقيقة وتحقيق العدالة.
ومع اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، عاد الحديث عن فض الاعتصام إلى الواجهة مجدداً، في ظل تصاعد الانتهاكات ضد المدنيين واتساع رقعة العنف في أنحاء البلاد.
ويرى مراقبون أن الأسئلة التي أثيرت عقب أحداث يونيو 2019 لا تزال مطروحة حتى اليوم، وفي مقدمتها كيفية تحقيق المساءلة، ودور العدالة في بناء دولة مستقرة بعد سنوات من الاضطرابات السياسية والصراعات المسلحة.
روايات متباينة حول المسؤولية

تظل قضية تحديد المسؤولية عن الانتهاكات التي صاحبت فض الاعتصام موضع خلاف سياسي وقانوني. وقد شُكّلت لجنة برئاسة نبيل أديب، إلا أنها لم تكمل مهامها أو ترفع تقريرها خلال العامين الأولين من الحكم الانتقالي، ثم تجمّد عملها بعد انقلاب 25 أكتوبر 2021.
وعلى مدار السنوات الماضية، ظلت المؤسسة العسكرية والأمنية في البلاد تنفي مسؤوليتها عن فض الاعتصام، رغم الاتهامات التي وُجهت إلى المجلس العسكري آنذاك برئاسة عبد الفتاح البرهان ونائبه محمد حمدان دقلو "حميدتي".
ونفى المجلس العسكري، ومن بعده مجلس السيادة ورئيسه عبد الفتاح البرهان، أن تكون القوات النظامية أو قوات الدعم السريع قد نفذت عملية فض الاعتصام.
إلا أنه عقب اندلاع حرب أبريل 2023 تغيّرت الاتهامات؛ ففي أكتوبر 2023 اتهم رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان قوات الدعم السريع بالمسؤولية عن الانتهاكات التي وقعت أثناء عملية الفض، معتبراً أن ما حدث يمثل جرحاً عميقاً في الذاكرة الوطنية.
ونفى قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو "حميدتي" تلك الاتهامات، داعياً إلى تحقيق مستقل يحدد المسؤوليات وفقاً للأدلة والوقائع بعيداً عن التجاذبات السياسية.
وبين هاتين الروايتين، لا يزال ملف فض الاعتصام من الملفات التي لم يُحسم الجدل حولها بصورة نهائية، رغم المطالبات المتواصلة بكشف الحقائق وتحديد المسؤوليات.
العدالة المؤجلة
منذ تشكيل الحكومة الانتقالية عقب سقوط النظام السابق، برزت قضية العدالة لضحايا فض الاعتصام باعتبارها أحد أبرز مطالب القوى المدنية وأسر الضحايا.
وأكد رئيس الوزراء السابق عبدالله حمدوك، في أكثر من مناسبة، أن تحقيق العدالة يمثل استحقاقاً أساسياً من استحقاقات الثورة السودانية، وأن بناء دولة القانون يتطلب كشف الحقائق ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.
وفي هذا السياق، شُكّلت لجنة تحقيق مستقلة برئاسة المحامي نبيل أديب، الذي شدد مراراً على ضرورة التعامل مع القضية من خلال الأدلة والإجراءات القانونية، بعيداً عن الاتهامات السياسية أو الأحكام المسبقة.
ويرى عدد من القانونيين أن أي عملية مساءلة حقيقية ينبغي ألا تقتصر على المنفذين المباشرين للأحداث، بل تشمل أيضاً كل من يثبت تورطه في التخطيط أو إصدار الأوامر أو الإشراف على تنفيذها.
الحرب تعيد طرح الأسئلة نفسها
ومع اندلاع الحرب في السودان خلال أبريل 2023، دخلت البلاد مرحلة جديدة من العنف وعدم الاستقرار، إذ شهدت مناطق عدة انتهاكات واسعة النطاق ضد المدنيين.
ففي مدينة الجنينة بغرب دارفور، قُتل عدد كبير من المدنيين خلال أعمال عنف وهجمات استهدفت أحياء سكنية ومواقع للنازحين. كما شهدت قرية ود النورة بولاية الجزيرة سقوط عشرات الضحايا خلال هجوم مسلح أثار إدانات محلية ودولية.
وفي العاصمة الخرطوم، تعرضت أحياء عدة للقصف والاشتباكات، بينما شهدت مناطق في شمال كردفان، من بينها قرى تقع غرب مدينة بارا، هجمات أسفرت عن سقوط ضحايا مدنيين ونزوح أعداد من السكان.
وتعكس هذه الوقائع حجم الأزمة الإنسانية التي يواجهها السودان، كما تعيد إلى الواجهة التساؤلات المرتبطة بمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات وحماية المدنيين خلال النزاعات المسلحة.
العدالة الانتقالية... أكثر من المحاكمات
وعقب أحداث فض الاعتصام، أكد عدد من القانونيين والحقوقيين السودانيين أن العدالة المطلوبة لا تقتصر على إصدار الأحكام القضائية، بل تشمل أيضاً كشف الحقيقة وجبر الضرر وإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع.
وفي هذا الإطار، دعا الراحل كمال الجزولي، المحامي، إلى تبني مفهوم شامل للعدالة الانتقالية يقوم على الاعتراف بما حدث وتوثيق الانتهاكات وإنصاف الضحايا إلى جانب المحاسبة القانونية.
كما ظل الراحل أمين مكي مدني من أبرز الأصوات المدافعة عن ترسيخ دولة القانون وحقوق الإنسان، مؤكداً أن السلام المستدام لا يمكن أن يتحقق في غياب العدالة والمساءلة.
ويذهب الباحث يوسف محمد زين إلى أن العدالة الانتقالية تمثل عملية اجتماعية وسياسية متكاملة، تبدأ بالاعتراف بالانتهاكات، وتمر بالمحاسبة، وتنتهي بإعادة بناء الثقة بين المواطنين ومؤسسات الدولة.
البعد القانوني والحقوقي
من جهتها، ترى البروفيسورة زحل محمد الأمين أن ذكرى فض الاعتصام تتجاوز البعد السياسي لتشكل قضية حقوقية وإنسانية ما زالت آثارها مستمرة.
وتشير إلى أن الأحداث شهدت استخداماً واسعاً للقوة ضد المعتصمين في محيط القيادة العامة، وأن تقييم التوصيف القانوني لتلك الوقائع يظل مرتبطاً بنتائج التحقيقات والأدلة المتوافرة وفقاً لمعايير القانون الدولي.
وتؤكد أن الجرائم الجسيمة المرتبطة بانتهاكات حقوق الإنسان تستوجب التحقيق والمساءلة، وأن حقوق الضحايا لا تسقط بمرور الزمن، ما يجعل مطلب العدالة حاضراً مهما طال أمد النزاع.

شهادة أب فقد ابنه
وبعيداً عن النقاشات السياسية والقانونية، تبقى شهادات أسر الضحايا من أكثر الجوانب تأثيراً في هذا الملف.
ويقول هاشم مطر، والد الشهيد محمد هاشم مطر، إن فض الاعتصام شكّل نقطة تحول في حياة كثير من الأسر السودانية التي فقدت أبناءها خلال تلك الأحداث.
ويضيف أن الاعتصام كان بالنسبة إلى جيل كامل تعبيراً عن الأمل في بناء دولة جديدة تقوم على الحرية والسلام والعدالة، إلا أن ما حدث ترك جرحاً عميقاً ما زال حاضراً في الوجدان السوداني.
ويرى أن الحرب الحالية وسّعت دائرة المعاناة لتشمل قطاعات واسعة من السودانيين، في وقت ما زالت فيه مطالب العدالة المتعلقة بأحداث فض الاعتصام قائمة من دون حسم نهائي.
ويستحضر مطر كلمات الشاعر يوسف مصطفى التني: «سوداني الجوه وجداني بريدو»، وكأنها الطريقة الوحيدة لشرح ما لا يمكن شرحه.
ويقول إن الألم اليوم لم يعد فردياً، لأن السودان كله أصبح يعيش فقداً واسعاً بعد الحرب، وكأن الجرح القديم اتسع بدلاً من أن يلتئم.
آثار نفسية مستمرة
وفي سياق توثيق الآثار الإنسانية للأحداث، تناول تقرير حديث صادر عن مركز الأحفاد للإرشاد وعلاج الصدمة النفسية التداعيات النفسية المرتبطة بفض الاعتصام.
وأشار التقرير إلى أن عدداً من الناجين والناجيات تلقوا دعماً نفسياً وجلسات إرشاد طويلة الأمد، بعد ظهور أعراض مرتبطة باضطرابات ما بعد الصدمة، من بينها القلق واضطرابات النوم واسترجاع الأحداث بصورة متكررة.
ووفق التقرير، فإن الآثار النفسية التي خلفتها الأحداث لم تقتصر على الفترة التي أعقبتها مباشرة، بل استمرت لدى بعض المتضررين لسنوات، في ظل تجدد مشاعر الصدمة مع كل ذكرى سنوية للواقعة.
بين الذاكرة والمستقبل
بعد سنوات من فض الاعتصام، لا تزال القضية تمثل واحدة من أكثر الملفات حساسية في التاريخ السوداني المعاصر.
فبين مطالب كشف الحقيقة وتحقيق العدالة، وبين الحرب التي تشهدها البلاد اليوم، يبقى السؤال مطروحاً حول قدرة السودان على تجاوز إرث الانتهاكات وبناء مستقبل أكثر استقراراً.
وبالنسبة إلى كثير من السودانيين، لا يتعلق الأمر باستعادة أحداث الماضي فحسب، بل بالبحث عن إجابة لسؤال أكبر: كيف يمكن تأسيس دولة تقوم على سيادة القانون وتحظى بثقة مواطنيها بعد سنوات من الصراعات والانقسامات؟
وهو سؤال لا يبدو أن الإجابة عنه باتت مرتبطة بالماضي وحده، بل بمستقبل السودان نفسه.



التعليقات (0)
جاري التحميل...