محمد الأمين عبد النبي

تتأسس القراءة الأخلاقية للحرب في السودان، على تفكيك الوهم السياسي والقانوني الذي تحاول الأطراف المتصارعة تسويقه؛ فبين شعاراتها المرفوعة يتبدى بوضوح تهافت المسوغات، أمام النقص الفادح في إدراك عواقب الأفعال. إنَّ القيمة الأخلاقية -لأيِّ فعل- لا تُقاس بشعاراته النظرية، وإنما بميزان الخير والشرِّ الذي يجلبه للبشرية؛ وفي الحرب السودانية، حُشدت الشعارات كغطاء لتدمير البنية الفوقية المرتبطة بالمعاني قبل البنية التحتية المرتبطة بالمباني، مما يجعل الحرب صراعاً تلتهم فيه الوسائل الدموية الغاياتِ المدَّعاة، وتفقد معه كل مشروعية.

تتجلى الدلالة الأكثر خطورة لهذا الانحطاط، في ارتكاب الفظائع ضدَّ المدنيين، وإطلاق العنان للتوحُّش والقبح؛ وهو ما يفسِّر حملات التصفية الانتقامية واستهداف الأبرياء بحجة التعاون مع العدو، في وقتٍ يُستقبل فيه قادة العدو أنفسهم بالأحضان.

وفي هذا المنحدر السحيق، تبرز ظاهرة الانشقاق وعكس البندقية كأحد أبرز تجليات غياب المبدأ الأخلاقي؛ إذ يكشف تحوُّل الولاء عن عمق الزيف. فالحرب في جوهرها تكالبٌ على الامتيازات والنفوذ، حيث يُعاد تدوير المواقف وتبرير الجرائم بمجرَّد تغيير الخندق والراية، وكأن الولاء الجديد صكُّ غفران يمحو دماء الضحايا. إنَّ الاعتماد على بنادق تفتقر في سلوكها الميداني إلى أدنى معايير الإنسانية، يمثل تناقضًا بنيويًا ينفي مصداقية أيَّ شعار؛ كما أنَّ تدوير أدوات القهر، وتبييض وجوه الانتهاكات، والتنقُّل بين محاور الصراع، يعكس عمىً أخلاقيًا لا يزول إلا بإدراك عقم السلاح، وامتلاك شجاعة العودة إلى طاولة التفاوض بدلًا من استجلاب العناصر الأكثر دموية وتوحُّشًا.

تشير التحولات المتسارعة إلى أنَّ معسكري الحرب يعيشان مخاضًا من التفكك؛ حيث تأتي انشقاقات قيادات من وزن: (كيكل، والقبة، والسافنا، وبقال)، من معسكر الدعم السريع لتكشف عن تصدُّعات وأزمات عميقة في تركيبته تفوق محاولات التقليل من شأنها. إنَّ هذه الانشقاقات تمثِّل ضربة قاصمة في إطار الحرب النفسية؛ إذ تكسر سردية التماسك -التي طالما سوّقها الدعم السريع-، وتُفقد المقاتلين الحاضنة المعنوية، مما يعمِّق أزمة الثقة البينية ويُسرِّع وتيرة انهيار المشروع برمته.

وفي المقابل، فإنَّ تدفق هؤلاء المنشقين نحو معسكر الجيش لا يمثل كسبًا عسكريًا، بقدر ما يشكِّل عبئاً يُعجِّل بتفجير الأزمات الكامنة داخل هذا التحالف الهش؛ إذ سرعان ما انغمس الوافدون الجدد في معترك الاستقطاب والتنافس على الامتيازات. هذه الديناميكية ستؤدي حتمًا إلى تفاقم حدة التنازع، لتُحيل المعسكر إلى حلبة صراع لتصفية الحسابات بين مراكز القوى المتنافسة على الكراسي.

وتتجلى قمة السقوط الأخلاقي عندما يُعاد تدوير مرتكبي الفظائع وقادة الانتهاكات ليُستقبلوا استقبال الفاتحين في معسكر الجيش، وتُشرع لهم منصات الإعلام، في وقتٍ يقبع فيه مدنيون عُزّل خلف قضبان السجون بتهمة التعاون! إنَّ هذه المفارقة الصادمة تكشف عن وعي معكوس للعدالة؛ يعاقب المتعاون المفترض ويُكافئ المجرم الفعلي، وتؤكِّد بالدليل الدامغ أنَّ المواطن هو الضحية الأرخص في هذه المحرقة، حيث تُنتهك حقوقه مرتين: مرة تحت وطأة البنادق، ومرة أخرى على طاولة الصفقات الانتهازية التي تشتري الولاءات المتقلِّبة على حساب أشلاء الضحايا وأنين المظلومين.

وفي خضم هذا الصراع، تبرز حقيقة قطعية؛ وهي أنَّ هذه الحرب التي تُدار زيفًا باسم الشعب لا ناقة له فيها ولا جمل، وليس من المقبول أخلاقيًا أن تُستنزف دماؤه وتُبدد موارده لإعادة هندسة النفوذ بين أمراء السلاح. فاستحقاقات التاريخ تؤكد أنَّ البندقية عاجزة تمامًا عن وضع لبنة واحدة لشرعية دائمة بالقوة المجرَّدة، وأنَّ أيَّ مشروع إقصائي يصادر الإرادة المدنية محكوم عليه سلفاً بالارتطام بصخرة الواقع ومقاومته الحتمية.

إنَّ عكس البندقية وتبديل الخنادق، لا يمكن أن يؤسِّس لسلام أو يستعيد استقرارًا، بل هو الأداة الفاضحة لتهافت شعارات الحرب. فعندما تُصادر الإرادة الوطنية ويُحظر العمل المدني، يتكشَّف بوضوح أنَّ طرفي النزاع يشتركان في تقاسم تركة الحرب الخبيثة من فظائع لا تُغتفر. إنَّ الانتقال الحقيقي لا يتحقق باستبدال راية بأخرى، وإنما بالتخلي الكامل عن السلاح، والانضمام غير المشروط لركب السلام.

 

 

 

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...