إمام الحلو
ملخص الفكرة .. ما قبل الدولة (1)
حين زحفت جيوش محمد علي باشا جنوبًا عام (1820م)، لم تكن المنطقة التي احتلتها دولةً واحدة ولا أمةً واحدة، بل مجموعة من الممالك والسلطنات المتباينة ثقافيًا واقتصاديًا، لا يربطها رابط سياسي أو اجتماعي. ووفق تعريف الدولة القومية الذي يشترط "الوعي القومي المشترك"، فإن ما أقامه محمد علي لم يكن سوى بناء إداري جغرافي قسري.
جاءت الحركة المهدية (1881م)، لتكون أول محاولة حقيقية لصهر هذا التنوع في هُوية جامعة، إذ جمعت مقاومات شعبية متفرقة ومتراكمة في ثورة شاملة أسست لأول دولة سودانية بمعنى الكلمة. وبسرعة تم وأدها في مهدها من قبل القوى الإمبريالية.
دولة وينجيت
حين عاد الاحتلال البريطاني- المصري عام (1898م)، كان هدفه المعلن -كما أكد المؤرخ نوح سلومون من جامعة شيكاغو- محو كل أثر للمهدية. أسس وينجيت دولته على خمس ركائز:
بيروقراطية مدنية مُدجَّنة من خريجي كلية غردون، وبيروقراطية عسكرية مستعلية ذات ولاء للحاكم العام، وإدارة أهلية خاضعة من زعماء قبائل موالية، واقتصاد يخدم مصالح الاستعمار (تصدير القطن لمصانع لانكشير)، وهيئات دينية محافظة لتحجيم جذوة الحركة المهدية والطرق الصوفية،
بعد الاستقلال عام (1956م)، واصلت النخبة المدنية تشغيل الدولة بنفس المؤسسات الاستعمارية الخمس، امتدادًا لدولة وينجيت التي لم تُصمَّم أصلًا لخدمة المواطن.
دولة العسكر
من أصل سبعين عامًا مضت منذ الاستقلال، حكم العسكر السودانَ ستةً وخمسين عاماً (80%). ويعود ذلك إلى أن الجيش السوداني نشأ بعقيدة كلونيالية مهمتها الأولى "حفظ الأمن الداخلي" لا الدفاع عن الوطن. وقد أنتجت هذه البنية ظاهرة "الاحتلال الداخلي": انقلابات متتالية تطيح بالحكومات المدنية، وبيروقراطية تعمل بمنطق الاستعلاء والوصاية على المواطن لا خدمته. وظلت الحكومات المدنية المنتخبة تواجه عرقلة خفية من البيروقراطيتين قبل أن تنقض عليها بالانقلابات.
دولة المشروع الحضاري
أضاف انقلاب الجبهة الإسلامية القومية (1989م)، طبقة جديدة من التعقيد: محاولة استبدال "دولة وينجيت" بدولة "المشروع الحضاري" عبر سياسة التمكين التي شرّدت الكفاءات واستبدلتها بالموالين، وحوّلت الدولة إلى أداة لفرض هُوية أحادية. وفشل هذا المشروع أيضًا لأنه بني على أيديولوجية إقصائية، وطموحات توسعية لقيادة العالم الإسلامي السني خارج الحدود.
الدولة الوطنية
إن حرب أبريل (2023م) تدور في جوهرها بين ثلاثة مشاريع متصارعة: إعادة بناء "دولة وينجيت"، وتأسيس دولة "علمانية جديدة"، واستعادة دولة "المشروع الحضاري" المستترة. والمشاريع الثلاثة محكوم عليها بالفشل لأنها تقوم على فرضية "الدولة- الأمة" القومية التي لا يتوفر شرطها الجوهري "الوعي الجمعي المشترك" في السودان.
والمخرج الوحيد هو التوافق على دولة وطنية لا مركزية فدرالية قائمة على المواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات، وإدارة رشيدة للتنوع الثقافي والعرقي، ومبادئ الديمقراطية التوافقية المستدامة، وحقوق الإنسان، ضمن منظومة تكامل إقليمي مع دول حوض النيل. وذلك لن يتأتى إلا بوقف الحرب أولًا عبر التفاوض، ثم توافق كل السودانيين على إعادة بناء الدولة من أسس جديدة.




التعليقات (0)
جاري التحميل...