د. إبراهيم البدوي
"... ولا أزعم أن كتاباتي منزلة، بل هي اجتهادات من شأنها أن تخاطب أجيالاً، وواجبنا نحوها أن نخاطبها، وقد تكون حافزاً لآخرين، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون" (من كتاب يسألونك: كبسولات متنوعة، الإمام الصادق المهدي).
مقدمة:
لقد قدم الإمام الصادق المهدي مشروعاً فكرياً تأسيسياً جامعاً، سبر فيه أغواراً عميقة في مختلف حلقات انتمائنا الإسلامي، العربي-الأفريقي والإنساني، من منظور يسعى للتوفيق بين الأصالة والحداثة، وبين الشرعية الدينية والدستورية، وبين الاستحقاقات الوطنية والالتزامات الدولية.
فقد ألّف الإمام ما يناهز مائة وعشرين إصداراً، تراوحت بين أسفار ضخمة مثل كتابه الموسوم «الدين والفلسفة»، وكتب وكتيبات عالجت قضايا التأصيل والتجديد، حيث سعى الإمام إلى بناء مشروع يوفق بين قيم الإسلام ومبادئ الحداثة، فانتقد نموذج «الدولة الإسلامية» المؤدلجة، وطرح بديلاً عنها رؤية دستورية ديمقراطية مستلهمة من روح الإسلام؛ والعقد الاجتماعي، مبلوراً فكرة عقد اجتماعي إسلامي تقدمي يحقق التوازن بين الحرية الفردية، والعدالة الاجتماعية، والشرعية السياسية؛ والدين والسياسة، مؤكداً على ضرورة الفصل الوظيفي بين الدعوة الدينية والعمل السياسي مع التكامل في القيم، بما يضمن عدم استغلال الدين لأغراض سلطوية؛ والاجتهاد والتعددية، حيث شدّد على الاجتهاد المستنير، واحترام التعددية المذهبية والفكرية، ورفض الإقصاء الديني أو الأيديولوجي.
أكثر من ذلك، فإن مساهمات الإمام لم تقتصر على المعاقد الفكرية التأسيسية الكبرى، على أهميتها، فقد كان له أيضاً مشروع برامجي وازن في قضايا السياسة والاقتصاد وغيرها من الشؤون العامة. لقد كان الإمام، كزعيم وطني صميم، حاضراً في كل ساحات العمل الوطني، حيث تواصل عطاؤه الفكري حتى وهو متقلب في سجون النظم الشمولية المتعاقبة، والتي أمضى فيها أكثر من ثماني سنوات من سني مسيرته الحافلة بالتضحية والعطاء.
وقد شملت مساهماته البرامجية:
• الديمقراطية والدستور: داعياً إلى تطوير النظام الديمقراطي البرلماني إلى مشروع وطني لا يقوم فقط على التعددية السياسية، والتداول السلمي للسلطة، وسيادة حكم القانون فحسب، بل يحتوي على مشروع برامجي نهضوي يحظى بقبول واسع، بحسبانه الرافعة الأهم لبناء الطبقة الوسطى واستدامة الديمقراطية.
• السلام والوحدة الوطنية: ركّز على معالجة جذور الحرب الأهلية في السودان عبر الحوار الشامل والتنمية المتوازنة، ونادى بمشروع وطني يتجاوز الانقسامات الجهوية والعرقية، داعياً إلى ميثاق تعايش وطني (عقد اجتماعي جديد) يضمن المشاركة واللامركزية والسلام الأهلي.
• حقوق الإنسان: تبنّى خطاباً حقوقياً يستند إلى المواثيق الدولية والقيم الإسلامية، وأكد على حماية الحريات العامة، وحقوق المرأة والشباب، داعياً إلى صياغة نص دستوري على أساس المواطنة والحقوق بلا تمييز، وباب للحريات الدينية والفكرية، مع تحكيم المواثيق الدولية في تفسير الحقوق.
• التنمية والعدالة الاجتماعية: طرح رؤى للإصلاح الاقتصادي والاجتماعي توازن بين آليات السوق ودور الدولة في تقديم الحماية الاجتماعية الشاملة (Universal Social Protection).
• العلاقات الخارجية: تبنى سياسة «الوسطية» في الانتماء العربي والأفريقي والإسلامي، مع الانفتاح على النظام الدولي، بما يحفظ استقلال القرار الوطني.




التعليقات (0)
جاري التحميل...