عاطف عبد الله
تمثل عودة صحيفة "صوت الأمة" إلى الصدور من جديد أخيرًا، حدثًا سياسيًا وثقافيًا يستحق الترحيب والاحتفاء، ليس فقط باعتبارها منبرًا حزبيًا عريقًا ارتبط بتاريخ الحركة الوطنية السودانية، وإنما -أيضًا- لما تمثِّلُه هذه العودة من دلالة رمزية على إصرار السودانيين على التمسُّك بحقهم في التعبير والتنظيم والحوار السياسي، بالرغم من كلِّ ما يمرُّ به الوطن من حروب وانقسامات وانهيارات مؤسساتية.
تاريخيًا، تأسست صحيفة "صوت الأمة" أو (al-Umma) في أغسطس 1944م كمنبر إعلامي لحزب الأمة القومي، كأولى الأحزاب السياسية الشعبية في السودان التي تُأطِّر للصحافة الحزبية. وقد لعبت الصحيفة دورًا محوريًا في التعبئة الشعبية لنضال الاستقلال، تحت شعار "السودان للسودانيين"، ودافعت عن قرار الحكم الذاتي الذي مرَّره الحزب داخل الجمعية التشريعية عام 1952م، بالرغم من اعتراض بريطانيا الشديد. كما وقفت الصحيفة بثبات في مواجهة محاولات شقِّ الصف من بريطانيا ومصر، وظلت منبرًا للدفاع عن الديمقراطية ومقاومة الشمولية.
إنَّ الصحافة الحزبية، في التجارب الديمقراطية الراسخة، ليست مجرَّد أدوات للدعاية السياسية، كما يحاول البعض اختزالها، بل تُعدُّ أحد أعمدة التعددية الفكرية والسياسية، ووسيلة لتطوير النقاش العام وصياغة الرؤى والبرامج ومساءلة السلطة والمجتمع معًا. ومن هذا المنطلق، فإن عودة "صوت الأمة" تعني عودة مساحة جديدة للنقاش السياسي والفكري، في وقتٍ تبدو فيه البلاد أحوج ما تكون إلى الحوار العقلاني والكلمة المسؤولة.
لقد ارتبطت الصحيفة تاريخيًا بمسيرة حزب الأمة القومي، أحد أقدم الأحزاب السياسية السودانية وأكثرها تأثيرًا في الحياة العامة، كما ارتبطت بمحطات مفصلية من تاريخ السودان الحديث، حيث لعبت الصحافة الحزبية أدوارًا مهمة في تشكيل الوعي الوطني والدفاع عن الديمقراطية ومقاومة الشمولية، حتى في أحلك الظروف وأكثرها قسوة.
ومن هنا، فإن تهنئة هيئة تحرير الصحيفة والعاملين، فيها ليست مجرَّد مجاملة بروتوكولية، بل هي تقدير حقيقي لكلِّ محاولة جادة لإحياء تقاليد العمل الصحفي المهني والمنابر السياسية المدنية في بلد أنهكته الحرب وأضعفته الاستقطابات الحادة. فاستمرار الصحافة واستعادة المؤسسات الإعلامية لدورها الطبيعي، يمثلان جزءاً من مقاومة الانهيار الشامل الذي يهدد الدولة والمجتمع معًا.
كما أنَّ عودة "صوت الأمة" ينبغي أن تُقرأ بوصفها رسالة أمل في إمكانية استعادة السياسة من قبضة السلاح، وإعادة الاعتبار للكلمة والحوار والتنافس السلمي بين المشاريع الوطنية المختلفة. فالأوطان لا تُبنى بالبندقية وحدها، وإنما تُبنى -أيضًا- بالأفكار، وبحرية التعبير، وبقدرة القوى السياسية على مخاطبة الناس عبر البرامج والرؤى لا عبر العنف والإقصاء.
وفي هذا السياق، فإنَّ المسؤولية الملقاة على عاتق هيئة تحرير "صوت الأمة"، كبيرة ومضاعفة، فالسودانيون اليوم لا ينتظرون مجرَّد خطاب تعبوي أو استعادة للغة الاستقطاب القديمة، بل يتطلَّعون إلى صحافة تفتح النوافذ للنقاش الحر، وتنتصر للحقيقة، وتقترب من هموم الناس اليومية، وتسهم في بناء وعي وطني جديد يتجاوز الانقسامات الضيقة، ويرى السودان بوصفه وطنًا يتسع للجميع.
ختامًا، تبقى عودة "صوت الأمة" خطوة تستحق الترحيب، لأنها تعني، في جوهرها، أنَّ الكلمة لا تزال قادرة على الحياة، وأنَّ السياسة المدنية لم تمت بالرغم من كلِّ الخراب، وأنَّ السودانيين لا يزالون يؤمنون بأنَّ مستقبل بلادهم لا يمكن أن يُصاغ إلا عبر التعددية والديمقراطية وحرية التعبير. وهي مناسبة لتجديد الأمل في أن تستعيد الصحافة السودانية عافيتها ودورها التاريخي بوصفها جزءاً أصيلًا من معركة بناء الدولة المدنية الديمقراطية.




التعليقات (0)
جاري التحميل...