د. محمد الواثق عبد الحميد الجريفاوي
فإذا ما نامت الشمس على صدر الأفول
فترنم بحداء العاشقين
دع الدوبيت يسري في الفلاة بلا دليل
(من قصيدة دعوا أم درمان تغني- مأمون الرشيد نايل)
ليست كل المدن متشابهة في علاقتها بالزمن. فثمة مدن تُعرَف بأسواقها، وأخرى تُعرَف بمقاهيها أو شوارعها أو معالمها الكبرى. أما أم درمان، فقد نسجت جانبًا مهمًا من ذاكرتها حول وقتٍ بعينه؛ هو وقت العصر. حتى غدت "العصرية" أكثر من مجرد فترة بين الظهر والمغرب، وأصبحت فضاءً اجتماعيًا وثقافيًا وروحيًا تتقاطع فيه تفاصيل الحياة اليومية، وتتشكل عبره العلاقات والذكريات.
في أم درمان، كان للعصرية إيقاعها الخاص؛ ففيها تُزار المستشفيات، وتُعقد مجالس الأنس، وتُقام المباريات الرياضية، وتخرج مواكب الأفراح، ويجتمع المريدون في المساجد، ويشيع الناس موتاهم، ويتلقى الطلاب دروسهم. وكأن المدينة كلها كانت تتفق، بصورة غير معلنة، على أن تؤجل أجمل ما فيها إلى حين تميل الشمس قليلًا نحو المغيب.
ولذلك فإن الحديث عن عصريات أم درمان ليس حديثًا عن وقت من أوقات النهار، وإنما هو حديث عن ذاكرة مدينة كاملة، وعن أسلوب حياة تشكل عبر عقود طويلة، وظل شاهدًا على روح المجتمع الأمدرماني بما فيه من تآلف وتراحم وتواصل إنساني فريد.
ولعل هذا المعنى هو ما استدعاه الشاعر في أغنية: "وقالوا بالعصر مروره". فالعصر في الوجدان الأمدرماني لم يكن مجرد توقيت عابر، بل كان زمنًا مفعمًا بالحياة، تمر عبره حكايات الناس وذكرياتهم وأفراحهم وأحزانهم.
ارتبطت فترة العصر في أم درمان بالحياة الاجتماعية أكثر من أي وقت آخر من اليوم. ففيها تبدأ الزيارات العائلية، وتتجدد صلات الرحم، وتلتقي الأسر والجيران في أجواء أقل رسمية وأكثر حميمية. وكان الناس يعتبرون العصرية الوقت الأنسب للتواصل الاجتماعي، بعد انقضاء مشاغل العمل والدراسة وقبل حلول المساء.
وكانت زيارة المرضى تقليدًا اجتماعيًا راسخًا يرتبط غالبًا بالعصرية. ففي هذا الوقت يتوجه الأقارب والأصدقاء والجيران إلى المستشفيات للاطمئنان على المرضى، حاملين معهم الدعوات الصادقة وكلمات المواساة. ولم تكن الزيارة مجرد واجب اجتماعي، بل كانت تعبيرًا عن تماسك المجتمع وشعور أفراده بالمسؤولية تجاه بعضهم بعضًا.
ومن الأصوات التي ارتبطت بالعصرية في أم درمان صوت إمام مسجد السيد عبد الرحمن وهو يتلو راتب الإمام محمد أحمد المهدي بعد صلاة العصر. كان ذلك الصوت يشكل جزءاً من المشهد اليومي للمدينة، فيبعث الطمأنينة في النفوس ويمنح الوقت بعدًا روحيًا يميز العصرية عن غيرها من ساعات النهار.
أما يوم الجمعة، فكانت للعصرية نكهة مختلفة في مسجد سيدي الشيخ قريب الله الطيار. إذ يتوافد المريدون والزوار إلى المسجد في أجواء تجمع بين العبادة والتواصل الاجتماعي، فتتحول العصرية إلى مناسبة روحية وثقافية يلتقي فيها الناس حول الذكر والمحبة والتآلف.
وارتبطت العصرية أيضًا بمشاهد الوداع الأخيرة، إذ جرت العادة أن تتم مراسم الدفن إما في الصباح الباكر أو في العصرية. وكانت الجنازات في ذلك الوقت تمنح المشيعين فرصة المشاركة الواسعة في تشييع موتاهم، في مشهد يجسد قيم التكافل والتراحم التي عُرفت بها أم درمان.
وفي الجانب الرياضي، شكلت دار الرياضة أم درمان واحدة من أشهر معالم العصرية الرياضية في المدينة. فمع انكسار حرارة الشمس كانت الجماهير تتوافد لمتابعة المباريات واللقاءات الرياضية، لتتحول العصرية إلى مهرجان شعبي يجمع مختلف الفئات والأعمار حول عشق الرياضة.
ولم تكن الرياضة حكرًا على الملاعب المنظمة، فقد عرفت أحياء أم درمان مباريات "الدارفوري" التي كانت تُقام في الساحات المفتوحة خلال فترة العصر. وكانت هذه المباريات تمثل مساحة للترفيه والتنافس الشريف، وتسهم في بناء علاقات الصداقة والانتماء بين أبناء الأحياء.
كما تميزت أم درمان بظاهرة الدورات الرياضية التأبينية التي تقام تخليدًا لذكرى الراحلين من أبناء الأحياء والرموز الاجتماعية. وكانت العصرية هي الوقت المفضل لهذه الفعاليات، حيث تمتزج المنافسة الرياضية باستحضار الذكريات الجميلة وتكريم أصحاب الأثر الطيب.
وحفظت الذاكرة الأمدرمانية أسماء ملاعب الروابط الشعبية مثل ميادين الأهلية وأبوروف والمهدية... وغيرها. وكانت هذه الملاعب تنبض بالحياة في العصرية، حيث تتجمع الفرق والجماهير في مشهد يعكس حيوية المجتمع وارتباطه بالرياضة الشعبية.
وفي الأفراح السودانية القديمة (السيرة مرقت عصر يا عديلة)، كانت السيرة كثيرًا ما تخرج في فترة العصر. وكان خروج موكب العريس في ذلك الوقت يمنح المناسبة جمالًا خاصًا، حيث يشارك الجيران والأقارب في الاحتفال وسط أجواء من البهجة والحركة التي تملأ الشوارع والأحياء.
كما ارتبطت بعض طقوس (سبوع) أولاد الطهور بالعصرية، والنساء بعد انقضاء الأربعين عند ممارسة عادة زيارة النيل. وكانت الأسر تخرج بأطفالها وأقاربها إلى ضفاف النهر في احتفال يجمع بين الفرح الشعبي والرمزية الاجتماعية، في مشهد ظل جزءاً من تقاليد المجتمع السوداني لفترات طويلة.
وربما لا توجد صورة أكثر التصاقًا بالعصرية من جلسات شاي العصر وقهوة العصر (بعد الغداء)، ففي هذا الوقت تجتمع الأسر والجيران لتبادل الأخبار والأحاديث اليومية، فتتشكل تلك اللحظات الصغيرة التي صنعت عبر السنين نسيج العلاقات الإنسانية في المجتمع الأمدرماني.
واحتل "درس العصر" في المدارس وفي بيوت المعلمين المشهورين، مكانة خاصة في حياة الطلاب والأسر. فقد كان الوقت المفضل للدروس الخصوصية وحلقات التقوية، حتى تحول إلى تعبير مجازي يقال عند الحاجة إلى مزيد من الشرح والتوضيح: "الموضوع ما عاوز ليه درس عصر"، في إشارة إلى وضوح الأمر وعدم حاجته إلى تفصيل إضافي.
ومع تغير أنماط الحياة بدأت تظهر حفلات العصر، خاصة بعد انتقال كثير من دعوات الأفراح من العشاء إلى الغداء. وقد عكس هذا التحول تغيرات اجتماعية واقتصادية متعددة، لكنه في الوقت نفسه حافظ على مركزية فترة العصر بوصفها زمنًا مفضلًا للاجتماع والاحتفال.
وعندما نتأمل هذه المشاهد مجتمعة، ندرك أن العصرية في أم درمان لم تكن مجرد جزء من اليوم، بل كانت إطارًا زمنيًا احتضن تفاصيل الحياة كلها؛ من العبادة إلى الرياضة، ومن الأفراح إلى الأتراح، ومن الجلسات الأسرية إلى الأنشطة العامة. ولهذا بقيت العصرية واحدة من أكثر المفردات ارتباطًا بذاكرة أم درمان وروحها الاجتماعية الفريدة.
فإذا كانت لكل مدينة ساعة تعرف بها، فإن أم درمان عرفت بالعصرية؛ ذلك الوقت الذي كانت فيه المدينة تخرج من بيوتها إلى فضائها الرحب، وتتبادل التحايا والزيارات والذكريات، وتكتب دون أن تدري فصولًا متجددة من سيرتها الاجتماعية. لذلك لم تكن عصريات أم درمان مجرد ساعات من نهار، وإنما كانت ذاكرة مدينة كاملة ما زالت تعيش في وجدان أهلها حتى اليوم.




التعليقات (0)
جاري التحميل...