صوت الأمة ــ عبد الله حسن

في ظل الظروف القاسية التي عاشتها مناطق شرق الجزيرة، حيث انقطعت الكهرباء وتوقفت مضخات المياه عقب التوترات الأمنية ودخول قوات الدعم السريع إلى المنطقة، لم تكن الحياة الزراعية سهلة، كما لم تعد حركة الناس كما كانت من قبل. فقد أصبحت التنقلات تعتمد بصورة كبيرة على الدواب، وتراجعت الخدمات الأساسية بشكل ملحوظ، لكن وسط هذا المشهد برزت قصة مختلفة.

المواطن السوداني عثمان الصديق لم يتوقف عند حدود الأزمة، بل اختار أن يتحرك في الاتجاه المعاكس للانهيار. فقبل سقوط جبل أولياء، قام بترحيل شتول التين إلى جنوب المنطقة، ثم أعاد نقلها لاحقاً إلى قريته «الحسين آدم» بشرق الجزيرة، في محاولة للحفاظ عليها من التلف وسط الظروف المتقلبة.

ومع استمرار الأزمة، اضطر عثمان إلى نقل الشتول مرة أخرى إلى مزرعة خارج القرية، بحثاً عن مصدر بديل للمياه بعد انقطاعها داخل القرية. وبجهود من الأهالي، تم توفير ألواح طاقة شمسية لتشغيل بئر المياه، لكنها تعرضت لاحقاً للسرقة، ما دفعه إلى ترحيل الشتول مجدداً داخل القرية.

ورغم هذه الدوامة من التنقل والبحث عن الاستقرار، لم يتوقف عثمان، بل واصل توزيع شتول التين على عدد من القرى المجاورة، مثل ود الفضل، والغنوماب، وريبا، والقبة، وتمبول، وكريعات، وزرقة وغيرها، مستخدماً عربة «كارو» كوسيلة نقل بسيطة وسط واقع اقتصادي وأمني معقد.

ولم تقتصر جهوده على التين فقط، بل امتدت إلى جمع بذور المانجو من محال العصائر في سوق تمبول، ليعيد زراعتها في الأراضي المتاحة، في محاولة لصناعة غطاء نباتي جديد يعيد للحياة لونها وسط الخراب.

 

ويقول عثمان إن علاقته بالزراعة ليست مجرد عمل، بل «أنس وارتباط بالحياة»، مضيفاً أن الحديث عن الأشجار والنباتات هو الأكثر سلاماً وهدوءاً في زمن يمتلئ بالتوتر.

ويستشهد بحديث النبي محمد صلى الله عليه وسلم: «إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع ألا تقوم حتى يغرسها فليغرسها»، باعتباره قاعدة توجه خطواته اليومية.

وقصة عثمان الصديق ليست مجرد حكاية مزارع، بل نموذج لإنسان اختار أن يغرس الأمل في أرض مضطربة، مؤمناً بأن التغيير يبدأ من شتلة صغيرة يمكن أن تصمد أمام العواصف وتكبر رغم كل الظروف.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...