محمد الأمين عبد النبي
شهدت أديس أبابا تحولًا مهمًا في مسار الآلية الخماسية المعنية بتيسير العملية السياسية السودانية، بعدما أسفرت مشاوراتها الأخيرة عن انخراط أطراف من الكتلة الديمقراطية واستجابة تحالف تأسيس للمشاركة في النقاشات الجارية. ويمثل هذا التطور تقدمًا سياسيًا يعكس تنامي القناعة بضرورة الالتقاء حول المشتركات الوطنية لإنهاء الحرب وفتح الطريق أمام عملية سياسية جادة، بالرغم من بعض التحفظات المحدودة التي تظل جزءاً من طبيعة التباينات السياسية.
وتكتسب الورقة الموحدة التي توافق عليها: تحالف صمود، والكتلة الديمقراطية، وقوى إعلان المبادئ السوداني، وأحزاب ميثاق القاهرة، وعدد من الشخصيات المدنية، أهمية خاصة باعتبارها تعبيرًا عن نضج الموقف المدني الداعم للحل السياسي. فهذه الخطوة لا تهدف فقط إلى توحيد الرؤى، وإنما إلى استعادة زمام المبادرة الوطنية وتمكين السودانيين من تصميم العملية السياسية بأنفسهم، بعيدًا عن تضارب المصالح الإقليمية والدولية، وإبطالًا لمحاولات المماطلة وصيغ الحوار "المطبوخة" والتي لا تنبع من الإرادة الوطنية.
كشف هذا التطور، محدودية قدرة سلطة الأمر الواقع على تعطيل مسارات السلام كما درجت في السابق. ومع تراجع هامش المناورة السياسية، برزت خطابات متشنجة ومواقف متطرفة تعكس القلق من استحقاقات المرحلة المقبلة، وفي مقدمتها العدالة الانتقالية، وتفكيك اقتصاد الحرب، واستعادة المجال السياسي المدني. وقد عزز ذلك قناعة المجتمعيْن الإقليمي والدولي بأن استمرار الحرب لم يعد يخدم سوى الأطراف المستفيدة منها، بينما تتهاوى رهانات الحسم العسكري التي تهدد وحدة البلاد ومستقبلها.
إن تجاوز إخفاقات التجارب السابقة يتطلب الانتقال إلى نموذج جديد يقوم على هندسة متكاملة للعملية السياسية، بما يفضي إلى تأسيس عقد اجتماعي جديد قائم على المواطنة المتساوية والعدالة والمصالحة الوطنية. ومن هذا المنطلق تبرز الحاجة إلى تشكيل لجنة تحضيرية من القوى المدنية الرافضة للحرب، تتولى وضع الأسس المنظمة للعملية السياسية وضمان حمايتها من محاولات الاختطاف أو الإغراق بالكيانات المصنوعة لتشويه التمثيل الحقيقي للقوى الوطنية.
وتتمثل المهام الأساسية لهذه اللجنة في وضع معايير عادلة للمشاركة، وتحديد قضايا العملية السياسية وأولوياتها، وعزل القوى التي أسهمت في إشعال الحرب وتقويض الانتقال الديمقراطي، إلى جانب تهيئة مناخ الحوار عبر مواجهة خطاب الكراهية ووضع الضوابط الكفيلة بمنع توظيف العملية السياسية لمصلحة أي طرف على حساب المصلحة الوطنية.
وتنبع أهمية اللجنة التحضيرية أيضًا، من قدرتها على الربط بين المسارات الإنسانية والأمنية والسياسية في إطار رؤية متكاملة. فالمسار الإنساني يتطلب استجابة عاجلة لمعالجة الكارثة الإنسانية المتفاقمة، بينما يمثل وقف إطلاق النار المدخل الضروري لإنهاء العدائيات وبناء الثقة عبر فتح الممرات الآمنة، وإطلاق سراح الأسرى، وتجميد العمليات العسكرية، وتوسيع الفضاء المدني. أما المسار السياسي، بوصفه شأنًا مدنيًا خالصًا، فيتطلب حوارًا رشيدًا يعبئ الرأي العام ويؤسس لشراكة وطنية تمنع العودة إلى دائرة الحرب.
لقد شكل الاجتماع التشاوري في أديس أبابا، خطوة متقدمة أعادت ترتيب أولويات الحل على أسس أكثر واقعية واتساقًا، واضعة العملية السياسية في مسارها الصحيح. ومن ثم فإن دعم هذه الخطوة وتطويرها يمثل واجبًا وطنيًا، باعتبارها المدخل الأكثر جدية لبناء سلام مستدام وإنقاذ السودان من دوامة الحرب والانقسام.




التعليقات (0)
جاري التحميل...